أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - عائد زقوت - بين الاصطفاف والقضية: الانهيار الخفي للمشروع الوطني















المزيد.....

بين الاصطفاف والقضية: الانهيار الخفي للمشروع الوطني


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 03:26
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليس الاستمرار في تسليط الضوء على الحالة الفلسطينية المتشظية ضربًا من ترف القول أو فذلكة لسانيّة، بل ضرورة تحليلية تفرضها طبيعة التحوّل الذي أصاب الانقسام الفلسطيني؛ إذ لم يَعُد خلافًا سياسيًا قابلًا للاحتواء، ولا تباينًا تنظيميًا عابرًا، بل تحوّل إلى ثقافة عامة أعادت تشكيل الوعي الجمعي، وفرضت منطقها على أنماط التفكير والسلوك، وأعادت تعريف الوطنية بوصفها ولاءً تنظيميًا لا موقفًا أخلاقيًا جامعًا. وبذلك غدا الانقسام إطارًا ناظمًا للوعي قبل أنْ يكون واقعًا سياسيًا مفروضًا.

فعلى الرغم من سنوات الاصطفاف الفصائلي، ما يزال الفلسطيني، في حياته اليومية، قادرًا على التعايش مع الاختلاف وتقاسم الألم ذاته تحت الاحتلال والحصار. غير أنّ هذا التعايش يتآكل سريعًا عند الدخول في فضاء الجماعة الفصائلية؛ حيث لم تَعُد الإشكالية محصورة في تعدد البرامج أو اختلاف التقديرات السياسية، بل في إعادة تشكيل الوطنية على أسس تنظيمية ضيقة، يُصادَر فيها الوعي، وتُقدَّم الجماعة بوصفها مرجعية نهائية، ويُختزَل الوطن في إطارها، وتُعطَّل الأهداف السياسية باسم الوطن والقضية.

ضمن هذا الفضاء، لا تُدار الخلافات بوصفها تعبيرًا عن تنوّع سياسي مشروع، بل باعتبارها معارك وجودية داخلية؛ تُحَوَّل فيها الأسئلة إلى شبهات، والنقد إلى تهديد، ويُعاد إنتاج خطاب التخوين بوصفه أداة للضبط والسيطرة. وهكذا لم يَعُد الانقسام حالة طارئة، بل تحَوَّل إلى بُنية ثابتة تُستخدم لإعادة إنتاج السلطة وضمان إخضاع الجمهور، حتى وإنْ كان الثمن إضعاف المشروع الوطني ذاته.

وقد كشفت الحرب على غزة، بوضوح قاسٍ، مآلات هذا المسار. فعلى الرغم من الحجم غير المسبوق للتضحيات الإنسانية، بدا الفلسطينيون أمام العالم بلا مرجعية وطنية جامعة، وبلا رؤية سياسية قادرة على تحويل الكلفة البشرية إلى رافعة تحررية ومكاسب سياسية ملموسة.
وفي السياق ذاته، تراجع حضور القضية الفلسطينية في بُعدها التحرري لصالح مقاربات أمنية وإنسانية مفصولة عن سياقها الوطني؛ فأُديرت غزة بوصفها مأساة إنسانية منفصلة عن السياسة، وأُديرت الضفة بوصفها ملفًا أمنيًا، فيما غاب الإطار الوطني القادر على وصل المعاناة بالهدف، والصمود بالمشروع. ولم يكن هذا الغياب نتاج السياسات الإسرائيلية في الضفة وغزة فحسب، بل نتيجة مباشرة لانقسام طويل عطّل إمكان بناء استراتيجية سياسية موحّدة.

تكمن خطورة هذا الواقع – أو بالأحرى تبعاته البنيوية – في أنّ الانقسام لم يَعُد خللًا طارئًا، بل غدا نمط حكم وآلية لإعادة إنتاج السلطة، وبُنية تُقوِّض القدرة الوطنية على الفعل. ومع غياب القرار الفلسطيني الموحّد، تُستنزف التضحيات في مسارات تفاوضية لا يملك الفلسطينيون مفاتيحها، وتُعاد صياغة القضية بوصفها أزمة إنسانية طويلة الأمد، لا مشروع تحرر وطني ذي أفق سياسي.

ولا يمكن، في هذا السياق، فصل الانقسام الداخلي عن بيئته الإقليمية والدولية. فبعض القوى التي قدّمت دعمًا جزئيًا أو كليًا للقضية الفلسطينية، وجدت في الانقسام فرصة للاستثمار السياسي ضمن صراعاتها الاستراتيجية، فحُوِّلت المساعدات والغطاء السياسي إلى أدوات ترجيح داخلي، تُغذّي التنافس الفصائلي بدل الإسهام في بناء موقف وطني جامع. وهكذا تشكّلت حلقة مُنهِكة: أضعفت التوافق الداخلي، ورسّخت منطق الجماعة على حساب المصلحة الوطنية، وفتحت الباب أمام تدخلات خارجية راكمت مزيدًا من التصدعات، ما جعل المشروع الوطني أكثر قابلية للتفريغ والتهميش.

إنّ التّحدي الجوهري في مرحلة ما بعد غزة لا يكمن في التفاصيل الإجرائية ولا في صيغ المصالحة الشكلية، بل في استعادة المعنى السياسي ذاته. فالمسألة لم تَعُد تتعلق بتقاسم السلطة، بل بإعادة بناء الوعي الوطني بوصفه وعيًا نقديًا جامعًا، لا وعيًا تعبويًا مغلقًا. ومن هنا، فإنّ كسر هذا المسار لا يمكن أنْ يكون نتاج تسوية فصائلية مغلقة، ولا نتيجة تدوير النُّخب ذاتها – إذ إنّ الفصائل نفسها أحد تعبيرات هذا المأزق – بل ثمرة فعل فكري ومجتمعي تقوده نُخب نقدية عابرة للتنظيمات والفصائل، تستعيد السياسة من منطق الاصطفاف، وتعيد وصل الوعي الوطني بالإنسان لا بالجماعة.

