أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - احمد صالح سلوم - الفقاعة الكبرى: تشريح جثة الإمبراطورية المالية الأمريكية قبيل انفجارها















المزيد.....


الفقاعة الكبرى: تشريح جثة الإمبراطورية المالية الأمريكية قبيل انفجارها


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 17:12
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


الساعة الرملية ونهاية العصر

تُقاس قيمة الأمم ليس بمعادنها ولا بثروات شعوبها، في دهاليز
وول ستريت المذهّبة، بل بذبذبات المؤشرات وأرقام تتدفق على شاشات خضراء، هناك تُسمع نُذُرٌ يرفض الكثيرون سماعها. إنها نُذُرُ نهاية دورة كبرى، دورة هيمنة مالية افتراضية بنيت على سراب التقييمات، ووعود التكنولوجيا، وحسابات وطنية مُضلِلة. الرأي الذي يطفو على سطح تويتر وغيره، والذي يلخصه تحليل نازاروف بالأرقام، ليس مجرد رأي، بل هو تشخيص لجسد اقتصادي يعاني من ورم سرطاني اسمه "الفقاعة". هذه المادة تسعى لتشريح هذا الجسد، واستعراض مقدمات الانفجار، ومشاهد ما بعده، وقراءة التداعيات الجيوسياسية الهائلة، في عصر يبدو أن بوصلة التاريخ تتجه نحو تحولات ضخمة.



الأرقام التي تصرخ: بين سوق الأوهام والناتج الوهمي

تشير الأرقام التي يستعرضها التحليل إلى مفارقة مذهلة: بين 2019 و2025، قفزت القيمة السوقية للدول المتقدمة (وأمريكا في قلبها) من 55 إلى 118 تريليون دولار، أي أنها أكثر من تضاعفت. وفي الفترة نفسها، نما الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي من 21.4 إلى 30.5 تريليون دولار، بنسبة أقل بكثير. هذا الفارق الهائل – 2.1 ضعف مقابل 1.4 ضعف – ليس مؤشر صحة، بل هو فجوة خطيرة بين "الاقتصاد الحقيقي" و"الاقتصاد الورقي" أو الافتراضي.

وهنا يكمن أحد أسرار الوهم الأمريكي: الاقتصاد الافتراضي. فكيف يمكن لدولة أن يتضاعف حجم سوقها المالي بهذا الشكل الفلكي، بينما نمو إنتاجها الحقيقي محدود؟ الجواب في التحول نحو "اقتصاد الخدمات" والقطاعات المالية والرقمية، حيث تسود القيمة الدفترية والتقييمات التقديرية التي لا ترتبط بالضرورة بإنتاج سلعة ملموسة أو طاقة مستهلكة. ما يجدر ذكره هنا ، إن استهلاك الكهرباء في الولايات المتحدة، وهو مؤشر تقليدي على النشاط الصناعي والإنتاجي، ظل ثابتاً تقريباً لعقود، بينما يتضخم الناتج المحلي الإجمالي باطراد. هذا التناقض يشير إلى أن جزءاً كبيراً من هذا النمو هو حصيلة محاسبية، ناتجة عن طرق حساب مبتكرة في قطاعات مثل التأمين، والرعاية الصحية، والتأجير، والخدمات المالية، والخدمات الرقمية، حيث يتم تضخيم القيمة المضافة افتراضياً.

فقاعة الذكاء الاصطناعي هي أحدث وأكبر تجليات هذا الوهم. إنها الفقاعة التي تضخمت حول وعود تحويلية لم تتحقق بعد على نطاق اقتصادي شامل. شركات بقيم تريليونية تقوم على توقعات إيرادات مستقبلية خيالية، واستثمارات هائلة تتدفق بحثاً عن "الجني الذكي" الذي سيطور كل شيء. هذا الحمى الاستثمارية، المشابهة لحمى الدوت كوم في مطلع الألفية، تخلق ثروات ورقية هائلة، تضاف إلى القيمة السوقية، ولكنها هشة وقابلة للتبخر عند أول صدمة لثقة المستثمرين أو عند انكشاف فجوة التوقعات عن الواقع.

