أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - زهير الخويلدي - مبدأ التضحية ودوره في تطور الأفراد وتقدم المجتمعات















المزيد.....


مبدأ التضحية ودوره في تطور الأفراد وتقدم المجتمعات


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 09:48
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


مقدمة
يشكل مبدأ التضحية، كقيمة أخلاقية أساسية، محورًا جوهريًا في فهم الديناميكيات البشرية، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. يُعرف التضحية عمومًا بأنها التنازل الإرادي عن شيء ثمين، سواء كان وقتًا، جهدًا، أو حتى حياة، لصالح غاية أعلى أو مصلحة الآخرين. في المقاربة الأخلاقية، لا يُنظر إلى التضحية كمجرد فعل عفوي، بل كمبدأ يجسد التوازن بين الذات والآخر، مستمدًا من مبادئ الفضيلة والعدالة. هذه الدراسة تتناول دور التضحية في تطور الأفراد، حيث تحولها من حالة التمركز حول الذات إلى نمو أخلاقي وروحي، ثم تمتد إلى تقدم المجتمعات، حيث تصبح أداة للتماسك الاجتماعي والتطور الحضاري. من خلال مقاربة أخلاقية، سنستعرض كيف يمكن للتضحية أن تكون مصدر قوة إيجابية، مع التحذير من مخاطرها إذا تحولت إلى إفراط أو إكراه، لنصل إلى رؤية متوازنة تؤكد على أهميتها كعنصر أخلاقي في بناء عالم أفضل. كيف تمثل التضحية أهم مبدأ اخلاقي ومحرك للتقدم الاجتماعي؟
مبدأ التضحية
في البداية، يبرز دور التضحية في تطور الأفراد كعملية أخلاقية داخلية تعيد تشكيل الشخصية. من منظور أخلاقي، يُعتبر التضحية فعلًا يتجاوز الغريزة الأنانية، حيث يدفع الفرد إلى التنازل عن مصالحه الشخصية لصالح قيم أعلى، مما يؤدي إلى نمو نفسي وروحي. على سبيل المثال، عندما يضحي الفرد بوقته لمساعدة الآخرين، فإنه لا يفقد فقط ساعات من يومه، بل يكسب تجربة تعزز من قدرته على التعاطف والصبر، وهما صفتان أساسيتان في التطور الأخلاقي. هذا التنازل الإرادي يعمل كآلية للتطهير الذاتي، حيث يحرر الفرد من قيود الرغبات الآنية، ممهدًا الطريق لتحقيق الذات الحقيقية. في المقاربة الأخلاقية، يمكن اعتبار التضحية كفضيلة تتوسط بين الإفراط في الأنانية والإفراط في الإنكار الذاتي، حيث يؤكد الفلاسفة الأخلاقيون على أنها يجب أن تكون مدروسة ومبنية على الوعي، لا على الضغط الخارجي. فالتضحية غير المدروسة قد تؤدي إلى الإرهاق النفسي أو الشعور بالظلم، بينما التضحية الواعية تحول الفرد إلى كائن أكثر نضجًا، قادرًا على اتخاذ قرارات تعكس توازنًا بين الذات والمجتمع. هذا التطور يظهر بوضوح في مراحل الحياة المختلفة، مثل مرحلة الشباب حيث يضحي الفرد بأحلامه الشخصية لتحقيق استقلالية، أو في مرحلة الأبوة حيث يتنازل عن راحته لتربية الأجيال الجديدة، مما يعزز من شعوره بالإنجاز والقيمة الذاتية.
