|
|
وهم العقيدة الصحيحة : قراءة نفسية–فلسفية
محمد علي عبد الجليل
الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 00:13
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
تعكس المعتقداتُ الدينية لدى البشر مجموعةً واسعة من التصورات والمواقف حول مضمونها وغايتها وصحّتها. وعلى الرغم من التباين وحتَّى التعارض العقائدي بين هذه المعتقدات، يدّعي أتباعُ كلّ عقيدة أن عقيدتهم وحدَها التي نشؤوا عليها هي «الصحيحة» من حيث مضمونها الفيزيقي والميتافيزيقي، أي الدنيوي والأُخروي. لكن هذه الادّعاءات بصحة العقيدة الموروثة ليست نتيجة استدلالات عقلانية مجرَّدة، بل غالبًا ما تتأسس على التقليد أي الوراثة والتبَعية الجمعية العمياء وفي بعض الحالات على التجربة الوجدانية والآثار النفسية التي تنتج عن الالتزام بالعقيدة في حياة الفرد. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى إعادة قراءة مفهوم «الصحة» في العقيدة من منظور يدمج بين الفلسفة وعلم النفس.
١ العقيدة كنسق رمزي ذي وظيفة نفسية : يمكن فهم العقيدة الدينية بوصفها نسقًا رمزيًا يمنح قيمة ومعنى وجودي. تقوم العقيدة في الأساس بوظيفة نفسية واجتماعية : تنظيم الخبرة النفسية، وتنظيم العلاقات الاجتماعية بين الأفراد داخل الجماعة وكذلك بين الجماعة والمفاهيم الميتافيزيقية كالموت والأخرويات، وتقليل القلق الوجودي، وتقديم إطار تفسيري للتجربة الإنسانية.
وهذه الخاصية الوظيفية "البراغماتية" ليست جديدة في الدراسات الدينية أو النفسية؛ فهي تتقاطع مع أطروحات عالِم النفس الفيلسوف الآمريكي ويليام جيمس [William James] (١٨٤٢ - ١٩١٠) في كتابه : «تنويعات التجربة الدينية : دراسة في طبيعة الإنسان » (The Varieties of Religious Experience) (١٩٠٢)، هذه الأطروحات التي ترى أن أهمية الدين تكمن في تأثيره على حياة المؤمنين، لا في إثباتاته الميتافيزيقية وحدها.
وبالمثل، يرى الطبيب النمساوي فيكتور فرانكل [Viktor Frankl] (١٩٠٥ - ١٩٩٧) في كتابه : «بحث الإنسان عن المعنى» (Man’s Search for Meaning) (١٩٤٦) أن السعي وراء المعنى هو الدافع الوجودي الأساسي للبشر وأن التجارب الدينية قد تُـوَفِّر هذا المعنى حتى وإن كانت غير قابلة للإثبات العلمي.
من هذا المنظور، لا ترتبط فعالية العقيدة بمحتواها الرمزي بل بقدرتها على إحداث تماسُك نفسي لدى الفرد يُنمّي إحساسًا بالطمأنينة والاستقرار في مواجهة الوجود وخاصةً الموت والمرض والألم.