ويُفاقم من خطورة هذا المشهد جبل الديون الأمريكي الهائل، الذي يقترب من 38 تريليون دولار ديوناً عامة، مع فائدة سنوية تبلغ حوالي 1.1 تريليون دولار. هذه الفاتورة الضخمة تلتهم جزءاً كبيراً من الميزانية الفيدرالية، وتجعل الاقتصاد رهينة لاستمرار التدفقات الرأسمالية العالمية وطباعة النقود (التيسير الكمي)، وتحد من قدرة الحكومة على المناورة في أوقات الأزمات. إنها حلقة مفرغة: الديون تحتاج إلى نمو لخدمتها، والنمو المعلن افتراضي وهش، مما يدفع لمزيد من الاقتراض والطباعة للحفاظ على الوهم.

مشهد الانفجار: يوم تنهار فيه القصور الورقية

لا مفر من قانون الجاذبية الاقتصادية. الفقاعة، بحكم تعريفها، تنفجر. والسؤال ليس "هل" بل "متى" و"كيف". الانفجار المرتقب لن يكون حدثاً واحداً في يوم واحد، بل هو عملية متدرجة قد تبدأ بهزة عنيفة في السوق المالي (مثل انهيار كبير لمؤشر S&P 500 أو Nasdaq يقوده قطاع التكنولوجيا)، تليها سلسلة من التداعيات:

1. ذعر السوق وتبخر الثروات الورقية: سيشهد العالم أكبر عملية محو للثروات في التاريخ. تريليونات الدولارات ستختفي من القيمة السوقية للشركات، خصوصاً التقنية منها. صناديق التحوط، صناديق المعاشات، المدخرون الأفراد – الجميع سيتأثر. الشعور بالثروة (Wealth Effect) الذي دعم الإنفاق الاستهلاكي الأمريكي لعقود سينقلب إلى شعور بالفقر، مما يخنق الطلب المحلي.
2. أزمة ائتمان وشيكات: البنوك والمؤسسات المالية، التي ارتبطت سلامة موازناتها بقيمة هذه الأصول المبالغ فيها، ستواجه أزمة سيولة وتهديداً بالإفلاس. سيتجمد الإقراض، مما يدفع الشركات الحقيقية (وليس الافتراضية) إلى الإغلاق وتسريح العمال، مما يغذي دوامة الركود.
3. كشف المستور: أزمة الديون السيادية: مع انهيار الإيرادات الضريبية (المرتبطة بالأرباح الوهمية والرواتب المرتفعة في القطاعات المنتفخة) وزيادة الإنفاق على الإعانات، سيتعذر على الحكومة الأمريكية خدمة ديونها الضخمة بسهولة. الحديث عن "التقصير السيادي" (Sovereign Default) سينتقل من هوامش الصحافة إلى صدر نشرات الأخبار. قيمة الدولار، القائمة على الثقة بقدرة أمريكا على السداد، ستتلقى ضربة قاصمة.
4. الشرخ الاجتماعي يتسع: ستظهر حقيقة الاقتصاد الأمريكي من وراء ستار الازدهار الوهمي: مجتمع منقسم بشدة، حيث تتركز معظم مكاسب العقد الماضي في قمة الهرم، بينما يعاني الطبقتان الوسطى والدنيا من ركود الأجور الحقيقي وارتفاع تكاليف المعيشة. الانهيار المالي سيكون الشرارة التي تُشعل غضباً اجتماعياً عارماً، قد يتخذ أشكالاً من الاحتجاجات الواسعة إلى أعمال شغب، في مشهد قد يفوق اضطرابات "احتلوا وول ستريت" و"احتجاجات جورج فلويد" من حيث الحدة والانتشار.

