أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حميد كوره جي - من -بروسيا- إلى -وادي السيليكون-















المزيد.....

من -بروسيا- إلى -وادي السيليكون-


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 22:13
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


قصة الحريات في الديمقراطيات القائمة اليوم تعيد إلى الأذهان حكاية الملك فريدريك الثاني ملك بروسيا في القرن الثامن عشر، عندما قال: أنا والشعب توصلنا إلى اتفاق خطير، يتمثل في أنهم يقولون ما يريدون، وأنا أفعل ما أشاء. هذه المقارنة تلامس جوهر قضايا الفلسفة السياسية الحديثة، حيث يعتبرها البعض تعبيراً عن ما يصفونه بـ"الازدواجية الديمقراطية".

مقولة فريدريك العظيم تمثل صيغة مبسطة لما يُعرف بـ"الاستبداد المستنير": حيث تُمنح حرية التعبير مقابل تنفيذ السلطة قراراتها دون قيد أو شرط. وفي الديمقراطيات الحديثة، يشير العديد من النقاد إلى أن النمط ذاته يتكرر بطريقة أكثر تعقيداً وزخرفة.

في الديمقراطيات الليبرالية، يُتاح للأفراد حق نقد الحكومة، التظاهر، والتعبير بحرية كاملة. ومع ذلك، تكمن المشكلة في محدودية الأثر الناتج عن هذا القول. في بعض الأحيان، تُعتبر حرية التعبير نوعاً من "صمامات الأمان"، أداة لتفريغ الغضب المجتمعي، بينما تواصل البيروقراطية والأنظمة الاقتصادية أداءها وفق مصالح النخب. وتشير أبحاث سياسية، مثل دراسة جيلينز وبايج من جامعة برينستون، إلى أن القرارات السياسية غالباً ما تتأثر بمصالح القوى الاقتصادية الكبرى، أكثر من رغبات المواطن العادي، بغض النظر عن صوته المرتفع.

في عهد فريدريك الثاني، كانت السلطة التنفيذية محصورة في يد الحاكم فقط. أما الآن، فقد أصبحت السلطة موزّعة بطريقة معقدة بين عدة أطراف. التكنوقراط - لجان الخبراء المتخصصين - باتوا يتخذون قرارات تقنية بمعزل عن الجدل الشعبي. كما أن الشركات العالمية العابرة للقارات تؤثر بشكل كبير على الاقتصاد والسياسات بما يفوق قدرة الحكومات أو الشعوب على تغييره بسهولة. إلى جانب هذا، نجد البيروقراطية الراسخة (البيروقراطية العميقة)، التي تضمن استمرار السياسات الأساسية للدولة بغض النظر عن تغيّر المسؤولين أو الحكومات المتعاقبة.

رغم ذلك، تظل هناك فروق جوهرية تمنع الديمقراطية من التحول إلى مجرد نسخة حديثة "لاتفاق فريدريك". إذ يتميز النظام الديمقراطي بإمكانية تحويل "القول" إلى "فعل" عبر صناديق الاقتراع، حتى لو كان الطريق طويلاً وتكلفته مرتفعة. كذلك، فإن آليات المحاسبة القانونية والقضاء المستقل والصحافة الاستقصائية غالباً ما تستطيع اعتراض قرارات السلطة عند الحاجة، وهي أمور لم تكن متاحة لشعب بروسيا في القرن الثامن عشر.

يبدو أننا نشهد اليوم عصراً يمكن وصفه بـ"الاستبداد الناعم"، حيث لا يُمارَس القمع المباشر وإنما يتم استبداله بالإهمال المتعمد. فلا أحد يمنع أحداً من التعبير عن الرأي، لكن بالمقابل يتم تجاهل ما يُقال بمنهجية ممنهجة من قبل صانعي القرار.

أما الأنكى من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ"هندسة الصمت عبر إحداث الضجيج". فقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت تُعتبر أدوات تحرر في بداية العقد الماضي إلى وسيلة مهيمنة لفرض السيطرة الرقمية. المسألة لم تعد "قل ما شئت وسأفعل ما أريد"، بل أصبحت "سأجعلك تقول ما أريدك أن تقوله، وسأقنعك أنك اخترت ذلك بنفسك بينما أقوم بما خططت له سلفاً".

