|
|
إيمانويل كانط بين العقل والرهبة
كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي
(Kamal Ghobrial)
الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 02:49
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
بينما يرى البعض كانط "ثورياً" وضع حدوداً صارمة للعقل، تراه مقاربتنا هذه إما "متحفظاً" توقف في منتصف الطريق ليحمي المعتقدات التقليدية من الانهيار التام. أو أنه استخدم التقية خشية من المواجهة المادية الصارمة. فكان أن اختار الوقوف في منتصف السلم. بين المادية الصريحة، وبين أحلام الميتافيزيقا ومقدساتها.
يُعد إيمانويل كانط (1724–1804) مهندس الفلسفة الحديثة بلا منازع، لكن كتابه "نقد العقل المحض" لم يكن مجرد كتاب تقني. بل كان محاولة لرسم الحدود. ولن نكون قد ذهبنا بعيداً، إذا اعتبرنا أن كانط، برسمه لهذه الحدود، قد مارس "تقية فلسفية". فبدلاً من إعلان مادية العالم بشكل صريح، اختار عزل "الميتافيزيقا" في منطقة لا تطالها المعرفة، حمايةً لنفسه من الصدام مع الكنيسة والمجتمع. موفراً بذلك حماية للميتافيزيقا من خنجر العلم القادر على تمزيق أحشائها!! وإن كان من الوارد طبعاً أن يكون هذا نتيجة لعجزٍ في رؤية الحقيقة المادية المجردة. وإن كنا لا نرجح هذا، بالنظر للقدرات العقلية والفكرية لهذا الفيلسوف الكبير!!
1. حدود العقل التي تخيلها كانط، هل كانت حماية للميتافيزيقا أم إقصاء لها؟ في فلسفة كانط، هناك تمييز جوهري بين: • عالم الظواهر (Phenomena): وهو العالم الذي ندركه بحواسنا ونخضعه لقوانين المادة والزمان والمكان. عالم الأشياء في ذاتها (Noumena): وهو الجوهر الذي لا يمكن للعقل الوصول إليه (مثل الروح، الله، الخلود).
من وجهة نظر مادية، هذا التقسيم هو "هروب دبلوماسي". فبينما أقر كانط بأن العلم لا يتعامل إلا مع المادة، فإنه ترك الباب موارباً للميتافيزيقا تحت مسمى "الأفكار التنظيمية" أو "الإيمان الأخلاقي".
يرى النقاد الماديون أن كانط كان يدرك تماماً أن ما وراء المادة "فراغ"، لكنه خشي إعلان ذلك لتجنب الفوضى الاجتماعية أو العقاب السلطوي.
2. المواجهة التي تجنبها كانط: بينما كان كانط يرسم حدود العقل، كان هناك فلاسفة آخرون يقتحمون الحصون التي تحاشاها: • باروخ سبينوزا: الذي وحد بين الله والطبيعة، ملقياً بالميتافيزيقا التقليدية في سلة المهملات، مما عرضه للنفي والتكفير. • ديفيد هيوم: الذي أثر في كانط "وأيقظه من سباته الدوغمائي"، كان أكثر جرأة في نقد السببية والميتافيزيقا، معتبراً إياها مجرد عادات ذهنية. • لودفيغ فيورباخ (لاحقاً): الذي حسم الجدل قائلاً إن الميتافيزيقا ليست إلا انعكاساً لرغبات الإنسان وقصوره، وأن الطبيعة هي الأصل والمنتهى.
كانط، في المقابل، صاغ ما يسمى "الرهان الأخلاقي"؛ أي أننا حتى لو لم نستطع إثبات وجود الروح أو الخالق بالعقل، فنحن "بحاجة" لافتراض وجودهما من أجل استقامة الأخلاق. هذا التبرير يراه الماديون محض "وهم نفعي" للتغطية على الحقيقة المادية القاسية.
3. الميتافيزيقا كـ "خزعبلات": العلم يملأ الفراغ تقوم الفلسفة المادية على أن كل ما وصفه كانط بـ "المتجاوز للعقل" هو في الحقيقة "مساحات لم يكتشفها العلم بعد". • الروح: أصبحت في البيولوجيا وعلم الأعصاب تفاعلات كيميائية وكهربائية (مادة وطاقة). • الخلق: أصبح في الفيزياء الكونية (Cosmology) قوانين فيزيائية ذاتية التفسير. بناءً على ذلك، فإن تصنيف كانط للميتافيزيقا كـ "فوق اختصاص العقل" كان تأجيلاً للاعتراف بأنها مجرد "إنتاج خيال خصيب"، لجأ إليها الإنسان القديم لسد فجوات جهله بالقوانين الطبيعية.
