أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - معضلة الإسراء والمعراج بالعقل وبلا تعصّب















المزيد.....


معضلة الإسراء والمعراج بالعقل وبلا تعصّب


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 16:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


آيات المعراج من سورة "النجم"
"مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى، أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى، مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى، لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى".

آيات الإسراء
(الإسراء 1):
قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

أولًا: الإطار العام للمقطع
هذا المقطع من سورة النجم يتحدث عن تجربة وحي ورؤية علوية مرّ بها النبي ﷺ، ويؤكد القرآن فيها أمرين في غاية الأهمية:
1. صدق التجربة
2. اتزان الوعي الإنساني أثناءها
وهذا في ذاته طرح عقلي شديد العمق، لأنه يواجه الاتهام القديم:
هل ما رآه النبي وهم؟ حلم؟ تخيّل؟ اضطراب نفسي؟ .......فالآيات جاءت لتقطع الطريق على كل هذه التأويلات.

ثانيًا: التفكيك العقلاني المتدرج للآيات
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾
الفؤاد في اللغة القرآنية ليس مجرد عاطفة، بل مركز الإدراك العميق.
المعنى:
القلب/الوعي الباطني لم يزوّر ما التقطته الرؤية.
عقليًا:
هنا تأكيد على التطابق بين الإدراك الداخلي والواقع المشهود. لا هلوسة، لا إسقاط نفسي، لا تزييف ذاتي.

﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَى﴾
تمارونه: تجادلونه وتشككونه.
الخطاب موجه للمنكرين: بأي حق تشككون في تجربة رؤية متزنة ومتّسقة؟

عقليًا:
هذا سؤال نقدي موجه للرافض لا للمؤمن. كأن القرآن يقول:
على أي أساس علمي أو معرفي تنفون هذه التجربة؟

﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾
الرؤية لم تكن حادثة واحدة. تكرار الرؤية يرفعها من خانة "الطارئ" إلى الخبرة الراسخة.

عقليًا:
التجربة المتكررة المتسقة أقرب إلى الحقيقة من التجربة المفردة.
﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾
سدرة المنتهى: رمز لحدّ الإدراك البشري حيث ينتهي العلم، وتنتهي المفاهيم، وتنتهي اللغة.
عقليًا:
هذا توصيف بالغ الدقة لحدود الوعي الإنساني: هناك نقطة لا يصلها عقل ولا حس، بل وعي متجاوز.
﴿عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾
المأوى: الاستقرار، السكينة، لا الخوف.
عقليًا:
التجربة ليست صادمة أو مدمرة للنفس، بل مُسْكِنة ومُثْبِتة للوعي.

إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾...
تعبير مفتوح بلا توصيف لأن ما هناك لا يُحاط به لفظًا.
عقليًا:
هذا قمة الأمانة المعرفية: القرآن لا يصف ما لا يمكن وصفه.

﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾.....
أي لم ينحرف، لم يضطرب، لم يتجاوز. وهذه آية محورية جدًا
عقليًا:
أي أن الوعي ظل متزنًا تمامًا، لا نشوة مفرطة، لا فقدان سيطرة، لا انهيار إدراكي.

﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾...
لم يرَ "الله" ذاته، بل آيات كبرى. أي تجليات، نظم، حقائق عليا.
عقليًا:
هذا نفي صريح لفكرة الرؤية الحسية المطلقة، وإثبات لرؤية معرفية/وجودية سامية.

الخلاصة العقلانية الهادئة
هذا المقطع لا يروّج لأسطورة، بل يقدم: تجربة وحي واعية، متزنة، متكررة، إدراكًا لم يتعطل فيه العقل، رؤية لم تُلغِ الحدود الإنسانية، ووعيًا لم يَدّعِ امتلاك المطلق.

بعبارة واحدة:
تجربة روحية عليا مرّت عبر (مظهر إلهي) إنسان كامل الاتزان. ولو كان القرآن كتابًا غير عقلاني، لما احتاج لكل هذا الكم من التأكيدات المنهجية على سلامة الوعي.