رأسمالية المراقبة، مصطلح أطلقته الأستاذة بجامعة هارفارد شوشانا زوبوف، يكشف كيف يتم تحويل سلوكنا الرقمي إلى بيانات تُسوّق وتُباع. هنا، السلطة لا تلجأ إلى القمع التقليدي بل تستخدم خوارزميات تتنبأ بسلوكنا وتوجّه اهتماماتنا بطريقة دقيقة.
ديمقراطية الشاشات: مسرح العرائس الرقمي
إن ما نعيشه اليوم ليس ديمقراطية، بل هو "فصام سياسي" مقنن. السلطة والشركات الكبرى التحمت لتشكل "إلهاً تقنياً" جديداً، حوّل حرية التعبير إلى مجرد "ضجيج" لا يغير من واقع الأمر شيئاً. لقد نجح تحالف (الدولة-الشركات) في مأسسة "اتفاق فريدريك"؛ فسمح لك بسبّ الحكومة في "منشور"، مقابل أن يسرق هو بياناتك، ويهندس وعيك، ويستمر في نهب الموارد خلف ستار كثيف من الدخان الرقمي.
هذا النظام لا يخشى صراخكم على المنصات، بل يشجعه؛ لأن الصراخ الرقمي هو "مخدر" يمنع الفعل الحقيقي. إنهم يبيعونكم "وهم التأثير" لضمان استمرار "واقع التهميش".


لم تعد النقاشات العامة أداة للتغيير السياسي بقدر ما أصبحت أغلبها أسيرة لـ"فقاعات التصفية"، تلك التي تجعلنا محاصرين داخل صدى أصواتنا الخاصة، مما يضعف أي فرص لحشد إجماع شعبي حقيقي.

السلطة اليوم لم تعد بحاجة إلى إغلاق الصحف أو قمع الإعلام بالشكل التقليدي. يكفيها توظيف الفضاء الرقمي وإغراقه بآلاف الحسابات الوهمية التي تشتت الانتباه عن القضايا الجادة بخلق نقاشات سطحية وتافهة. إضافة إلى ذلك، يتم استهداف أي صوت معارض من خلال حملات تشويه وترهيب منسقة، تُخمد الأصوات المختلفة وتخلق وهماً بإجماع جماعي كاذب يدفع الأفراد المترددين إلى الصمت التام وفق نظرية "حلزونية الصمت".

الشركات التكنولوجية العملاقة مثل ميتا وجوجل وإكس ليست محايدة كما يُعتقد، بل تزخر بتقاطعات مصالح مع السلطة. تستجيب هذه المنصات لضغوط سياسية أو قوانين مصممة خصيصاً لخدمة النظام تحت ستار "محاربة المعلومات المضللة". كما تقوم بتقييد ظهور محتوى معين أو تقليص وصوله عبر ما يُعرف بالحظر الخفي، وكل هذا يتم بواسطة خوارزميات مبرمجة لتعزيز التفاعل. لكن غالباً ما يُحفّز التفاعل عن طريق تعزيز النزاعات والاستقطاب، بينما يتم تهميش الأفكار البناءة والحلول الواقعية والسياسات التنظيمية الفعالة.

تكمن المهارة هنا في الطبيعة الخادعة للنظام. فقد جعلتنا هذه المنصات نعيش شعوراً مزيفاً بالإنجاز الأخلاقي من خلال أفعال سطحية مثل كتابة منشور أو التفاعل بالإعجاب، وهو ما أُطلق عليه مفهوم "النضال الكسول". هذا الشعور الوهمي كافٍ لتفريغ الطاقات الثورية وإبعادنا عن أي أنشطة حقيقية على أرض الواقع مثل التظاهرات أو المشاركة الفعّالة في الأحزاب أو الضغط الشعبي من أجل تغييرات حقيقية.

السلطة الحديثة لم تعد تخشى التعبير، بل أعادت تصميم مساحات التعبير وأدواته بما يخدم مصالحها. إنها تضع المنصة تحت تصرفك، تدير الخوارزميات خلف الكواليس، تراقب البيانات وتتركك تعتقد أنك تمارس حريتك، بينما تتحكم في مجريات الأمور بحنكة في أماكن بعيدة عن الأنظار.

هذا الواقع يتماهى مع ما يسميه الفلاسفة اليوم بـ"الواقعية الرأسمالية" أو "الاستلاب التكنولوجي". لقد تجاوزت السلطة والشركات الكبرى فكرة منافسة البدائل وتحطيمها لتقوم بامتصاص مفهوم البديل نفسه وتحويله إلى منتج داخلي يدور في فلك النظام السائد.