وفي هذا الإطار، لا تُستعاد الشرعية الوطنية بوصفها إجراءً تقنيًا أو تفويضًا انتخابيًا معزولًا عن المعنى، بل باعتبارها تعاقدًا سياسيًا وأخلاقيًا جامعًا يُعاد تعريفه على أساس الإرادة الشعبية الحرة. فالنظام الأساسي أو الدستور لا يُختزَل، هنا، في كونه نصًا قانونيًا، بل يُفهم بوصفه التعبير الأعلى عن إعادة تأسيس الشرعية، وضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتحديد وظيفة السياسة باعتبارها أداة تحرر لا إدارة انقسام. وأي مسار لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني يفقد معناه إنْ لم ينطلق من هذا الأساس: شرعية تُستمد من الشعب، وتُمارَس تحت سقف منظمة التحرير بوصفها إطارًا وطنيًا جامعًا، لا امتيازًا تنظيميًا أو تفويضًا قابلًا للتوظيف الفئوي. وبهذا المعنى، لم تَعُد الوطنية امتيازًا تنظيميًا أو شرعية مفروضة، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان الفلسطيني، والتزامًا صريحًا بالقضية بوصفها قضية تحرر لا ملكية فصائلية.

من هنا، فإنّ وحدة الوطن لا تُصاغ بالاصطفاف خلف الجماعات، ولا بالرهان على شرعيات إجرائية، ولا بإدارة الانقسام بوصفه أمرًا واقعًا دائمًا، بل بوعي نقدي يضع القضية فوق التنظيم، وبإرادة سياسية جريئة لكسر المنطق الذي جعل الجماعة أقوى من القضية. فالمستقبل الفلسطيني لن يُحدَّد بإدارة المأساة، بل بالقدرة على تحويل المعاناة إلى مشروع سياسي موحّد وقابل للتحقق، يضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الفئوية، ويعيد السياسة إلى موقعها الطبيعي أداةً للتحرر، لا مجرد كلفة تُدار بلا رؤية.

وعليه، يظل السؤال الاستراتيجي اليوم: من يملك الجرأة الفكرية والسياسية لكسر هذا المسار، قبل أنْ يتحوّل الانهيار الخفي للمشروع الوطني إلى واقع مكتمل لا يترك مجالًا للاختيار؟ إذ لم يَعُد السؤال المُلحّ كيف نُنهي الانقسام، بل كم من الهزائم الأخلاقية والسياسية نحتاج قبل الاعتراف بأنّ الجماعة والأحزاب، حين تُقدَّم على القضية، لا تحميها فحسب، بل تُجهِز عليها.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هزيمة العقل داخل الجماعة: سوسيولوجيا التفكير الجمعي
- اللصوصية النّاعمة… حين يُصبح الجُوع مشروعًا سياسيًا
- بين التّطبيل والتّهبيل: إدارة المأساة بلا سياسة
- أُفول فرانس–إفريقيا... تحوّلات موازين القوى العالمية
- غزة بين الإعمار والهيمنة: كيف تُدار الطاقة بعد الحرب؟
- في ذكرى رحيل أمي
- حين يُصبح الألم وقودًا... ويحيا نهج الشيطان
- تركيا أُنموذجًا لاختبار واشنطن نظامًا جيوسياسيًا شرق أوسطيًا ...
- حِينَ يَنهضُ القَلبُ من حُطامِهِ
- العلاقات المصرية الإسرائيلية.. بين الأمن والسيادة-- إدارة ما ...
- بين الصهيونيّة الدينيّة والصهيونيّة الليبراليّة: إسرائيل إلى ...
- من وعد بلفور إلى الاعتراف الأوروبي: قرن من التحوّلات بين الو ...
- حين يتكلم التاريخ بلسان مصر
- أولوية الشّعب: بين الحُكم والسّلاح
- الإعلان الدستوري : بين إدارة الضرورة ومعضلة الشرعيّة
- إلغاء القمة ورسائل توماهوك: السياسة الأميركية بين القوة والح ...
- بين التّحديات والمسؤوليّة: نحو تحويل وقف الحرب إلى فرصة وطني ...
- بين السلطة والضمير: استراحة على شاطئ التاريخ
- الطموح الفلسطيني: بين الوصاية والدولة
- مصر.. سند فلسطين ودرع العروبة


المزيد.....




- تشبث بشجرة للنجاة بحياته.. انهيار ثلجي يدفن متزلجا لفترة قصي ...
- مسؤول روسي يُدين -التدخلات الخارجية- في شؤون إيران و-محاولة ...
- كيف تفكر الإدارة الأميركية الآن؟ خيارات واشنطن المطروحة في ا ...
- بعد تعاون أمني.. توقيف قيادي في عصابة -فوكستروت- بالعراق تمه ...
- هل يعود رضا بهلوي إلى السياسية في إيران؟
- مباشر: ترامب يهدد بفرض عقوبات على الدول التي تتعامل تجاريا م ...
- هل يلجأ ترامب إلى اتفاق 1951 المبرم مع الدانمارك للسيطرة على ...
- صلاح، حكيمي، أوسيمهن، مانيه... -الأربعة الخارقون- يؤكدون حضو ...
- مستشار ترامب: واشنطن والرياض وأبوظبي تشترك في أهدافها باليمن ...
- ميناء إيلات يواجه -أسوأ أزمة في تاريخه-


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - عائد زقوت - بين الاصطفاف والقضية: الانهيار الخفي للمشروع الوطني