٢ حدود التقييم التقليدي للعقائد : التفسير التقليدي الذي يُصنِّف العقائد إلى «صحيحة» أو «باطلة» يَفترِض وجودَ مِعيارٍ موضوعي ثابت للحقيقة الميتافيزيقية (الماورائية). غير أن هذه المقارَبة لا تأخذ في الحسبان أن التجربة الدينية نفسها ترتكِز أساسًا على العواطف والقِيَم والتاريخ الثقافي والخبرة النفسية للفرد. من هنا تبرز المفارَقة : • إذا استُخدِمَ الشعورُ بالطمأنينة النفسية كدليل على صدق العقيدة، فإن جميع العقائد، حتى المتناقضة منها، يمكن اعتبارها «صحيحة» من هذا المنظور. وبالتالي تكون العِبارتَان التاليتَان صحيحتَين من ناحية الغاية وإن انتمَيَتا إلى دينَين متعارضَين في العقائد الأساسية : الحديث المحمَّدي : «يا بلالُ، أقِمِ الصَّلاةَ، أرِحنا بها» والآية الإنجيلية : «تَعالَوا إِلَيَّ يا جَمِيعَ المُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (متَّى ١١ : ٢٨). • وهذا يستدعي إعادة النظر في معنى «الصحة» عندما يتعلق الأمر بالعقائد : هل المقصود بها الصحة المنطقية أم الميتافيزيقية أم الفعالية النفسية؟
انطلاقًا من هذه المعضلة، يصبح من المفيد التمييز بين «الصحة المعرفية» الأبستمولوجية و«الصحة الوظيفية» للعقيدة، وهو تمييز استُخدم في الفلسفة التحليلية وعلم النفس الديني للدلالة على أن العقيدة قد تكون غير قابلة للإثبات لكنها ذات تأثير وظيفي واضح في حياة الأفراد.
أصلاً، في العقيدة، لا يستقيم التقييم «صحيح أو باطل» مثلما لا يستقيم في الألوان. فلا يصح القول إن اللون الأحمر لون صحيح بينما الأسوَد لون باطل. وكذلك لا يستقيم وصف العقائد التالية مثلاً بالباطلة أو بالصحيحة : «الله واحد أحد»، «الله واحد مكوَّن من ثلاثة أقانيم»، «المسيح نبي»، «المسيح ابن الله الحي»، «محمد حبيب الله وخاتم الأنبياء»، «محمد مِن الأنبياء الكذبة»، «كريشنا الإله هو الأڤاتار [التجسُّد] الثامن لڤيشنو الإله الأعلى»، إلخ…
فإذا شبَّهنا العقائد بثياب مختلفة الألوان، فليس اللونُ في حد ذاته هو الذي يقي من البرد، بل الثوبُ نفسُه. فالعقيدة، في هذا السياق، ليست سوى ثوبٍ مجازي رمزي يقي النفس من برد القلق الوجودي ويمنح النفسَ معنىً ويمنع الفوضى الاجتماعية والأذى. ولا أهمية للون الثوب أو لشكل العقيدة.
ما يُهِمُّ هو «الصحة الوظيفية»، أي أثر العقيدة المفيد على الفرد والجماعة : فهل تحمي هذه العقيدةُ آتباعَها أو معتنقيها وتمنعهم جميعًا من الانزلاقات والأذى والعُنف؟ ولا معنى للادّعاء بأن «هذه العقيدة صحيحة ولكنّ التطبيق خاطئ» أو بأن «هؤلاء الأتباع لا يمثّلون تلك العقيدة "الصحيحة"».
فإذا كان الثوبُ لا يُدَفّيكَِ والعقيدةُ لا تَحميكَِ وربُّكَِ لا يَمنعكَِ مِنَ الأَذَى فالآَولَى أن تَبحَثَ/تَبحثي عن ثوبٍ آخَر وعَقيدةٍ أُخرَى وَرَبٍّ آخَر.
٣ البعد الوجودي : العقيدة كآلية لمواجهة القلق الوجودي : تتقاطع هذه القراءةُ مع أعمال الفيلسوف واللاهوتي الألماني رودولف أوتو [Rudolf Otto] (١٨٦٩ - ١٩٣٧) في كتابه : «فكرة القداسة» (The Idea of the Holy) (١٩١٧) حيث يرى أن التجربة الدينية تَصدُر من شعور الإنسان بالـمُقَدَّس – المخيف –الـمَهيب، وتعمل على تنظيم هذا الشعور عبر رموزٍ وطقوسٍ تجعل الخبرة مقبولة وذات معنى.
إن التجربة الوجودية والطقسية للعقائد تعمل أساسًا على : • تقليل الإحساس بالفراغ الوجودي وإضفاء معنى على الحياة، • توفير إطار تفسيري للمعاناة والألم والموت، • خلق إحساس بالانتماء والاتصال بالطبيعة والكون والوجود.