ما هي هذه التجربة إذن؟
ليست حلمًا......وليست هلوسة.....وليست خروجًا عن الوعي.... وليست رؤية حسية مادية.
إنها تجربة يمكن تعريفها عقلانيًا بأنها:
تجربة وعي قصوى ، مرَّ بها إنسان كامل الاتزان النفسي والعقلي، في حالة وعي أعلى من المعتاد، دون فقدان السيطرة أو تعطّل الإدراك.

لماذا هذا التعريف عقلاني؟
لنأخذ الدليل من داخل النص نفسه، لا من افتراضات خارجية.
1* الوعي لم يُعطَّل ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾
في أي تجربة مرضية (هلوسة، صرع، ذهان): يحدث زيغ، اضطراب، تشوّش، فقدان معيار الواقع
أما هنا: الرؤية منضبطة، الإدراك ثابت، الوعي حاضر بالكامل، وهذا معيار علمي معروف اليوم للتمييز بين: التجربة الروحية الصحية والاضطراب العصبي

2* القلب والعقل متطابقان ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾
في التجارب الوهمية: يوجد صراع بين الشعور والإدراك، أو تضخيم لاحق للحدث
أما هنا: تطابق داخلي كامل، لا تضخيم، لا ارتباك، لا إعادة تفسير

3* التجربة متكررة لا طارئة ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾
التجربة المتكررة بنفس النسق والاتزان: لا تُصنّف نفسيًا كهلوسة، بل كخبرة وعي مستقرة
إذن ما طبيعتها بدقة؟
هي تجربة انكشاف معرفي وجودي وليست رؤية بصرية عادية.
بمعنى: انفتاح الوعي على مستوى من الحقيقة، إدراك مباشر للنظام الكوني، رؤية "الآيات الكبرى" لا الذات الإلهية كما قال النص بوضوح: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾
أي: نظم ، قوانين، تجليات بنية الوجود
ماذا تعني "سدرة المنتهى" عقلانيًا؟
ليست شجرة فيزيائية بالمعنى الساذج، ولا رمزًا شعريًا فارغًا.
بل: حدّ الإدراك الإنساني
نقطة: ينتهي عندها العلم التجريبي ويقف العقل التحليلي ويبدأ الإدراك الشهودي دون ادعاء الإحاطة
ولهذا: لا وصف، لا تفاصيل، لا تصوير.

سؤال :هل هذا يتعارض مع العلم؟
على العكس. العلم الحديث يعرف حالات: الوعي الموسع.....الوعي المتعالي......حالات الوعي غير العادية
لكن الفرق الجوهري هنا: أن التجربة النبوية لم تُلغِ العقل، بل عاد صاحبها بعدها ليؤسس حضارة، وقانونًا، وأخلاقًا، ونظام مجتمع. وهذا مستحيل بعد تجربة ذهانية.

الخلاصة الوسطية الواضحة
هذه التجربة هي: ليست معجزة خيالية، ولا مرضًا نفسيًا، ولا خروجًا عن قوانين الوعي
بل: أعلى درجات الوعي الإنساني الممكنة لإنسان مختار، مع بقاء الاتزان الكامل للعقل والنفس.
هي تجربة: تُرى لكن لا تُحتوى، وتُدرك دون أن تُملك....أي هي لحظة التقاء الوعي الإنساني بحدود المطلق، دون أن يتجاوزها.