الهروب إلى الأمام: الحرب كخيار استراتيجي لمنع الانهيار الداخلي

في مثل هذه السيناريوهات التاريخية، تلجأ الإمبراطوريات المهددة إلى آلية كلاسيكية: الهروب إلى الأمام عبر الحرب. الحرب تخدم عدة أغراض في لحظة الانهيار الداخلي:

· تحويل الأنظار: تحويل غضب الجمهور من الأزمات الاقتصادية الداخلية إلى "عدو خارجي".
· إعادة تحفيز الاقتصاد: عبر الإنفاق العسكري الهائل، الذي يخلق وظائف ويحفز الصناعات (خاصة التقنية والعسكرية)، في محاولة يائسة لتعويض الركود في القطاعات المدنية.
· السيطرة على الموارد: في عالم ما بعد الانفجار، ستكون السيطرة على الموارد الاستراتيجية الحقيقية (طاقة، معادن نادرة، ممرات تجارية) أكثر أهمية من السيطرة على الخوادم السحابية. قد تشهد مناطق مثل فنزويلا (النفط) أو حتى مناطق مثل غرينلاند (الموارد المعدنية والموقع الجيواستراتيجي في القطب الشمالي) تصعيداً أمريكياً، إما عبر الضغط السياسي والاقتصادي المكثف، أو عبر خلق أزمات إقليمية تبرر التدخل.
· فرض الهيمنة مجدداً: عبر إظهار القوة العسكرية التي لا تزال أمريكا تمتلك تفوقاً فيها، لمحاولة إجبار العالم على الاستمرار في قبول الدولار والنظام المالي القائم.

دونالد ترامب، باعتباره شخصية تمثل نسخة من "البوبوليست القومي" الذي يعتمد على شعبية مباشرة ويتحدث بلغة "أمريكا أولاً" القاسية، قد يكون الأكثر ميلاً لتوظيف هذه الآلية بصراحة وشراسة. قد يرى في حرب محدودة لكنها صاخبة إعلامياً المنقذ لشعبيته وللاقتصاد، مستخدماً خطاباً عدوانياً ضد من يسميهم "المستفيدين من أمريكا". ولكن المجتمع الأمريكي في حالة انقسام حاد: بين عالمييي النخبة ومحليي القاعدة الجمهورية، بين التقدميين الشباب والمحافظين التقليديين، بين من يثقون في الدولة العميقة ومن يحاربونها. هذا الانقسام قد يعطل أي قرار حربي موحد، أو قد يحوله إلى حرب أهلية سياسية داخل مؤسسات الحكم نفسها.

زهران ميمداني: هل يكتب الشعب الأمريكي روايته البديلة؟

في خضم هذا المشهد الكابوسي من الانهيار الاقتصادي والانقسام الاجتماعي والانزياح نحو الحروب، يطفو اسم زهران ميمداني كرمز محتمل لبديل مختلف جذرياً. إنه ليس اسماً تقليدياً في المشهد السياسي الأمريكي، مما قد يعزز رصيده لدى الناخبين الغاضبين على المؤسسة. خطابه، إذا تبنى بشكل واضح وحاسم، يمكن أن يتمحور حول:

1. مواجهة سلطة رأس المال: بمعنى تحدي لوبيات النفط، والمجمع الصناعي العسكري، ووول ستريت – أي مراكز القوى التي، وفق الرأي المطروح، تتحكم في السياسة وتدفع نحو الحروب (كما في فنزويلا) والاستغلال (كما في موارد غرينلاند المحتملة).
2. رفض الاقتصاد الافتراضي: والدعوة إلى اقتصاد إنتاجي حقيقي، يعيد بناء الصناعة المحلية، ويستثمر في البنية التحتية المتهالكة، ويعطي أولوية للأمن الاقتصادي للأسرة الأمريكية العادية على أرباح الشركات العابرة للقارات.
3. العدالة الاجتماعية: معالجة الفجوة الهائلة بين الأغنياء والفقراء، والتي تفاقمت بسبب الفقاعات المالية.
4. سياسة خارجية جديدة: تقوم على التعاون الدولي، وعدم التدخل العسكري، وإعادة توجيه الموارد من الحروب الخارجية إلى إعادة الإعمار الداخلي.