مع ذلك، لا يقتصر تأثير التضحية على الفرد، بل يمتد إلى تقدم المجتمعات كعنصر أخلاقي يعزز التماسك والتطور الجماعي. في المقاربة الأخلاقية، تُعد التضحية مبدأً يجسد العدالة الاجتماعية، حيث يتنازل الأفراد عن مصالحهم الخاصة لصالح الخير العام، مما يؤدي إلى بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وتقدمًا. على المستوى التاريخي، شهدت الحضارات تقدمًا ملحوظًا عندما اعتمدت على مبدأ التضحية، كما في حالات الثورات أو الحروب حيث يضحي الأفراد بحياتهم لتحقيق الحرية أو العدالة، مما يمهد لعصور من الازدهار. هذا الدور يظهر في الأبعاد الاقتصادية، حيث يضحي العمال بجهودهم لتطوير الاقتصاد، أو في الأبعاد الاجتماعية حيث يتنازل الأفراد عن امتيازاتهم لدعم الضعفاء، مما يقلل من التفاوتات ويعزز السلام الاجتماعي. أخلاقيًا، يُبرر هذا المبدأ بأنه يعكس مبدأ المساواة، حيث يصبح التنازل عن الذات واجبًا أخلاقيًا لتحقيق الخير المشترك، لكن مع الحذر من تحولها إلى أداة للاستغلال، كما في المجتمعات التي تفرض التضحية بالقوة، مما يؤدي إلى الاستياء والانهيار. بدلاً من ذلك، يجب أن تكون التضحية طوعية ومبنية على القيم المشتركة، مما يحولها إلى محرك للابتكار والتطور، كما في المجتمعات التي تشجع على التطوع والعمل الخيري، حيث يؤدي ذلك إلى تعزيز الروابط الاجتماعية وزيادة الإنتاجية.
في سياق أعمق، تكشف المقاربة الأخلاقية عن التوتر بين التضحية والمنفعة الذاتية، حيث يُطرح سؤال: هل التضحية دائمًا فضيلة، أم أنها قد تكون عائقًا للتطور إذا أفرط فيها؟ أخلاقيًا، يمكن النظر إلى التضحية كمبدأ نسبي يعتمد على السياق، ففي حالات الضرورة مثل الكوارث الطبيعية، تصبح التضحية واجبًا أخلاقيًا يعزز التطور الجماعي، بينما في الحياة اليومية، يجب أن تكون متوازنة لتجنب الإضرار بالفرد. هذا التوازن يعكس مبدأ الاعتدال الأخلاقي، حيث يؤدي الإفراط في التضحية إلى الاستنزاف، مما يعيق التقدم، كما في المجتمعات التي تفرض على أفرادها تضحيات مستمرة دون مقابل، مما يؤدي إلى الإحباط والتراجع. مقابل ذلك، عندما تكون التضحية مدروسة، فإنها تحول الأفراد إلى قادة أخلاقيين يلهمون الآخرين، مما يسرع من تقدم المجتمعات نحو أهداف مشتركة مثل التنمية المستدامة أو الحفاظ على البيئة، حيث يتنازل الأفراد عن استهلاكهم الزائد لصالح الأجيال المقبلة.
بالإضافة إلى ذلك، يبرز دور التضحية في مواجهة التحديات المعاصرة، مثل الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية، حيث تصبح أداة أخلاقية للتكيف والتطور. في المجتمعات الحديثة، يظهر هذا في أشكال مثل التضحية بالوقت للتعليم المستمر، مما يعزز تطور الفرد ويسهم في تقدم المجتمع من خلال زيادة الكفاءات. أخلاقيًا، يُبرر هذا بأن التضحية تعكس الالتزام بالقيم العليا، مثل العدالة والمسؤولية، مما يحولها من فعل فردي إلى قيمة جماعية تعزز الثقة والتعاون. ومع ذلك، يجب التحذير من الاستخدام السياسي لمبدأ التضحية، حيث قد يستغل الحكام هذا المبدأ لفرض تضحيات غير عادلة، مما يعيق التقدم الحقيقي. في هذا السياق، تكمن القوة الأخلاقية في جعل التضحية اختيارية ومبنية على الوعي الجماعي، مما يضمن استمرارية التطور.