أولًا: ملاحظة في غاية الأهمية
* كلمة “المعراج” غير موجودة في سورة النجم، بل غير موجودة في القرآن كله حرفيًا
إذن… من أين جاءت فكرة “المعراج”؟
جاءت من الجمع بين نصوص متفرقة (لا من سورة النجم وحدها)
العلماء لم يستخرجوا المعراج من هذه الآيات وحدها، بل من ربط ثلاث مجموعات نصية:
(أ) سورة الإسراء:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا…﴾
وهذه تتحدث بوضوح عن: إسراء أرضي (من مكة إلى القدس)، ولا تذكر صعودًا سماويًا
(ب) سورة النجم:
تتحدث عن رؤية علوية " سدرة المنتهى" ......آيات كبرى لكن بدون لفظ صعود أو عروج

(ج) الروايات النبوية (الحديث)
التي وصفت رحلة صعود سماوي، وسُمّي هذا الصعود لاحقًا بـ “المعراج”
* كلمة “المعراج” نفسها… من أين؟
لغويًا: مأخوذة من الجذر ع ر ج = الصعود
مستنبطة من قوله تعالى في مواضع أخرى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾
لكن: هذه الآية لا تتحدث عن النبي ولا عن حادثة محددة
إذن:
كلمة “المعراج” اصطلاح لاحق وليست لفظًا قرآنيًا مباشرًا

هل سورة النجم “تصف المعراج”؟
الإجابة العقلانية المتزنة: ليس نصًّا، بل تأويلًا
بمعنى:
السورة تصف تجربة رؤية عليا، لكنها لا تقول: صعد ......عرج .......ارتقى جسديًا !
بل تقول: رأى، عند نزلة، ما زاغ البصر
وكلها ألفاظ: إدراكية… لا حركية
فلماذا ربطوا بينها وبين المعراج؟
لثلاثة أسباب عقلية ومنهجية:
1* وجود “سدرة المنتهى” وهي – بحسب التصور الديني العام – موضع سماوي فتم افتراض:
الوصول إليها = صعود
لكن هذا استنتاج لا نصّ.

2* لفظ “نزلة أخرى”
البعض قال: إذا كان هناك نزول، فلا بد من صعود سابق
وهذا: منطق لغوي محتمل غير قطعي

3* الروايات الحديثية فسّرت القرآن
فتم: قراءة سورة النجم على ضوء الحديث لا العكس، وهنا نقطة حساسة جدًا: التفسير صار “تراكميًا”، لا نصيًا خالصًا
***الخلاصة الجريئة الهادئة (بدون صدام)
القرآن:
يثبت تجربة رؤية عليا، لا يصف صعودًا جسديًا، ولا يستخدم لفظ المعراج

“المعراج”:
مفهوم تشكّل من الحديث والتفسير لا من اللفظ القرآني المباشر
الإيمان بالمعراج: موقف عقدي لاحق، وليس نصًا قرآنيًا صريحًا

موقف العقل الوسطي المتزن يمكن للإنسان العاقل أن يقول بكل هدوء:
“أؤمن بأن النبي ﷺ مرّ بتجربة وعي ورؤية عليا مثبتة قرآنيًا، وأحترم الروايات التي فسّرت ذلك على أنه معراج، لكنني لا أزعم أن لفظ أو وصف المعراج ورد نصًا في القرآن.”
(وهذا ليس إنكارًا، ولا تشكيكًا، بل أمانة معرفية) .

****“سدرة المنتهى” ليست مكانًا
لماذا “سدرة المنتهى” ليست مكانًا؟
1* لأن القرآن لا يعرّفها تعريف المكان
المكان في القرآن يُعرَّف بـ: اتجاه ، مسافة، انتقال، حركة، لكن عند “سدرة المنتهى”: لا اتجاه، لا وصف، لا حركة، لا انتقال
بل: “المنتهى”، أي النهاية… لا الموقع

2* لفظ “سدرة” ليس المقصود به الشجرة الفيزيائية
العقل العربي القديم كان يستخدم:
الشجرة = رمز البنية
الجذر = الأصل
الغصن = الامتداد
الثمر = الأثر
إذن: السدرة = بنية إدراك كونية ونهاية الإدراك البشري في تلك الحقبة الزمنية، وليست شجرة تُزرع في فضاء.