فرصته مرهونة بعمق الأزمة. في الأوقات "العادية"، تصطدم مثل هذه الأجندة الراديكالية بجدار تمويل الحملات ونفوذ اللوبيات وقوة الإعلام المؤسسي. ولكن في لحظة الانهيار الكبير، حيث تنهار ثقة الشعب في جميع المؤسسات التقليدية (الجمهورية والديمقراطية على حد سواء)، قد يجد شخص مثل ميمداني – أو أي شخصية تحمل رسالة مماثلة – أذناً صاغية لدى قطاع عريض من الأمريكيين الذين خاب أملهم، والذين يبحثون عن "البديل الوحيد الذي يكتب به الشعب الأمريكي في مواجهة سلطة رأس المال"، كما ورد في السؤال.

لكن الطريق محفوف بالمخاطر: الإعلام سيهاجمه، وستُطلق عليه تهم التطرف، وقد تواجه حملته عراقيل قانونية وتمويلية هائلة. نجاحه سيعتمد على قدرته على تحويل الغضب الشعبي العفوي إلى حركة سياسية منظمة وقادرة على اختراق النظام الانتخابي المعقد.


في مهب الريح العاتي

الرأي الذي بدأنا به – رأي نازاروف والأصوات المشابهة على تويتر – ليس مجرد تنبؤ اقتصادي، بل هو إعلان عن نهاية حقبة. الحقبة التي ساد فيها الوهم على الحقيقة، والمال الورقي على الثروة الحقيقية، والتفوق المالي على القوة الإنتاجية.

الولايات المتحدة تقف على حافة بركان اقتصادي-اجتماعي. انفجار الفقاعة – فقاعة الذكاء الاصطناعي والديون والتقييمات الوهمية – سيُعيد رسم الخريطة الداخلية للسلطة والثروة، وسيهز عرش الدولار كعملة احتياط عالمية، وسيفتح الباب أمام تحولات جيوسياسية كبرى قد تشهد صعود كتل أخرى أو نظام عالمي متعدد الأقطاب بلا قائد وحيد مسيطر.

رد الفعل الأمريكي سيكون محكوماً بالصراع بين غريزتين: غريزة الهروب إلى الأمام عبر الحروب (التي قد يمثلها ترامب أو من يشبهه)، وغريزة الانكفاء والبناء الداخلي الثوري (التي قد يمثلها صوت مثل زهران ميمداني أو غيره). المجتمع المنقسم سيحسم هذه المعركة في الشوارع، وفي صناديق الاقتراع، وربما في مواجهات لا يمكن تصورها اليوم.

ما هو مؤكد أن العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة، مرحلة ما بعد الفقاعة الأمريكية الكبرى. والرياح العاتية التي بدأت تهب من وول ستريت ومن صفحات التحليلات الجريئة على تويتر، لن تقتلاع أوراق الأشجار فقط، بل قد تقتلع عروشاً وتقيم أخرى، في مشهد تاريخي مهيب ومرعب في آن واحد. الساعة الرملية للهيمنة المالية الأمريكية تقترب من نهايتها، والرمال تتساقط بسرعة.



….

المادة الساخرة :

(مادة صحفية ساخرة)

العنوان: "مناقشة جادة حول كيفية صنع أكبر فطيرة هواء في تاريخ البشرية (مقرها: واشنطن)"

مقدمة: بداية الحكاية... أو المهزلة
في عالمٍ نعيش فيه، حيث تُقاس قيمة الأمم بعدد الأصفار في حساباتها الوهمية، وتُقاس ثروة الشعوب بأرقام تظهر على شاشات خضراء ثم تختفي كما تختفي أحلام المدمنين على الكافيين الزائد، ها نحن نقدم لكم القصة الملحمية لـ"أعظم فقاعة في العصر الحديث". قصة لا تخلو من الإثارة، والكوميديا، والدموع... دموع الضحك المُر конечно.