هذا الواقع يتماهى مع ما يسميه الفلاسفة اليوم بـ"الواقعية الرأسمالية" أو "الاستلاب التكنولوجي". لقد تجاوزت السلطة والشركات الكبرى فكرة منافسة البدائل وتحطيمها لتقوم بامتصاص مفهوم البديل نفسه وتحويله إلى منتج داخلي يدور في فلك النظام السائد.
في الماضي، كان التمرد على السلطة يتجلّى في أطر خارجة تماماً عن نطاقها أو أدواتها، حيث كانت المعارضة تتخذ طابعاً واضحاً من الانفصال والمقاومة المباشرة. أما في يومنا هذا، فقد أصبح أي توجه معارض أو فكر بديل بمثابة فرصة لتحويله بسرعة فائقة إلى "محتوى" يتم تداوله والتربح منه على منصات الشركات التقنية العملاقة. فإذا كنت ترغب في نقد النظام الرأسمالي أو الطعن في إحدى منظوماته، تجد نفسك مرغماً أولاً على استخدام أدوات هذا النظام ذاته؛ كأن تكتب منشوراتك مستخدماً هاتفاً ذكياً مثل آيفون، وتنشر أفكارك ومواقفك عبر منصات مثل "إكس" أو "فيسبوك". وبذلك تتحوّل قضيتك بطبيعتها من فعل مقاومة إلى مجرد سلع رقمية تهدف إلى جذب الإعلانات وتعظيم الإيرادات لهذه الشركات. هنا، لم تعد السلطة تقمع معارضتك بشكل مباشر كما كان سابقاً، بل باتت تتربح من تعبيرك عنها وتعتمد عليها كجزء من آلية عملها.

وعلاوة على ذلك، لم تعد هذه المنصات تُعتبر مجرد فضاءات للترفيه أو أماكن مخصصة لتبادل الأحاديث مع الأصدقاء، بل أضحت تمثل نواة البنية التحتية الرقمية للحياة الاجتماعية والمهنية بأبعادها المختلفة. ومع كل يوم يمر، يتعذّر على الفرد التنصّل من هذه المنظومة الرقمية دون أن يواجه نتائج تُشبه ما يمكن وصفه بـ "الموت المدني". حيث يصبح الانسحاب من هذه الوسائل انعزالاً قسرياً يستحيل معه تكوين علاقات أو أداء مهام العمل أو حتى البقاء على صلة وثيقة بأفراد العائلة دون الاعتماد شبه الكامل على خوادم تلك الشركات الكبرى.

هذا الاعتماد البنيوي والمعقد يجعل أي محاولة جادة لتأسيس منصات بديلة ومستقلة تبدو كخيار صعب للغاية ومحدود النجاح مسبقاً. فالجمهور المستهدف يظل، بشكل عملي، "أسيراً" داخل الجدران الرقمية المغلقة لهذه المنصات الكبرى، التي تحتكر المداخل والمخارج للتواصل الرقمي الحديث. وهكذا، تصبح أي مشاريع معارضة أو بدائل مُستقلة حبيسة العزلة والتهميش نتيجة لهذا التمركز الاحتكاري المتزايد.


نجحت السلطة والشركات في ترسيخ فكرة أن هذا النموذج يمثل نهاية التاريخ، بحيث أصبح أي تفكير في بديل يتجاوز إطار الديمقراطية الرقمية أو الاستهلاكية يُوصف فورًا إما بالخيال أو الرجعية. فهذه المنظومة تمتلك قدرة فريدة على التكيف الذاتي؛ فهي تقدم تغييرات سطحية صغيرة توهم بالحركة، بينما تبقى موازين القوى الجوهرية ثابتة وغير قابلة للمساس.

على الرغم من قتامة المشهد، يرى البعض أن هذه القوة المفرطة هي أيضًا مصدر ضعفها. فالسلطة التي تعتمد بشكل كلي على التكنولوجيا تصبح هشة أمام الأزمات الكبرى، سواء كانت تقنية أو اقتصادية. والوعي الراديكالي يبدأ بفهم كيفية إدارة اللعبة، وهو ما يجري عند الانخراط في هذا النوع من النقاشات.