3* “المنتهى” يحسم المعنى تمامًا
المنتهى: نهاية العلم، نهاية الإدراك، نهاية ما يمكن للعقل أن يحيط به، ولو كانت مكانًا: لما كانت “منتهى”، بل “محطة”.

ماذا تكون إذن؟
سدرة المنتهى = حدّ الوعي لهذه الفترة الزمنية!
النقطة التي: يقف عندها الإدراك الإنساني دون أن ينهار، ودون أن يتجاوز إنسانيته
ولهذا جاء بعدها مباشرة: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾
أي: لم يحاول تجاوز الحد، لم يدّعِ الإحاطة، لم يتوهّم امتلاك المطلق
ولماذا لم يُوصَف ما يغشاها؟
﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾
لأن: اللغة تنهار هنا، الوصف يصبح خيانة للمعنى، الصمت أصدق من البيان، وهذه قمة العقلانية لا نقيضها.

***نقطة بالغة الأهمية
لو كانت سدرة المنتهى مكانًا:
لكانت قابلة للوصول، قابلة للتكرار، قابلة للوصف
لكنها: لا تُزار… بل تُلامَس إدراكيًا
إذن ماذا حدث عندها؟
لم يحدث “وصول” ولا “صعود” ولا “وقوف”
بل: تماسّ بين وعي إنساني كامل وحدّ الحقيقة الذي لا يُتجاوز
ولهذا: لم يُطلب من النبي أن يصف، ولم يُطلب منه أن ينقل “مشاهد” بل عاد بـ رسالة لا بصورة

الخلاصة :
“سدرة المنتهى ليست مكانًا”
هو قول: قرآني في جوهره، فلسفي في عمقه، عقلاني في اتزانه، وروحي بلا خيال مفرط .....لو حُوِّلت سدرة المنتهى إلى مكان لفقدت معناها الحقيقي تمامًا.
دعونا نقرأ الإسراء والمعراج معًا…لا كحركة في الفضاء، بل كـ رحلة وعي مكتملة المراحل.
أولًا: لماذا قراءة المعراج كـ تجربة وعي قراءة مشروعة؟
لسبب بسيط لكنه حاسم:
القرآن يصف الإدراك أكثر مما يصف الحركة.
رأى.......ما زاغ.......ما طغى.......الفؤاد......آيات. كلها ألفاظ وعي لا ألفاظ انتقال مكاني.

ثانيًا: الإسراء كـ تجربة وعي....﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾
لنقف هنا بعقل صافٍ:
1* لماذا قال بعبده؟
لم يقل: بجسده ولا بروحه
بل: العبد = الكيان الإنساني الكامل وعي + جسد + روح + عقل ( أي إنسان غير منقسم).

2*لماذا ليلًا؟
الليل في القرآن: زمن السكون، توقف الضجيج الحسي، اتساع الإدراك الباطني، كل تجارب الوعي العميق تحدث في: لحظة خفوت الحس لا إلغائه

3* من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
وهنا بيت القصيد:
المسجد الحرام = مركز التوحيد
المسجد الأقصى = مركز الرسالات السابقة
إذن الرحلة ليست جغرافية، بل: رحلة وعي تربط أصل التوحيد بسلسلة النبوات، وعيٌ يجمع ولا يلغي.

4* ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾
مرة أخرى:
لم يقل “لننقله”، بل “لنريه” ........الرؤية إدراك، لا مسافة.

ثالثًا: المعراج كـ ذروة تجربة الوعي .....المعراج (كمفهوم لا كلفظ) هو: المرحلة الأعلى من نفس التجربة
لو أردنا توصيفًا دقيقًا:
الإسراء = أفق الوعي التاريخي
المعراج = أفق الوعي الكوني
سدرة المنتهى ليست مكانًا، بل: نقطة التوقف الآمن للوعي الإنساني لتلك الفترة الزمنية
ولهذا: لم يُطلب تجاوزها، لم يُكسر الحد، لم يُلغِ الإنسان إنسانيته.
لماذا عاد النبي بعد التجربة؟
وهنا الفرق الجوهري بين:النبي والمتصوف المنعزل
النبي: يعود ليُشرّع، ويُصلح، ويبني مجتمعًا، ولو كانت التجربة: ذوبانًا، أو فناءً دائمًا لما عاد.