تشكل التضحية الاجتماعية، كبعد رئيسي من مبدأ التضحية العام، عنصرًا حاسمًا في فهم الروابط البشرية وتطورها، حيث تتجاوز الحدود الفردية لتصبح أداة لبناء التماسك الجماعي. في المقاربة الأخلاقية، تُعرف التضحية الاجتماعية بأنها التنازل الإرادي عن مصالح شخصية أو موارد فردية لصالح الخير العام، سواء كان ذلك من خلال العمل التطوعي، دعم الضعفاء، أو المساهمة في مشاريع جماعية. هذا البعد لا يقتصر على الأفعال الكبرى مثل التضحية في الثورات أو الحروب، بل يمتد إلى الحياة اليومية حيث يتنازل الأفراد عن وقتهم أو ممتلكاتهم لتعزيز الروابط الاجتماعية، مما يعزز تطور الفرد ككائن أخلاقي ويسهم في تقدم المجتمعات نحو حالة من العدالة والازدهار. في هذا التوسع، سنستعرض أبعاد التضحية الاجتماعية بشكل مستفيض، مركزين على دورها في تشكيل الشخصية الفردية، تعزيز التماسك الجماعي، والتحديات الأخلاقية التي تواجهها، لنصل إلى رؤية متوازنة تؤكد على أهميتها كقيمة أخلاقية في عالم متسارع التغيرات.
التضحية الاجتماعية
تبدأ التضحية الاجتماعية بدورها في تطور الأفراد كعملية أخلاقية تحول الذات من التمركز حول الرغبات الشخصية إلى الاندماج في السياق الجماعي. أخلاقيًا، تعتبر هذه التضحية فضيلة تعكس مبدأ التعاطف، حيث يتنازل الفرد عن جزء من حريته أو راحته لمساعدة الآخرين، مما يؤدي إلى نمو نفسي يعزز الشعور بالانتماء والقيمة. على سبيل المثال، عندما يضحي شخص بوقته للمشاركة في حملات تطوعية لمساعدة المحتاجين، فإنه لا يقدم مساعدة مادية فحسب، بل يطور قدرته على فهم الآلام الاجتماعية، مما يحوله إلى فرد أكثر نضجًا قادرًا على اتخاذ قرارات أخلاقية مدروسة. هذا التطور يظهر في مراحل الحياة المختلفة، مثل في الأسرة حيث يضحي الآباء بطموحاتهم المهنية لتربية أبنائهم، أو في المجتمع حيث يتنازل الأفراد عن استهلاكهم الزائد لدعم البرامج البيئية، مما يعزز الشعور بالرضا الداخلي والتوازن النفسي. من منظور أخلاقي، يُبرر هذا الدور بأن التضحية الاجتماعية تمنع الفرد من الانغلاق على نفسه، محولة الطاقة الشخصية إلى قوة إيجابية تعيد تشكيل الشخصية نحو الكمال الأخلاقي، لكن مع الحذر من الإفراط الذي قد يؤدي إلى فقدان الهوية الذاتية، حيث يصبح الفرد ضحية للضغوط الاجتماعية بدلاً من فاعلًا حرًا.
مع ذلك، يمتد تأثير التضحية الاجتماعية إلى تقدم المجتمعات كمحرك أخلاقي يعزز التماسك والتطور الجماعي، حيث تصبح أداة لتحقيق العدالة والمساواة. في المقاربة الأخلاقية، تُعد هذه التضحية واجبًا جماعيًا يجسد مبدأ المسؤولية المشتركة، حيث يتنازل الأفراد عن مصالحهم الخاصة لصالح الخير العام، مما يؤدي إلى بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وتقدمًا. على المستوى التاريخي، شهدت المجتمعات تقدمًا حضاريًا عندما اعتمدت على التضحية الاجتماعية، كما في حالات الثورات الاجتماعية حيث يضحي الناس بحرياتهم المؤقتة لتحقيق إصلاحات جذرية، أو في الأزمات الاقتصادية حيث يتنازل الأغنياء عن جزء من ثرواتهم لدعم الفقراء، مما يقلل من التفاوتات ويعزز السلام الداخلي. هذا الدور يظهر بوضوح في الأبعاد الاقتصادية، حيث تشجع التضحية الاجتماعية على نماذج الاقتصاد التعاوني، أو في الأبعاد الثقافية حيث يضحي الأفراد بوقتهم للحفاظ على التراث المشترك، مما يمهد لتطور مجتمعي مستدام. أخلاقيًا، يُبرر هذا بأن التضحية الاجتماعية تعكس مبدأ العدالة التوزيعية، حيث يصبح التنازل عن الذات ضروريًا لتحقيق التوازن الاجتماعي، لكن مع التحذير من تحولها إلى إكراه، كما في المجتمعات التي تفرض التضحية بالقانون أو الضغط الاجتماعي، مما قد يؤدي إلى الاستياء والانهيار الداخلي. بدلاً من ذلك، يجب أن تكون التضحية طوعية ومبنية على القيم المشتركة، مما يحولها إلى محرك للابتكار الاجتماعي، كما في المجتمعات التي تشجع على العمل الخيري والتطوع، حيث يؤدي ذلك إلى تعزيز الروابط وتسريع التقدم نحو أهداف مثل التنمية المستدامة.