الخلاصة: هل كان كانط "نصف ثوري"؟ يمكن القول إن كانط قد "علمن" العالم المادي تماماً، لكنه احتفظ بمظلة ميتافيزيقية تحمي المنظومة الأخلاقية والاجتماعية في عصره. لقد أدرك أن العقل البشري يميل بطبعه لطرح أسئلة لا يملك إجابات عليها، فبدلاً من تسميتها "أوهاماً"، سماها "ميتافيزيقا".
هنا نصل إلى تساؤل: هل كان كانط يخشى الجماهير، أم كان يخشى الفراغ الذي سيخلفه غياب الميتافيزيقا في نفس الإنسان؟
الحقيقة أن الأفكار التي جاءت بعد كانط، رفعت الغطاء تماماً عما اعتبره كانط "حدوداً لا يمكن تجاوزها".
لنذهب إلى مقارنة بين "مساومة" كانط و**"ثورية" الماديين** (ماركس، نيتشه، وفيورباخ) الذين اعتبروا الميتافيزيقا محض خرافة:
الميتافيزيقا: من "حدود العقل" إلى "أوهام الجهل" بينما حاول كانط إيجاد صيغة تعايش بين العلم والإيمان، جاء الفلاسفة الماديون والعدميون ليعلنوا أن ما سماه كانط "نومينا" (عالم ما وراء الطبيعة) ليس إلا فراغاً ملأه الإنسان بأوهامه. 1. لودفيغ فيورباخ: قلب الطاولة على كانط كان فيورباخ أول من واجه فكرة "ما وراء الطبيعة" بجرأة نفسية ومادية. • رؤية كانط: العقل قاصر عن إدراك الله والروح، لذا نتركهما كـ "أفكار تنظيمية". • رد فيورباخ: الميتافيزيقا ليست "خارج اختصاص العقل"، بل هي إسقاط بشري. الإنسان يفرغ صفاته الحسنة (الحكمة، الحب، القدرة) ويجسدها في كائن سماوي لأنه يخشى مواجهة محدوديته المادية. • النتيجة: العلم لا يواجه "حدوداً"، بل يواجه "مرآة". 2. كارل ماركس: الميتافيزيقا كأداة سيطرة يتفق ماركس مع طرحنا بأن كانط ربما خشي القوى التقليدية. بالنسبة لماركس، الميتافيزيقا ليست مجرد خطأ معرفي، بل هي وظيفة اجتماعية. • نقد المادية الماركسية: اعتبر ماركس أن إبقاء كانط على "مساحة للدين والميتافيزيقا" هو وسيلة لتسكين الجماهير (الأفيون). • المواجهة: يرى ماركس أن العالم مادي صرف، وأن القوانين الاقتصادية والاجتماعية هي المحرك الوحيد، وما الميتافيزيقا إلا "بنية فوقية" تختفي بمجرد فهمنا لقوانين المادة. 3. فريدريك نيتشه: هدم "عالم الحقائق" الكانطي كان نيتشه أكثرهم سخرية من "حذر" كانط. وصف كانط بأنه "مسيحي متخفٍ" حاول حماية الأخلاق المسيحية بعد أن قتل العلم أساسها الميتافيزيقي. • عالم الظل: نيتشه يرى أن تقسيم كانط للعالم إلى (ظاهر مادي) و(باطن ميتافيزيقي) هو أكبر "خزعبلة" في تاريخ الفكر. • المواجهة الصريحة: دعا نيتشه لرفض أي عالم "خلفي" أو "ما وراء طبيعي"، والاعتراف بأن هذا العالم المادي، المليء بالطاقة والصراع والقوة، هو العالم الوحيد الموجود.
الفارق الجذري بين "مساومة" كانط و"هجوم" الفلسفة المادية:
أولاً: حول طبيعة الوجود (ثنائية كانط مقابل أحادية المادة) اعتبر كانط أن الوجود ينقسم إلى شطرين: عالم مادي ملموس ندركه بحواسنا، وعالم "جوهري" غامض يقع وراء المادة ولا يمكننا معرفة حقيقته. في المقابل، يرفض الفلاسفة الماديون هذا التقسيم كلياً، ويؤكدون أن الوجود "واحد" وبسيط؛ فلا يوجد سوى المادة والطاقة في حالة حركة دائمة وفق قوانين الفيزياء، وما نسميه "باطناً" أو "جوهرًا" ليس إلا تعقيداً في تركيب المادة نفسها.
ثانياً: النظرة إلى الميتافيزيقا (الضرورة الأخلاقية مقابل الخرافة) رأى كانط أن الميتافيزيقا (مثل فكرة الله أو الروح) هي "لغز" لا يمكن للعقل حله، لكنه متمسك بها كضرورة لضبط الأخلاق واستقامة المجتمع. أما الماديون (مثل فيورباخ وماركس)، فقد اعتبروا الميتافيزيقا محض أوهام وخزعبلات نتجت عن الجهل بالقوانين الطبيعية، أو هي "أدوات سيطرة" استخدمتها القوى التقليدية لتخدير عقول الجماهير ومنعهم من فهم واقعهم المادي.