المشكلة تكمن في أن اللعبة تُدار على أرض ليست لنا، وفق قوانين يملك الخصم القدرة على تعديلها كلما اقتربنا من النجاح. التاريخ يثبت أن التحالفات بين القوة والمال، مهما بلغت سيطرتها عبر التكنولوجيا، تظل رهينة بقدرتها على تلبية الحاجات الأساسية للناس مثل الطعام، الأمن، وبيئة صالحة للعيش. وفي أزمات كبرى، سواء اقتصادية أو بيئية، تتغير الموازين عندما يتواجه "الافتراضي" مع "البيولوجي".

في الأوقات الاعتيادية، تعمل الشاشات كأداة لامتصاص الغضب؛ ينشر الناس آرائهم ويشعرون بنوع من التفريغ. لكن في أزمات وجودية، مثل انهيار سلاسل الإمداد الغذائي أو تضخم مفرط يجعل النقود بلا قيمة، تفقد الأدوات الرقمية كـ"الإعجابات" والمنشورات قدرتها على التهدئة. الجوع لا يشبعه مشهد الطعام، والبرد لا تداويه التفاعلات الرقمية. في هذه اللحظات، ينتقل الغضب من العالم الافتراضي إلى الواقع المادي؛ إلى الشوارع والميادين حيث لا تملك الخوارزميات تلك السيطرة المطلقة.
حالما يبدأ المركب في الغرق، تتجلى محاولات الطرفين، الدولة من جهة والشركات من جهة أخرى، للنجاة بأنفسهما بطرق تعكس طبيعة علاقتهما المتشابكة. فالدولة قد تلجأ إلى تحميل الشركات المسؤولية أمام الجماهير، عبر إجراءات مثل فرض ضرائب استثنائية أو اتخاذ قرارات شبه تأميمية، بهدف تهدئة غضب المواطنين وتقديم الشركات كضحية لتبرير إخفاقها في إدارة الأزمة. في المقابل، تسعى الشركات إلى النأي بنفسها عن الدولة عبر البحث عن ملاذات آمنة أو حتى التفكير في بناء كيانات مستقلة، وهو ما يؤدي إلى انهيار التحالف القوي الذي يجمع بين الطرفين.

إن التكنولوجيا التي تعتمد عليها الأنظمة الحاكمة حالياً تستند إلى وجود استقرار بنيوي. فعمل الخوارزميات يتطلب بشكل أساسي توفر الكهرباء، والبنية التحتية للإنترنت، إضافة إلى الأداء السليم للخوادم. غير أن وقوع أزمات بيئية أو اقتصادية كبيرة قد يتسبب في انهيار هذه الركائز الحيوية، مما يعيد الصراع إلى حالته الأكثر بدائية، حيث يكون البشر في مواجهة مباشرة مع السلطة دون أي وساطة تقنية رقمية.

وفي خضم الأزمات الكبرى، يظهر أن العلاقة بين السلطة والمجتمع كانت قائمة على شرط ضمني غير مُعلن: "سأمارس سلطتي ما دمت أضمن لك الحد الأدنى من الاستقرار". ولكن حينما يُفتقد هذا الاستقرار، تنهار المبررات التي تدعم هذه الاتفاقية بين الحاكم والمحكوم.

وعي السلطة بهذا الشرط يجعلها تسعى لاستغلال الأزمات الكبرى، وفقاً لما وصفه ميلتون فريدمان بنظرية "عقيدة الصدمة"، للتوسع في سياساتها الرقابية تحت ذريعة حماية المجتمع وتجاوز الكارثة. مثل هذه الإجراءات قد تدفع المجتمعات نحو حالة من السيطرة الرقمية الصارمة، حيث يتحول العالم إلى ثكنة إلكترونية تُدار بواسطة آليات رقابية محكمة.

وفي سياق أكثر عمقاً، يمكن القول إن الألم والصدمات هي القادرة على هز دعائم الأنظمة التي تمكنت من أسر العقول البشرية عبر تقديم رخاء يعتمد على الوهم الرقمي أو التضليل المنهجي. فلسفياً، تشير هذه اللحظات إلى مفهوم "لحظة الحقيقة" عندما تواجه الأيديولوجيا حدودها أمام صلابة الوقائع المادية.

في الوقت الراهن، يعيش العديد منا في حالة من الثقة المطلقة بأن النظام الاقتصادي-التقني سيظل يعمل بلا انقطاع إلى الأبد. ومع ذلك، تهدد لحظة الاصطدام بإيقاف "سحر" هذا النظام؛ حيث تفشل البيانات في تقديم حلول فعالة للأزمات وتخفق الخوارزميات في التنبؤ بالمستقبل بينما تتلاشى القيمة الرقمية للمال. عندها يدرك الفرد أن الحرية المزعومة التي عاشها عبر منصات التقنية لم تكن سوى صورة زائفة للحرية تخفي وراءها العبودية الطوعية التي لم توفر له أي حماية ضد تقلبات الطبيعة أو الانهيارات الاقتصادية المفاجئة.