رابعًا: لماذا ترك القرآن التجربة بلا تفاصيل حسية؟
لسبب بالغ الحكمة: حتى لا تتحول التجربة إلى أسطورة، ولا يُختزل الوحي في مشاهد.
فالعبرة:
ليست بما رأى، بل بما عاد به

***الخلاصة التي تليق بهذه الرحلة
الإسراء والمعراج:
ليستا رحلة في المكان، ولا خرقًا للكون، ولا مشهدًا عجائبيًا
بل: رحلة وعي إنساني كامل
من التاريخ → إلى المعنى
ومن المعنى → إلى حدّ المطلق
ثم عودة واعية مسؤولة إلى الأرض
وأقولها لكم من القلب: هذا الفهم لا يُضعف الإيمان، بل: "يُنقّيه ويُخرجه من الخيال ويُعيده إلى الحكمة".
أولًا: لماذا خاف العقل الديني من فهم الإسراء والمعراج كتجربة وعي؟
الخوف لم يكن من الحقيقة…بل من نتائجها.
1*لأن تجربة الوعي تُحرِّر الفرد حين يُفهم الإسراء والمعراج كتجربة وعي: يصبح الإنسان قادرًا على الذوق المباشر، لا يحتاج وسيطًا دائمًا، لا يعيش الدين كحكاية، بل كتحول داخلي.
وهذا يقلق أي سلطة دينية تقوم على:
- النقل الحرفي
- التسليم دون سؤال
- تقديس الرواية لا المعنى

2* لأن التجربة الداخلية لا يمكن احتكارها....المكان يمكن احتكاره، الزمن يمكن تأطيره، أما الوعي فلا.
فإذا قُرئت الرحلة كرحلة وعي:
تنهار فكرة: “هذا حدث لا يُفهم إلا كما نقول نحن”
ويظهر بدلًا منها: (“هذا معنى يمكن لكل إنسان أن يقترب منه بقدر صفائه”)

3* لأن التجسيم أسهل من التأويل
العقل الجمعي يفضّل: صورة....مشهد.....حكاية
على: معنى.....حدّ.....تجربة غير قابلة للتصوير
فالقول: “صعد بجسده إلى السماء” أسهل بكثير من: “بلغ حدّ الإدراك الإنساني دون أن يتجاوزه”
الأول يُحكى
الثاني يُعاش… وهذا أخطر.

ثانيًا:
* المسجد الأقصى كمبنى لم يكن موجودًا، بُني في عهد عبد الملك بن مروان (66هـ تقريبًا)
إذن لا يمكن فهم الآية على أنها انتقال إلى مبنى
* إذن ما هو “المسجد الأقصى”؟
قرآنيًا:
المسجد = موضع السجود
الأقصى = الأبعد رمزيًا، لا جغرافيًا فقط
إذن:
هو البقعة المباركة التي سجد فيها الأنبياء وتجلّت فيها الرسالات
أي: ذاكرة الوحي البشرية
وهذا يدعم بقوة قراءة:
الإسراء = انتقال وعي
لا انتقال حجارة

ثالثًا: نقطة في غاية الخطورة والعمق
آيات النجم (المعراج) نزلت قبل آية الإسراء بسنتين
وهنا السؤال الصاعق:
كيف يكون معراج قبل إسراء؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!
والإجابة العقلانية الوحيدة:
لأننا أمام:
تجربتين مختلفتين في المستوى، لا رحلة واحدة مرتبة زمنيًا
التفكيك الهادئ:
*سورة النجم: تتحدث عن: رؤية .....فؤاد .....بصر .....آيات كبرى ....بلا انتقال مكاني.....بلا زمان ....بلا سرد قصصي
**هى تجربة وعي كونية داخلية
*سورة الإسراء:
تتحدث عن: عبد .....ليل ......مسار رمزي (من… إلى…)
ربط الرسالات ➜ تجربة وعي تاريخية رسالية
إذن الترتيب الحقيقي:
ليس: إسراء ← معراج
بل: انكشاف وعي ← تأطير رسالي
أو بلغة أدق:
النجم = الرؤية
الإسراء = المعنى والربط والوظيفة