في سياق أعمق، تكشف المقاربة الأخلاقية عن التوتر بين التضحية الاجتماعية والحرية الفردية، حيث يُطرح سؤال: هل هذه التضحية دائمًا إيجابية، أم أنها قد تكون عائقًا للتقدم إذا أفرط فيها أو استغلها؟ أخلاقيًا، يمكن اعتبار التضحية الاجتماعية مبدأً نسبيًا يعتمد على السياق، ففي حالات الضرورة مثل الأزمات الصحية أو البيئية، تصبح واجبًا أخلاقيًا يعزز التقدم الجماعي من خلال التعاون، بينما في الحياة الروتينية، يجب أن تكون متوازنة لتجنب الإضرار بالفرد. هذا التوازن يعكس مبدأ الاعتدال الأخلاقي، حيث يؤدي الإفراط في التضحية إلى الاستنزاف الاجتماعي، مما يعيق التقدم، كما في المجتمعات التي تطالب أفرادها بتضحيات مستمرة دون مقابل، مما يؤدي إلى الإحباط والتراجع عن المشاركة. مقابل ذلك، عندما تكون التضحية الاجتماعية مدروسة ومبنية على الوعي، فإنها تحول الأفراد إلى قادة اجتماعيين يلهمون الآخرين، مما يسرع من تقدم المجتمعات نحو أهداف مشتركة مثل مكافحة الفقر أو تعزيز التعليم، حيث يتنازل الأفراد عن امتيازاتهم لدعم الجميع، مما يعزز الثقة والتعاون الاجتماعي.
بالإضافة إلى ذلك، يبرز دور التضحية الاجتماعية في مواجهة التحديات المعاصرة، مثل التفاوت الاقتصادي أو التغير المناخي، حيث تصبح أداة أخلاقية للتكيف والتطور الجماعي. في العصر الحديث، يظهر هذا في أشكال مثل التضحية بالاستهلاك الشخصي لدعم الاقتصاد الأخضر، مما يعزز تطور الفرد كمواطن مسؤول ويسهم في تقدم المجتمع نحو الاستدامة. أخلاقيًا، يُبرر هذا بأن التضحية الاجتماعية تعكس الالتزام بالقيم العليا مثل المساواة والمسؤولية البيئية، مما يحولها من فعل فردي إلى قيمة جماعية تعزز الابتكار الاجتماعي. ومع ذلك، يجب التحذير من الاستخدام السياسي لهذا المبدأ، حيث قد يستغل الحكام أو النخب التضحية الاجتماعية لفرض سياسات غير عادلة، مما يعيق التقدم الحقيقي ويؤدي إلى التمرد. في هذا السياق، تكمن القوة الأخلاقية في جعل التضحية اختيارية ومبنية على الحوار الجماعي، مما يضمن استمرارية التطور الاجتماعي دون إضرار بالحريات الفردية.