هذه الوظائف لا تُـثبِت صِحَّةَ المعتقدات من حيث المضمون الفكري، لكنها توضح لماذا تستمر العقائد في التجربة الإنسانية وتزدهر ثقافيًا واجتماعيًا.
٤ بين الفلسفة وعلم النفس : إعادة صياغة «الصحة» في العقيدة : اقتراحنا هو الانتقال من تقييم العقائد بوصفها «حقائق ميتافيزيقية» إلى النظر إليها كـ«آليات نفسية–وجودية». هذا لا يعني رفض القيمة المعرفية للعقائد، بل توسيع منظورنا ليشمل الوظيفة التي تؤديها العقائد في النفس البشرية. وبالتالي ينبغي التوقف عن تقسيم الأديان إلى «صحيحة» و«باطلة» أو إلى «دِين قويم [قَيِّم]» و«بِدعة»، والتوقف عن اعتبار الدين الذي ورثناه مصادفةً من أهلِنا هو «الدين الصحيح»، والتوقف عن اعتبار الأديان الأخرى خاطئة أو باطلة.
من منظور فلسفي، تُحَدَّد الصحةُ من حيث الاتساق المنطقي والمطابَقة للواقع. لكن في سياق العقائد الدينية، تكون الفائدة النفسية للمُعتَقَدات غالبًا أقوى من أي برهان موضوعي على صحته. وبهذا المعنى : • الصحة الوظيفية للعقيدة تعني قدرتها على تعزيز التماسك الفردي والمجتمعي والكوني، وتنظيم القلق الوجودي، وتوفير معنى للتجربة الإنسانية. • الصحة الميتافيزيقية للعقيدة تعني قابلية المعتقَد للإثبات أو التحقق وفق معايير معرفية [أبستمولوجية] موضوعية.
وهذه الفروق تساعدنا على أنْ نَفهمَ لماذا قد يشعر شخصان ينتميان إلى منظومتين عقيديتَين متناقضتَين بطمأنينة نفسية مماثلة أو لماذا يشعر شخص مؤمن وشخص ملحد بطمأنينة نفسية مشابهة أو لماذا يختلف الشعور بالطمأنينة بين شخصين مؤمنَين ينتميان إلى منظومة عقائدية واحدة.
٥ الاستمرارية الثقافية للعقائد خارج إطار الإيمان العقائدي : تستمد العقائد استمرارَها ليس فقط من نصوصها أو رموزها، بل من قدرتها على التأقلم مع السياقات النفسية والثقافية للمؤمنين. ومن هنا تفسر لنا هذه القراءة لماذا : • تنمو العقائد وتنتشر عبر الثقافات المختلفة، • تتنوع الممارسات الدينية رغم تشابه الوظائف النفسية التي تؤديها، • يمكن لنظام عقائدي أن يستمر حتى عندما يَثبُت أن بعض ادعاءاته غير قابلة للإثبات أو خاطئة عِلميًا.
فمثلاً، تُجسِّد مسيرةُ الملوك المجوس الثلاثة (la Marche des Rois)، التي جَرَت اليوم (الأحد ١١ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦) والتي تجري كلَّ سَنَة في إكس أون بروفانس (Aix-en-Provence) جَنوبَ فرنسا، أحدَ الأشكال المعاصرة لاستمرارية الرموز الدينية في الفضاء العام، حيث لم تَعُد هذه الفعاليةُ محصورةً في بعدها اللاهوتي المسيحي المرتبط بسردية الميلاد، بل تحوّلت إلى طقس ثقافي جماعي يحمل وظيفة اجتماعية ونفسية واضحة. فالمشاركون، على اختلاف درجات إيمانهم أو انتمائهم الديني، ينخرطون في هذه المسيرة باعتبارها مناسبة احتفالية تُعزِّز الإحساس بالانتماء، وتعيد إنتاج الذاكرة الجماعية، وتربط الفرد بجماعة رمزية أوسع.