---

المشهد الأول: الرقصة السحرية بين "القيمة السوقية" و"الواقع المُعاق"
تخيل معي، عزيزي القارئ، أنك تمتلك دجاجة. دجاجة عادية تبيض بيضة في اليوم. فجأة، يعلن أحد الخبراء الماليين أن قيمة دجاجتك قد ارتفعت من 100 دولار إلى 118 دولاراً! ليس لأنها بدأت تبيض بيضات من ذهب، بل لأن هناك "إمكانية" أن تتعلم الدجاجة الغناء مثل فيروز في المستقبل. هذه هي "فقاعة الذكاء الاصطناعي" باختصار. لقد حولت شركات لا تعرف بعضها كيف تربح دولاراً حقيقياً إلى عمالقة قيمتها تعادل اقتصادات دول كاملة، بناءً على وعد بأنها قد تخترع "مُساعداً ذكياً" يستطيع إصلاح مشاعرك وترتيب ثلاجتك في الوقت ذاته.

المضحك المبكي أن الناتج المحلي الأمريكي، ذلك الكائن الغامض، نما بشكل أقل بطئاً. كأن الاقتصاد الحقيقي يقول: "مهلاً، أنا هنا أُحاول إنتاج شيء ملموس!" بينما السوق المالي يصرخ: "لا وقت للتفاهات! نحن نبيع الأحلام هنا!".

حقيقة مُزعجة: يقولون إن استهلاك الكهرباء في أمريكا ثابت منذ عقود. هذا يعني ببساطة أننا نواجه معجزة: أمة تنتج ثروات هائلة من الفراغ، دون أن تستهلك طاقة إضافية! إنه "الاقتصاد الخارق" الذي يعمل على طاقة الأفكار الإيجابية والتقييمات المُبهجة. ربما يحتاج العالم أن يستورد من أمريكا "مُولدات طاقة وهمية" عوضاً عن النفط.


المشهد الثاني: الدَّيْن الوطني... ذلك الفيل في غرفة الانتخابات
تخيل أنك تستلف من جميع جيرانك، ومن البقال، ومن ساعي البريد، ثم تذهب وتستلف أكثر لتسدّد فوائد ما استلفته. ثم تبدأ بالتباهي بثروتك لأن قيمة "سندات وعودك بالسداد" ارتفعت في السوق! هذه هي أمريكا باختصار غير مؤلم.

دَين قومي بقيمة 38 تريليون دولار. الرقم كبير لدرجة أن كتابته تحتاج إلى استهلاك طاقة قد تزيد عن استهلاك ولاية صغيرة. والفائدة السنوية وحدها 1.1 تريليون دولار – وهو مبلغ يكفي لشراء كل البطاطس المقلية في العالم، أو لتمويل بعثة إلى المريخ للبحث عن ذهب افتراضي.

السؤال الكوميدي هو: متى يُعلن أن الدَّيْن نفسه أصبح أكبر من أن يفهمه عقل بشري، وبالتالي يصبح "شأناً فلسفياً" وليس اقتصادياً؟ ننتظر ذلك اليوم الذي يظهر فيه وزير الخزانة في مؤتمر صحفي ليقول: "الدَّيْن تجاوز مفهوم الأرقام. لقد أصبح كائناً مستقلاً. نحن نتفاوض الآن على معاهدة تعايش سلمي معه".