التضحية في الفلسفة الاسلامية
تشكل التضحية في الفلسفة الإسلامية مفهومًا مركزيًا يجمع بين الأبعاد الروحية، الأخلاقية، والاجتماعية، حيث تُعتبر ليست مجرد فعل طقسي أو تنازل مادي، بل عملية فلسفية عميقة تهدف إلى تحرير الإنسان من قيود الذات والمادة نحو الكمال الإلهي. في السياق الإسلامي، يرتبط مفهوم التضحية بقصة النبي إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل، كما وردت في القرآن الكريم، حيث تُمثل نموذجًا أعلى للاستسلام الكامل لإرادة الله، مفضلاً الغاية الإلهية على الرغبات الشخصية. هذه الدراسة تتناول التضحية كمبدأ فلسفي في التراث الإسلامي، مستعرضة تطورها من الكلام والفقه إلى العرفان والحكمة المتعالية، مع التركيز على دورها في تطهير النفس، تعزيز التماسك الاجتماعي، ومواجهة التحديات الوجودية، لتكشف كيف تحولت التضحية من طقس ديني إلى فلسفة حياة تعيد بناء الإنسان والمجتمع على أسس التقوى والإيثار.تبدأ التضحية في الفلسفة الإسلامية كمفهوم أخلاقي يعبر عن التوازن بين الذات والآخر، مستمدًا من الوحي القرآني الذي يمجد الإيثار كفضيلة عليا، كما في قوله تعالى "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ". هذا المفهوم يتجاوز الفعل المادي ليشمل التضحية الروحية، حيث يرى الفلاسفة الإسلاميون الأوائل مثل الكندي وابن سينا أن التضحية هي عملية عقلية تهدف إلى تحرير النفس من الشهوات، ممهدة للوصول إلى المعرفة الإلهية. في فلسفة ابن سينا، على سبيل المثال، تُعد التضحية جزءًا من الطريق إلى الكمال النفسي، حيث يتنازل الإنسان عن الملذات الدنيوية ليحقق التوحيد مع العقل الفعال، مستلهمًا من الأفلاطونية المحدثة التي تؤكد على الارتقاء من المحسوس إلى المعقول. هذا التطور يظهر في كيفية دمج الفلسفة الإسلامية بين البرهان العقلي والنقل الشرعي، حيث تصبح التضحية ليست مجرد واجب ديني، بل ضرورة فلسفية لتحقيق السعادة الحقيقية التي تكمن في القرب من الله، بعيدًا عن الاغتراب الذي يفرضه التمسك بالماديات. مع انتقال الفلسفة الإسلامية إلى مرحلة التصوف والعرفان، تكتسب التضحية بعداً أعمق كعملية تطهيرية وتحريرية، حيث يرى الصوفيون مثل الغزالي في "إحياء علوم الدين" أن التضحية هي فناء الذات في الله، مفضلاً الزهد والإيثار على التملك. الغزالي، الذي جمع بين الفقه والفلسفة، يصف التضحية كوسيلة للتخلص من الغرور النفسي، مستمدًا من قصة إبراهيم التي يفسرها كرمز للتضحية بالأغلى – الولد – لإثبات الإخلاص، مما يحولها إلى فلسفة وجودية تعيد بناء الإنسان كعابد مخلص. هذا النهج يتطور لدى ابن عربي في "الفتوحات المكية"، حيث تصبح التضحية جزءًا من الوحدة الوجودية، إذ يتنازل السالك عن هويته الشخصية ليتجلى فيه الوجود الإلهي، مفسرًا الأضحية كرمز للذبح الرمزي للنفس الأمارة بالسوء. في هذا السياق، تُعد التضحية فلسفة عملية تهدف إلى الوصول إلى المعرفة الحضورية، حيث يصبح الإنسان مرآة للجمال الإلهي من خلال التنازل عن الملذات، مما يعزز التماسك الروحي في المجتمع الإسلامي ككل.في الشرق الإسلامي، يبرز دور التضحية في الحكمة المتعالية لدى ملا صدرا، الذي يجعلها أساسًا أنطولوجيًا لتطور الوجود، حيث يرى في "الحكمة المتعالية" أن التضحية هي حركة ديناميكية نحو الكمال، مستلهمًا من قصة إبراهيم كتجلي للوجود الإلهي في العالم المادي. ملا صدرا يفسر التضحية كتحول جوهري، حيث يتنازل الإنسان عن وجوده المحدود ليندمج في الوجود المطلق، مما يجعلها فلسفة وجودية تعالج التوتر بين الذات والآخر، والفرد والجماعة. هذا النهج يمتد إلى الفلاسفة اللاحقين مثل السبزواري، الذي يؤكد على التضحية كعرفان عملي يعزز العدالة الاجتماعية، حيث يصبح بذل النفس والمال لأجل الغاية الإلهية أداة لتحقيق التوازن في المجتمع، مستلهمًا من السنة النبوية التي تجعل الإيثار أساسًا للإيمان. في هذا الإطار، تتحول التضحية من فعل فردي إلى مبدأ اجتماعي يعزز التماسك، حيث يرى الفلاسفة الإسلاميون أنها ضرورية لمواجهة الظلم والاستغلال، كما في فلسفة التاريخ عند ابن خلدون الذي يربط التضحية بالعصبية كقوة دافعة للدول.