وتفرض هذه اللحظة العنيفة واقعاً جديداً على المجتمعات، حيث يُجبَر الناس على الانتقال من ممارسة "السياسة السائلة"، كالانغماس في النقاشات الهوياتية والاتجاهات الرقمية العابرة، إلى "السياسة الصلبة"، المتمثلة في التركيز على قضايا الأرض والموارد والتنظيم الميداني. ففي ظل هذا التحول، تجد السلطة نفسها عاجزة عن ممارسة الحكم من خلال الخوارزميات فقط، لتُجبر على العودة إلى آليات القوة المباشرة أو تواجه خطر الانهيار الكامل، مما يكشف عن طبيعة الصراع الحقيقي بين إرادة الشعوب وإرادة المستبدين، بغض النظر عن أشكال السلطة سواء كانت ملكية بروسية تقليدية أو تحالفاً تكنوقراطياً معاصراً.

غير أن التعلم المستمد من لحظات الاصطدام يعود بثمن باهظ على المجتمعات. فبينما يمكن استيعاب وتفكيك التحالفات المسيطرة بشكل سلمي من خلال الوعي الجمعي، يقود الاصطدام غير المنضبط إلى حالة من الفوضى الاجتماعية واسعة النطاق، مع احتمال ظهور أنظمة أكثر تطرفاً تمثل ديكتاتوريات الطوارئ. وهذا يحطم المكتسبات السياسية والاجتماعية التي كان يمكن استثمارها والبناء عليها، ليطرح تساؤلاً وجودياً حول تكلفة هذا التحول الحاد الذي يهدم فيه النظام نفسه.
تناولت روزا لوكسمبورغ في أطروحاتها فكرة مفصلية، عبّرت عنها عبر عبارتها الشهيرة "إما الاشتراكية أو البربرية". هذا الشعار لا يعكس مجرد ثنائية فلسفية بل يشير إلى إدراك عميق بأن النظام الرأسمالي السائد لا يقتصر على كونه منظومة اقتصادية، بل يمثل قوة محرك تاريخية تدفع البشر تدريجياً نحو أشكال من التوحش إذا ترك بلا قيود.

في ظل التزاوج الحالي بين السلطة ومؤسسات الشركات الكبرى، تُستغل التكنولوجيا كوسيلة لتحقيق تراكم رأس المال وترسيخ السيطرة والهيمنة. الاشتراكية، بحسب رؤيتها الجوهرية، ترتكز على استرداد المجتمع لزمام التحكم بوسائل الإنتاج، بما في ذلك التكنولوجيات الحديثة والبيانات الرقمية. من منظور اشتراكي، لا ينبغي للخوارزميات أن تُستخدم لأغراض توجيه وعي الجماهير بما يخدم مصالح النُخب، بل من المفترض أن تُوظف لتنظيم الموارد وتوزيعها بشكل يلبي حاجات جميع البشر. يتمثل هذا التصور في تحول الإنسانية من وضعية المستهلك المراقب إلى وضعية الشريك الفاعل والمتكامل.

ما نراه اليوم من تكامل بين السلطة والشركات، وتزايد النفوذ الاستثماري والتقني، ليس إلا إرهاصات مبكرة لما أسمته لوكسمبورغ "البربرية". ومع أن مصطلح البربرية قد لا يعني بالضرورة العودة إلى عصور التخلف المادي، إلا أنه قد يأخذ شكله الحديث ضمن سياق تكنولوجي يُقصي الملايين إلى هامش المجتمع في ظل انتشار الفقر والأتمتة، بينما تحيا نخبة عالمية منعزلة في عالم افتراضي محمي ومترف. كما يظهر شكل آخر لهذه البربرية يتمثل في النزاعات العنيفة على الموارد الطبيعية كالطعام والماء كنتيجة مباشرة لتدمير التوازن البيئي تحت وطأة الجشع الرأسمالي.