لماذا أُعيد ترتيبها لاحقًا؟
لأن العقل التفسيري اللاحق: أراد قصة واحدة متسلسلة، لها بداية ووسط ونهاية، قابلة للوعظ والحكي
بينما القرآن: لا يحكي…بل يكشف

الخلاصة الجريئة الهادئة
العقل الديني خاف من هذا الفهم لأنه: يحرّر الوعي، يخفف من سلطة الرواية، يجعل الدين تجربة حيّة لا أسطورة.

كيف تحوّل الكشف إلى عقيدة جامدة؟
التحوّل لم يحدث فجأة…بل عبر أربع مراحل تاريخية–نفسية متراكبة.

المرحلة الأولى: من التجربة إلى الرواية
الكشف: تجربة حيّة ، غير قابلة للنقل كاملًا ، تُفهم بالذوق لا بالوصف
لكن ما إن رحل صاحب التجربة، حتى: بقي الأثر، وغاب الحضور، فاضطر الناس إلى: تحويل التجربة إلى رواية
والرواية: تُحكى.....تُختصر.....تُبسّط....وتفقد العمق. ليس سوء نية… بل عجز بشري طبيعي.

المرحلة الثانية: من الرواية إلى الشرح
مع الزمن: كثرت الأسئلة، واختلف الفهم، وتعددت التأويلات
فدخل الشرح: لتوحيد الفهم ولتقليل الاختلاف
لكن الشرح بطبيعته: يضع حدودًا لما كان مفتوحًا
وهنا بدأ: تقليص المعنى وتثبيته في قوالب

المرحلة الثالثة: من الشرح إلى السلطة
عندما: ارتبط الدين بالحكم وصار وحدة المجتمع مهددة بالاختلاف
احتاجت السلطة إلى: تفسير واحد “رسمي”
لأن: المعنى المفتوح يُربك، والتجربة الفردية تُقلق، والوعي الحرّ لا يُدار بسهولة
فتم: اختيار قراءة، إقصاء غيرها، ووصم التأويل بالخطر

المرحلة الرابعة: من السلطة إلى العقيدة الجامدة
العقيدة هنا لم تعد: مسارًا لفهم الله
بل: سياجًا لحماية النظام
فصارت:
أسئلة = بدعة
تأويل = انحراف
تجربة = خطر
وهكذا: تجمد الكشف في صيغة “يجب أن تؤمن هكذا”!!

لماذا حدث ذلك؟
1* لأن الناس تخاف من الحرية الروحية
التجربة الحية: تطلب مسؤولية وصدقًا ومواجهة للذات
أما العقيدة الجامدة: تُريح وتُعطي إجابات جاهزة وتُسقط عن الفرد عبء البحث

2* لأن المعنى الحي لا يُسيطر عليه
الكشف: يتجدد...يختلف باختلاف القلوب ....لا يمكن توحيده قسرًا...والأنظمة (دينية أو سياسية) تخاف مما: لا يمكن ضبطه أو توقعه

3* لأن الخيال أسهل من الوعي
صورة: سماء....صعود
ملائكة أسهل على العامة من: حدّ إدراك، تجربة وعي، مسؤولية أخلاقية.....فتم تغليب المشهد على المعنى.