مع دخول العصر الحديث، شهدت الفلسفة الإسلامية تطورًا في مفهوم التضحية كأداة للنهضة والتحرر، حيث يرى مفكرون مثل محمد إقبال أنها فلسفة ثورية تحول الإنسان من كائن سلبي إلى فاعل في التاريخ، مستلهمًا من الإسلام كدين يدعو إلى التضحية لأجل العدالة. إقبال في "إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام" يفسر التضحية كحركة ديناميكية نحو الكمال، حيث يتنازل الإنسان عن أنانيته ليصبح جزءًا من التطور الكوني، مما يجعلها أساسًا للتقدم الاجتماعي. هذا النهج يتجلى في الفكر الشيعي المعاصر، كما لدى الخميني الذي يجعل التضحية فلسفة سياسية للثورة، مستلهمًا من عاشوراء كرمز للتضحية بالنفس لمواجهة الظلم. في العالم العربي، يبرز حسن حنفي في "من النقل إلى الإبداع" التضحية كفلسفة تحررية، حيث يتنازل الإنسان عن التبعية ليبني مجتمعًا عادلًا، مما يعكس كيف تحولت التضحية في الفلسفة الإسلامية إلى أداة لمواجهة التحديات المعاصرة مثل الاستعمار والعولمة. أما التداعيات الفلسفية للتضحية في الإسلام، فهي متعددة الأبعاد، حيث تعزز التطور الروحي للفرد كما في العرفان، وتعمل كعامل للتماسك الاجتماعي من خلال تشجيع الإيثار والتكافل. ومع ذلك، تحذر الفلسفة الإسلامية من الإفراط في التضحية إذا تحولت إلى إكراه أو انتحار، كما يناقش الغزالي في نقده للزهد المتطرف، مؤكدًا على التوازن بين الدنيا والآخرة. في العصر الحديث، تكتسب التضحية دلالات سياسية، حيث تصبح فلسفة مقاومة للظلم، كما في فكر علي شريعتي الذي يفسر عاشوراء كتضحية ثورية لإصلاح المجتمع. هذه التداعيات تجعل التضحية فلسفة حية، قادرة على التكيف مع التحديات، من البيئية إلى الاجتماعية، حيث يصبح التنازل عن الاستهلاك الزائد تضحية بيئية للحفاظ على الخلق الإلهي.
خاتمة
في المجمل، يمثل مبدأ التضحية، من خلال مقاربة أخلاقية، عنصرًا حاسمًا في تطور الأفراد وتقدم المجتمعات، حيث يحول التنازل الإرادي إلى قوة دافعة للنمو الشخصي والجماعي. بينما يعزز التضحية الواعية من التعاطف والتماسك، يجب الحرص على توازنها لتجنب المخاطر، مما يفتح آفاقًا لعالم يجمع بين الفضيلة والتقدم. كما تمثل التضحية الاجتماعية، ضمن مبدأ التضحية العام، عنصرًا أخلاقيًا حاسمًا في تطور الأفراد وتقدم المجتمعات، حيث يحول التنازل الإرادي إلى قوة دافعة للنمو الشخصي والجماعي. بينما تعزز التضحية الاجتماعية الواعية من التعاطف والتماسك، يجب الحرص على توازنها لتجنب المخاطر، مما يفتح آفاقًا لمجتمعات أكثر عدلاً وازدهارًا. هذا البعد ليس مجرد قيمة نظرية، بل هو ضرورة أخلاقية لمواجهة تحديات العصر، محولاً الإنسانية نحو مستقبل يجمع بين الفضيلة والتقدم الاجتماعي. تمثل التضحية في الفلسفة الإسلامية فلسفة شاملة تجمع بين العقل والروح، تحول التنازل الإرادي إلى طريق للكمال الإنساني والجماعي. من خلال تطورها من البرهان إلى العرفان، أثبتت قدرتها على إعادة بناء الإنسان ككائن مخلص، مما يفتح آفاقًا لمجتمعات تعلي من العدالة والإيثار في عالم يغلب فيه المادي. هذا المبدأ ليس مجرد تراث، بل دعوة مستمرة للتجدد، محولاً الإسلام إلى فلسفة حياة تعالج التوترات الوجودية بقوة الإخلاص والتضحية. هذا المبدأ ليس مجرد قيمة تاريخية، بل هو ضرورة أخلاقية لمواجهة تحديات العصر، محولاً الإنسانية نحو مستقبل أكثر عدلاً وازدهارًا. فما علاقة التضحية بالايثار في الفلسفة ؟
كاتب فلسفي



#زهير_الخويلدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليقظة الحضارية واعادة اكتشاف المنظومة المعرفية المتكاملة، م ...