وبهذا المعنى، فإن المسيرة تُجسِّد ما تشير إليه الفقرة السابقة من أن العقائد لا تستمد استمرارها من صدقية ادعاءاتها أو قابليتها للإثبات العلمي، بل من قدرتها على التكيّف مع السياقات النفسية والثقافية المتغيرة. فالرمز الديني هنا يبقى فاعلًا، حتى عندما يُعاد تأويله بوصفه تراثًا أو فولكلورًا أو حدثًا ثقافيًا سياحيًا، دون أن يفقد وظيفته الأساسية في تنظيم المشاعر الجماعية وبناء المعنى المشترك.
وهذا يتفق مع ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي إميل دوركهايم [Émile Durkheim] (١٨٥٨ - ١٩١٧) في كتابه : «الأشكال الأولية للحياة الدينية» (Les Formes élémentaires de la vie religieuse)، (١٩١٢) بأن الدين مؤسسة اجتماعية تُـنَـظِّم الحياةَ النفسية والجماعية بِـغَضِّ النظر عن مضمون عقائد هذا الدين نفسه.
إن إعادة تأطير مفهوم «صحة العقيدة» من منظور نفسي–فلسفي يتيح فهمًا أعمق للدور الذي تقوم به المعتقدات في حياة الأفراد والمجتمعات. فبدلًا من السعي لإثبات أو نفي الميتافيزيقا، يصبح التركيز قائمًا على فعالية العقيدة في تنظيم الخبرة الإنسانية وتقديم معنى في مواجهة القلق الوجودي. وهذا لا يقلل من قيمة العقائد، بل يفسر سبب استمراريتها وتغلغلها العميق في الحياة الإنسانية عبر العصور والثقافات.
#محمد_علي_عبد_الجليل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بين الكروا والكرواسان (الصليب والهلال)
-
من الانقسام القبلي إلى التشكل الطائفي: قراءة تاريخية-سوسيولو
...
-
الطبيعة مصدر الكَرَم في المفهوم اللغوي الساميّ: تأثيل السخاء
...
-
اللغة والفكر : نحو فهم جذور الأزمة الفكرية في العالم العربي
-
تأثيل الدياثة وتأصيلها
-
تأثيل الفِعل «حَوَى» وتطوّراتُه اللهجاتية
-
يا رئيسُ !
-
تأثيل كلمة «سِكّين»
-
أغنية: كيف بدنا نعيش؟
-
في معنى المُعجِزة
-
«بارود ! اهرُبوا !» : خَطَـرُ الدِّينِ
-
قراءة كريستوف لُكسنبرغ: ما لها وما عليها
-
حكاية القرآن
-
التاريخ البشري باختصار
-
أثر العقائد والسياسات
-
كلمة سريعة بخصوص اليوم العالمي للغة العربية
-
المرشدية دين الحرية
-
هجر جميل والراح المستعان
-
أعاقر الراح
-
ثقافة القطيع
المزيد.....
-
كاميرا ترصد ما فعله المُشتبه به في حريق مُتعمد قبل إشعال كني
...
-
البابا ليو يلتقي بزعيمة المعارضة الفنزويلية في الفاتيكان
-
هل تملك احتجاجات إيران القدرة على زعزعة نظام الجمهورية الإسل
...
-
نائب الأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي: المقاومة جزء أصيل م
...
-
نائب الأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي: إسرائيل تستغل المرح
...
-
ما حظوظ الإسلاميين ببنغلاديش في الانتخابات القادمة؟
-
السلطات السورية تعلن توقيف شخصين من تنظيم -الدولة الإسلامية-
...
-
باحث يهودي فرنسي: لهذا تحولتُ من صهيوني إلى داعم للقضية الفل
...
-
كيف صعد حكم الثورة الإسلامية في إيران؟
-
محكمة العدل الدولية تشرع في النظر بقضية إبادة أقلية الروهينغ
...
المزيد.....
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|