ثالثاً: حدود العقل البشري (القصور الذاتي مقابل التوسع العلمي) وضع كانط سياجاً حول العقل، مدعياً أنه محدود بطبيعته ولا يمكنه تجاوز "الظواهر" المادية. بينما يرى التيار المادي أن العقل ليس قاصراً، بل هو أداة تتطور باستمرار مع الاكتشافات العلمية؛ فما كان يعتبره الأقدمون "سراً مقدساً" أو "ميتافيزيقياً"، أصبح اليوم حقائق فيزيائية وبيولوجية، مما يعني أن العقل لا يواجه "حدوداً" بل يواجه "مساحات لم تُكتشف بعد".
رابعاً: الموقف من القوى التقليدية (المهادنة مقابل المواجهة) اختار كانط طريق المهادنة والمساومة مع السلطة والدين، حيث فصل بين العلم والإيمان ليحمي كليهما من الآخر. أما الماديون والعدميون، فقد اختاروا المواجهة الصريحة؛ حيث سعوا لتقويض الأساطير التقليدية وهدم الحصون الميتافيزيقية، معتبرين أن الشجاعة الفلسفية تقتضي الاعتراف بأن الإنسان وحيد في كون مادي لا تحكمه إلا قوانين الطبيعة.
هل كان كانط "ضحية" عصره؟ الحقيقة أن القول بأن كانط "تحاشى" الحقيقة المادية يجد سنداً قوياً في تاريخ الفلسفة العلمية. ففي عصره، كانت الكنيسة والدولة يمثلان قوة باطشة (كما حدث مع محاكمة غاليليو سابقاً وتضييق الخناق على فلاسفة التنوير في فرنسا). لقد قدم كانط "خدمة" للعلم بترك المادة للفيزياء، لكنه قدم "خدمة" للسلطة بترك الروح للدين. هذا الفصل هو ما يراه الماديون المعاصرون "خيانة للعقل" الذي يجب أن يبسط سلطانه على كل شيء، معتبراً أن الجهل بالقوانين المادية هو المنبع الوحيد لكل ما هو ميتافيزيقي.
#كمال_غبريال (هاشتاغ)
Kamal_Ghobrial#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الخروج من زنزانة ابن رشد
-
مريم الإلهة الأم
-
رسالة يهوذا- جذوة الإقصاء والقسرية في المسيحية المبكرة
-
عيوب تصميم في الجسد الإنساني
-
الجذور الأسطورية لسيرة يسوع
-
يسوع بين الغنوصية والمأسسة
-
الرهبنة والغزو الغنوصي للمسيحية
-
مادورو: حين تسقط الحصانة أمام العدالة الجنائية الدولية
-
الأناجيل المرفوضة Apocrypha
-
اختيار الأناجيل الأربعة
-
الميثولوجيا بالكتاب المقدس
-
معجزات وقيامة يسوع- رؤية عقلانية
-
يسوع الأناجيل وانتحال النبوءات
-
شبح -المسيحية الصهيونية-
-
صديقي الجليل د. حسام بدراوي عفواً
-
المسيرة من الطوطمية إلى التوحيد
-
ولادة يسوع العذرية
-
شخصية وخطاب يسوع- رؤية تحليلية
-
يسوع بين التسامي والتطرف
-
الإله -يهوه- وجذوره التاريخية
المزيد.....
-
12 مدرسة مسيحية بالقدس تعلّق دوامها.. إليكم السبب
-
280 اقتحاما للأقصى ومنع الأذان 769 مرة بـ-الإبراهيمي- خلال 2
...
-
تحذيرات من تغلغل تنظيم الإخوان في الجامعات البريطانية
-
هكذا يواجه مركز السبيل بالقدس الفكر المسيحي الصهيوني
-
بمشاركة الأردن.. الولايات المتحدة تشن ضربات انتقامية جديدة ض
...
-
الجيش الأمريكي يعلن تنفيذ ضربات -واسعة النطاق- ضد تنظيم -الد
...
-
علم ما قبل الثورة الإسلامية يرفرف لدقائق على سفارة طهران في
...
-
عاجل: غارات جوية أمريكية على أهداف تابعة لتنظيم الدولة الإسل
...
-
1000 يوم من الحرب.. السودان ينزف والإخوان في مرمى الاتهام
-
أبرزها في الفاتيكان..كيف فشلت -مفاوضات دولية- لإنقاذ مادورو؟
...
المزيد.....
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|