أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - أحمد رشيد مسَلّم - بزنس الصمود: صناعة التقارير فوق أنقاض البيوت














المزيد.....

بزنس الصمود: صناعة التقارير فوق أنقاض البيوت


أحمد رشيد مسَلّم

الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 17:09
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


تُسابق أم محمد الفجر لتحضير الخبز على الحطب، قبل ساعات من وصول طواقم مشروع الأمن الغذائي التي ستُدرجها في كشوفاتها كـ "مستفيدة"، بينما يخبئ المزارع ابو خالد في جيبه أمراً عسكرياً بمصادرة أرضه وهو يملأ استمارة طلب دعم لشراء البذور. هذان المشهدان ليسا مجرد مفارقة عابرة، بل هما الوجهان الحقيقيان لنظام معقد حوّل الصمود من فعل تحرري جماعي إلى "صناعة" تقنية تُدار بالتقارير والمؤتمرات. لقد باتت كلمة "الصمود" في خطابنا العام تُستدعى بسهولة وتُستهلك دون مساءلة، لكنها في واقع الفلسطيني عام 2026 غدت عبئاً ثقيلاً يُلقى على كاهل من يعيشون في قلب المواجه للبقاء؛ الفلاح تحت زيتونته، والأم في خيمتها، والأسير في زنزانته، حيث لم يعد الصمود فعلاً رومانسيًا، بل هو محاولة دائمة في مواجهة آلة استعمارية لا تتوقف عن استنزاف الروح والجسد.
إننا نشهد اليوم تحولاً خطيراً يُمكن تسميته "تسليع الصمت"، حيث انزلقت كثير من المؤسسات التي كان يُفترض أن تكون ظهيراً للفعل الوطني إلى منطق تسيير الأعمال المحكوم بالتمويل المشروط ولغة المانحين المحايدة. لقد تغيرت اللغة قبل أن تتغير الممارسة؛ فأصبح الاستعمار "وضعاً معقداً" وصراعا، والمقاومة "توتراً أمنياً ، والتحرر "بناء قدرات ، لتتحول القضية من مشروع تحرر وطني إلى إدارة أزمة تُخفف الأعراض ولا تقترب من جوهر المرض. نجد اليوم مشاريع التكيف مع المناخ في الأغوار تبني خزانات مياه بينما يسيطر المستوطنون على الآبار الجوفية، وكأن المطلوب من الفلسطيني أن يتكيف مع سرقة موارده لا أن يستعيدها. وفي غزة، تُقام ورشات لتمكين المرأة في وقت يمنع فيه الاحتلال دخول القماش، ليتحول التمكين إلى مهارة بلا مادة، والصمود إلى رقم في تقرير حماية يصنف هدم البيوت كـ انتهاك دون أن يملك كلفة محامٍ واحد يمنع هذا الهدم.
النتيجة الطبيعية لهذا المسار هي تحميل الفلسطيني العادي كلفة الصمود وحده، فبينما تنشغل النخب بإدارة المشاريع وصياغة البيانات التي تُحول معاناة الناس إلى أرقام صماء، يُترك المزارع وحيداً أمام المستوطن الرعوي، وتُترك العائلة وحدها أمام الجرافة. لقد نجح الاحتلال في تفريغ الصمود من مضمونه السياسي، محاولاً تحويله إلى حالة بيولوجية غريزية تنحصر في تأمين المأوى والدفء والطعام، بحيث يصبح البقاء بحد ذاته استنزافاً للخيال والقدرة على التفكير بالمستقبل، إن كسر هذه الدائرة لا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى شجاعة نقدية تعيد تعريف علاقتنا بالواقع؛ فنحن بحاجة لمؤسسات تخضع لأولويات الناس لا لشروط المانح، وخطاب يربط بين الإغاثة والحقوق بوضوح لا يقبل التأويل. إن بقاء الفلسطيني على أرضه هو أعظم فعل سياسي، لكنه لا يمكن أن يظل فعلا فردياً معزولا. الصمود ليس مهنة، ولا إحصائية في سجلات المساعدات، بل هو فعل مقاوم يُعاش بكل قسوته. والفلسطيني اليوم ليس وحيداً فحسب، بل أمسى مادة خام لصناعة تزدهر ببقائه لا بحريته، والخروج من هذا الفخ يبدأ برفض اللغة المحايدة والانحياز لمعارك الناس الحقيقية، لأن الصمود الذي لا يمهد للطريق نحو الحرية هو مجرد تأجيل للألم. فلسطين اليوم لا تحتاج لمن يمتدح صمودها وهي تختنق، بل إلى من يعيد الاعتبار لمعنى هذا الصمود، ويخفف كلفته، ويحوّله من عبء شخصي إلى مشروع تحرري جماعي يقف فيه الجميع خلف ذاك المرابط في الميدان، متسائلين بصدق: من يقف معه حقاً؟



#أحمد_رشيد_مسَلّم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- آيفون 17 في خيمة غارقة: هندسة -الرفاهية المسمومة- في غزة
- سيادة بلا أنياب: حين يتحول الأسير إلى -حالة اجتماعية- والأرض ...
- التجفيف: هندسة النزوح لإفراغ الأرض في الضفة الغربية
- فخ القطيع والأرض المغلقة-: من سرقة الأرض إلى هندسة المجاعة.. ...
- الاستيطان الرعوي في الضفة الغربية: الوجه الأخطر للاحتلال وسي ...


المزيد.....




- 14 جانفي 2011: الشعب ينتصر على الدكتاتورية
- جانفي شهر النضال والانتفاضات الشعبية
- عاجل | الفصائل الفلسطينية: ندعم جهود الوسطاء في تشكيل لجنة ف ...
- ترامب للمتظاهرين الإيرانيين: المساعدة في طريقها
- عراقجي: -إسرائيل- تتباهى صراحة بأنها سلحت المتظاهرين بأسلحة ...
- عراقجي: -إسرائيل- تتباهى صراحة بأنها سلحت المتظاهرين بأسلحة ...
- الاشتراكيون الثوريون يتضامنون مع عمال السكر المحتجين للمطالب ...
- بسبب مشاركته في الاحتجاجات.. منظمات حقوق الإنسان تحذر من -إ ...
- القاهرة الإخبارية: بدء اجتماعات الفصائل الفلسطينية في القاهر ...
- احتجاجات إيران.. رسالة جديدة من ترامب للمتظاهرين وتقديرات با ...


المزيد.....

- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة
- ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت ... / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - أحمد رشيد مسَلّم - بزنس الصمود: صناعة التقارير فوق أنقاض البيوت