- حيرة الفلاسفة والعلماء أمام ضخامة وتنوع المعلومات في ثورة ال ...
- الاستعمار الثقافي من جهة مفهومه، آلياته، وتأثيراته
- الأسباب الواقعية والمسؤولية التاريخية لفلسفة الفعل ومطلب الت ...
- استعصاء انتقال عداد الساعة الحضارية في المجتمعات ما قبل الحد ...
- لقاء تقييمي استشرافي بمناسبة قدوم السنة الميلادية الجديدة 20 ...
- الموضة تصور ثقافي ورمزي ضمن فلسفة فنية تطبيقية، مقاربة نقدية
- مغامرة تحصيل السعادة الفردية والمجتمعية من خلال العلوم المعر ...
- هاربات ماركوز بين المقاربة الجذرية التحررية والفلسفة الاجتما ...
- مقاربة تعقدية عند ادغار موران بين الكائن الثقافي بالطبيعة وا ...
- حول أنطونيو غرامشي كفيلسوف ديمقراطي بين تشاؤم العقل وتفاؤل ا ...
- لغة الضاد بين التكلم عن معاناة الشعوب المضطهدة والنطق باسم ا ...
- مقاربة بسيكوسوسيولوجية للكائن البشري عند ايريك فروم
- جدلية التخلف والتقدم عند العرب بين النماذج الغربية والبدائل ...
- في عالم الخداع الشامل، يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً
- خلفيات الاعلان العالمي لحقوق الإنسان والتفريط في حقوق الشعوب ...
- اهتمام الذات الباحثة في مجال الفكر الفلسفي
- فلاسفة في الطريق إلى الحقيقة، ما بين التأمل الميتافيزيقي وال ...
- الكائن البشري بين الطموح اللامتناهي نحو المطلق والإقرار بالت ...
- ما بين سبينوزا والسبينوزية، مقاربة أخلاقية سياسية


المزيد.....




- 14 جانفي 2011: الشعب ينتصر على الدكتاتورية
- جانفي شهر النضال والانتفاضات الشعبية
- عاجل | الفصائل الفلسطينية: ندعم جهود الوسطاء في تشكيل لجنة ف ...
- ترامب للمتظاهرين الإيرانيين: المساعدة في طريقها
- عراقجي: -إسرائيل- تتباهى صراحة بأنها سلحت المتظاهرين بأسلحة ...
- عراقجي: -إسرائيل- تتباهى صراحة بأنها سلحت المتظاهرين بأسلحة ...
- الاشتراكيون الثوريون يتضامنون مع عمال السكر المحتجين للمطالب ...
- بسبب مشاركته في الاحتجاجات.. منظمات حقوق الإنسان تحذر من -إ ...
- القاهرة الإخبارية: بدء اجتماعات الفصائل الفلسطينية في القاهر ...
- احتجاجات إيران.. رسالة جديدة من ترامب للمتظاهرين وتقديرات با ...


المزيد.....

- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة
- ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت ... / سعيد العليمى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - زهير الخويلدي - مبدأ التضحية ودوره في تطور الأفراد وتقدم المجتمعات