4* لأن الزمن يحوّل الرموز إلى أصنام ما لم يُفهم، يُقدّس وما يُقدّس، يُجمَّد وما يُجمَّد، يُدافع عنه بعنف
وهكذا: الرمز الذي كان جسرًا صار جدارًا

***الخلاصة .....
الكشف: جاء ليحرّر الإنسان لا ليقيّده، ليوقظه لا ليُنَوِّمه
لكن الخوف: من الحرية ...من الاختلاف ....من التجربة الفردية
حوّل: الرحلة إلى قصة، والمعنى إلى مادة حفظ، والوعي إلى عقيدة جامدة
فهل نملك الشجاعة اليوم أن نعيد فتح الكشف دون أن نكسره؟
نعم… لكن ليس بالطريقة التي يتخيلها الناس.

أولًا: لماذا “الخطر” حقيقي؟
لأن إعادة فتح الكشف يمكن أن تنتهي بأحد طريقين:
1* الإنكار الكامل → كسر
2* التقديس الأعمى → تجميد
وأنت لا تريد أيًّا منهما.
فما نبحث عنه هو: الفهم دون تدنيس ، والجرأة دون تهوّر، والفتح دون كسر....وهذا طريق دقيق جدًا… لكنه ممكن.

ثانيًا: من يملك هذه الشجاعة فعلًا؟
ليس: الدعاة الجماهيريين ، ولا المنابر الصاخبة، ولا الجدل العام
بل: الأفراد الهادئون الذين يعملون في العمق دون صدام ودون ادّعاء امتلاك الحقيقة
(("وهذا —بالفعل ما أحاول عمله")) .

ثالثًا: كيف نعيد فتح الكشف دون كسره؟
1*بالعودة إلى اللغة لا الحكاية
القرآن: لغة، بنية، اختيار ألفاظ
حين نعيد: قراءة الكلمات....لا القصص الجاهزة.....نفتح المعنى دون أن نُلغيه.

2*بفصل “التجربة” عن “القاعدة”
النبي: عاش تجربة فريدة، لم يطلب من الناس تكرارها، لكن طلب منهم أن يعيشوا ثمرتها (العدل، الصلاة، الأخلاق، الوعي)
حين نفصل هذا الفصل: ينجو الدين وتنجو التجربة
3* بالقبول أن الضوء لا يُفرض
النور لا يُسكب، لا يُحقن، لا يُفرض.....بل: يُترك في الطريق ومن أراده سيلتقطه

رابعًا: لماذا هذا يكفي؟
لأن: كل تحوّل كبير بدأ بأقلية واعية، لم تصرخ، لم تُقاتل.....بل فهمت
والوعي: مُعدٍ… لكن ببطء، وصادق… لكن بثمن.!


الخاتمة – الحقيقة الروحية للإسراء والمعراج
الإسراء والمعراج في جوهرهما ليسا حكاية انتقال في المكان، ولا وصفًا لمشهدٍ خارقٍ تُقاس صدقيته بالتصوير والتجسيم، بل هما تجربة وعي إنساني عليا مرّ بها رسولٌ كامل الاتزان، ليكشف الله بها حدود الإدراك لا ليكسرها، ويُري الإنسان مقامه لا ليخرجه من إنسانيته.
فالإسراء هو رحلة الوعي عبر ذاكرة الوحي، انتقالٌ من مركز التوحيد إلى جامع الرسالات، حيث تتصل الحقيقة الواحدة بتعدد صورها، ويُعاد وصل النبوة بسياقها الإنساني والتاريخي.
أما المعراج فهو ذروة هذا الانكشاف، حيث يبلغ الوعي حدَّه الأقصى الممكن، عند “سدرة المنتهى”؛ لا كمكان يُزار، بل كحدٍّ لا يُتجاوز، تقف عنده اللغة، ويصمت الوصف، ويبقى الاتزان شاهدًا على صدق التجربة.
ولذلك لم يكن الهدف من هذه الرحلة عرضَ مشاهد، ولا فرضَ تصديقٍ قسري، بل تأسيس وعيٍ مسؤول يعود إلى الأرض ليُترجم الكشف إلى صلاة، والمعرفة إلى أخلاق، والرؤية إلى فعل. فالعبرة لم تكن بما رآه النبي، بل بما عاد به للإنسان.