شهد العصر التنويري الأول ارتكازاً على العقل وحرية الأفراد السياسية، لكنه أغفل قضية العدالة الاقتصادية والاجتماعية، مما أفسح المجال أمام ظاهرة الهيمنة الطبقية التي وصفناها بـ "اتفاق فريدريك". أما ما يمكن أن نصطلح عليه "التنوير الجديد"، والذي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر المشروع الاشتراكي، فهو التنوير الذي يهدف إلى تحرير الإنسان من "عبودية الحاجة". فالحرية الحقيقية لا يمكن أن تكون متاحة لإنسان يعاني من الجوع، أو يفتقد الأمن الوظيفي، بغض النظر عن مستوى إتاحة حرية التعبير له.

إن مقولة لوكسمبورغ لم تكن مجرد فلسفة أو دعوة للتأمل، بل كانت نداءً للتحرك. الغضب الغريزي الذي يحرك الثورات ينبغي أن يُنظم ويوجه ضمن إطار اشتراكي ذي رؤية اقتصادية وسياسية شاملة، وإلا فإن محصلة هذا الغضب قد تكون الفوضى والارتباك بدل البناء والتقدم.

البشرية تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ إما أن تُترك للانحدار المستمر نحو "بربرية التكنولوجيا" حيث يملك الأقلية كل الموارد فيما تتلاشى أصوات الأغلبية دون أثر ملموس، أو أن تختار المسار الاشتراكي الذي يُعيد للإنسان إنسانيته ككائن بيولوجي واجتماعي يتجاوز حسابات الربح المادي والابتزاز الاقتصادي.



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين -رطل اللحم- و-زرّ الموافقة-: هل تغيرت أنياب القانون؟
- أوروبا العجوز: نهاية زمن التبعية
- صنبور الطاقة وحق -الفيتو- العالمي
- انسداد الاقتصاد الإيراني وآفاق انهياره
- مسرحية: تراتيل الغبار والحرير
- القومية أفيوناً
- لوح القَدَر الرقمي
- تعديل الماركسيين الجدد لرؤية انجلز للزواج
- ماركس والمناسبات الاجتماعية
- أغاني القدر
- ما وراء التوازن
- نحو خطاب إنساني جامع في فضاء الكتابة بالعربية
- قسمة
- دفاعاً عن ماركس في وجه العقاد
- معارض الكتاب بين القيمة الاقتصادية والتأثير الاجتماعي
- أنشودة السرو المتصاعد
- الحزب الشيوعي العراقي والافراط في الوطنية
- ترامب والتناقضات الهيكلية في الديمقراطية الليبرالية الغربية
- -التفوق الزائف-: كيف يفرّغ العنصريون إحباطهم العالمي في حقد ...
- وهم الحضارات الكبرى: تفكيك الأسس الدينية والثقافية للتمايز ف ...


المزيد.....




- إيران: تصريحات ترامب بشأن إلغاء إعدام متظاهرين غير مسئولة
- رغم نفي ترامب.. إيران: بعض المتظاهرين قد يواجهون الإعدام بته ...
- البرتغاليون ينتخبون رئيسهم وتوقعات بفوز اليمين المتطرف
- Trump in Greenland: Old-Fashioned Colonialism And Accelerati ...
- The Complicity Of The West In The Sudan’s War
- تصاعد التوتر في مينيسوتا.. اشتباكات بين قوات فدرالية ومتظاهر ...
- نفط فنزويلا في قبضة الإمبراطورية الأمريكية
- م.م.ن.ص// بعد تجريم العمل النقابي/ حق الاضراب شركة ELPEA ...
- البرتغاليون يختارون رئيسهم وسط توقعات بتقدم اليمين المتطرف
- الذكرى الخامسة والستين لاغتيال باتريس لومومبا: فصل من كتاب؛ ...


المزيد.....

- الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو / غابرييل هيتلاند
- فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم ... / مايكل جون-هوبكنز
- نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و ... / شادي الشماوي
- روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية / إلين آغرسكوف
- بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي ... / رزكار عقراوي
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ... / رياض الشرايطي
- التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع ... / شادي الشماوي
- الإقتصاد في النفقات مبدأ هام في الإقتصاد الإشتراكيّ – الفصل ... / شادي الشماوي
- الاقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط – الفصل السادس من كتاب - الإ ... / شادي الشماوي
- في تطوير الإقتصاد الوطنيّ يجب أن نعوّل على الفلاحة كأساس و ا ... / شادي الشماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حميد كوره جي - من -بروسيا- إلى -وادي السيليكون-