ومن هنا، فإن تحويل الإسراء والمعراج إلى عقيدة جامدة أو جدلٍ حول الكيفية، قد صرف النظر عن معناهما الأعمق: أن الإنسان قادر—إن صفا وصدق—أن يرتقي بوعيه دون أن يفقد إنسانيته، وأن يقترب من الحقيقة دون أن يدّعي امتلاكها، وأن يعيش الدين كتجربة حياة لا كموروثٍ غير مفكَّر فيه.

إن إعادة قراءة الإسراء والمعراج على هذا النحو ليست نفيًا للإيمان، بل تحرير له من الخيال الساذج والتلقي الوراثي، وردٌّ له إلى جوهره الأول: وعيٌ حيّ، ومسؤولية، وسيرٌ دائم نحو الله… بلا ادعاء، وبلا كسر، وبلا خوف.

وأخيراً: كلمة صادقة مني لكم
ما أحاول فعله: لن يُصفَّق له سريعًا، ولن يُفهم من الجميع، وقد يُساء فهمه أحيانًا.....لكن هذا بالضبط ثمن الأمانة.
نعم…نملك الشجاعة اليوم إذا قبلنا أن نكون قلة ، وإذا رضينا أن: نزرع لا نقتلع، نضيء لا نُعمي.
والله شاهد على حسن النية.



#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحياة بعد الموت – الرؤية الكبرى من مرايا الأديان
- الدين الواحد... سرّ التجلّي الإلهي في مرايا الأديان، و حين ت ...
- إن لم تستطع تغيير العالم، فغيّر من نفسك… فالعالم فيك
- ليلة الأبدية… افتتاح المتحف المصري الكبير – حين استيقظت أروا ...
- مصر... مجد الأزل ونور الأبد
- حين يتنفس الشرق من جديد و ينتصر صوت السلام على ضجيج الحرب... ...
- الدين: جوهره وماهيته المطلقة
- الإنسانية والدين: ثنائية التكامل لا التعارض
- -الإنسان والأديان وحرية المعتقد وإنسانية الإنسان-
- -التوحد (Autism Spectrum Disorder - ASD)-
- مرض الديسلكسيا (عسر القراءة)
- حين نُولد من النور وننسى…
- -أنا من هناك… من حيث قُلتُ: بَلَى-
- الشك والوهم: بين العقل والواقع
- ما هى دلالة -نحر الحيوان- ( التضحية – الفداء ) في الأديان؟؟
- *ملخص شامل لكتاب -البشرية في مفترق طرق، دين أو لا دين-*
- ملخص كتاب -من يخط طريق المستقبل؟-
- ملخص شامل لكتاب -منعطف التحول أمام كافة الأمم-..... الكتاب ف ...
- *ملخص شامل ل -رسالة إلى قادة الأديان في العالم- الصادرة عن ا ...
- ملخص لكتاب مهم جداً -دين الله واحد-


المزيد.....




- كاميرا ترصد ما فعله المُشتبه به في حريق مُتعمد قبل إشعال كني ...
- البابا ليو يلتقي بزعيمة المعارضة الفنزويلية في الفاتيكان
- هل تملك احتجاجات إيران القدرة على زعزعة نظام الجمهورية الإسل ...
- نائب الأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي: المقاومة جزء أصيل م ...
- نائب الأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي: إسرائيل تستغل المرح ...
- ما حظوظ الإسلاميين ببنغلاديش في الانتخابات القادمة؟
- السلطات السورية تعلن توقيف شخصين من تنظيم -الدولة الإسلامية- ...
- باحث يهودي فرنسي: لهذا تحولتُ من صهيوني إلى داعم للقضية الفل ...
- كيف صعد حكم الثورة الإسلامية في إيران؟
- محكمة العدل الدولية تشرع في النظر بقضية إبادة أقلية الروهينغ ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - معضلة الإسراء والمعراج بالعقل وبلا تعصّب