المشهد الثالث: انفجار الفقاعة... اللحظة التي سيتحول فيها "التفاؤل" إلى "نَفَص"
لن يكون الانفجار دراماتيكياً بصرخة واحدة. لا، سيكون كوميدياً سوداء على مراحل:

· المرحلة الأولى: "التعديل اللطيف للقيمة": يعلن خبير اقتصادي على قناة بلومبيرغ: "هذا ليس انهياراً، إنه فرصة لإعادة تسعير عقلانية للأصول". بينما المتداول الصغير في بيته يرى مدخراته تتحول من "دفعة أولى لبيت" إلى "دفعة أولى لدراجة هوائية".
· المرحلة الثانية: البحث عن كبش الفداء: سيظهر معلقون ليقولوا: "الذكاء الاصطناعي لم يكن المشكلة! المشكلة أن الروبوتات كانت تشتري الأسهم أيضاً وواجهت خللاً تقنياً!". أو "اكتشفنا أن جزءاً كبيراً من السوق كان يعمل على طاقة برمجية كتبها متدرب في عطلة نهاية الأسبوع".
· المرحلة الثالثة: الاجتماعات الطارئة: اجتماعات في البنك الفيدرالي حيث يتجادلون: "هل نطبع المزيد من النقود؟ أم نطلق سراحاً وهمياً لأرقام اقتصادية جديدة أكثر إيجابية؟ أم نعلن اكتشاف جزيرة غنية بالذهب الافتراضي قرب هاواي؟".


المشهد الرابع: الهروب إلى الأمام... أو إلى الحرب!
عندما تصل الأمور إلى الحافة، تظهر الخطة الكلاسيكية: لا يمكنك إقناع الشعب بأن الاقتصاد بخير؟ قدِّم له عدوَّاً!

· سيناريو ترامب المُحتمل: مؤتمر صحفي: "هذا الانهيار ليس انهياراً! إنه خدعة من الصين! ومن فنزويلا! وحتى من جرينلاند! نعم، جرينلاند تخطط للسيطرة على اقتصادنا بثلوجها الذكية! سنرد بقوة! وسيكون الرد تجارياً... وعسكرياً... وتغريدياً! وسنبني فقاعة جديدة، فقاعة الفخر الوطني، وأنا سأكون رئيسها التنفيذي!".
· رد فعل المجتمع المنقسم: نصف الشعب يقول: "نعم! الحرب هي الحل!". النصف الآخر يقول: "أي حرب؟ نحن لا نملك حتى مالاً لتمويل بطاقات Netflix الخاصة بنا!". والجميع يتفق على شيء واحد: صعوبة نطق اسم "جرينلاند" بشكل صحيح في لحظة غضب وطنية.


المشهد الخامس: البطل المُنتظر: زهران ميمداني وسباق الرئاسة
وفي خضم هذه الكارثة الكوميدية، يظهر اسم "زهران ميمداني" كبطل غير متوقع. برنامجه الانتخابي المبسط:

1. الاقتصاد: "كفى وعداً! سننتقل من اقتصاد الوعد بتطبيق إلى اقتصاد السلعة التي يمكنك لمسها . من يريد أن يستثمر معنا؟".
2. السياسة الخارجية: "لن نحرر فنزويلا من نفطها، ولن نحرر جرينلاند من ثلوجها. لندعهم وشأنهم، ولنحرر أنفسنا أولاً من وهم أننا شرطي العالم".
3. مواجهة اللوبيات: "أعدكم: لن تكون أولوية رئاستي إرضاء لوبي النفط أو التكنولوجيا أو صناعة الأسلحة. أولويتي ستكون إرضاء لوبي... الناخبين. فكرة ثورية، أعرف!".

تحدياته الكوميدية: كيف سيجمع التبرعات؟ من سيموله؟ ربما يعتمد على تبرعات صغيرة من مواطنين يقولون: "خذ دولاري هذا، على الأقل ستضيع في مشروع مضحك بدلاً من أن تضيع في فقاعة أخرى!". هل ستقبله وسائل الإعلام؟ قد يظهر على شاشة CNN تحت عنوان: "ظاهرة غريبة: مرشح يتكلم بلغة مفهومة!".


نهاية سعيدة... أو على الأقل، نهاية مُضحكة
الخلاصة، أيها السيدات والسادة، هي أننا نشاهد مسرحية ضخمة عنوانها "إمبراطورية الهواء الساخن". الممثلون يبذلون جهداً، والديكورات مُذهلة، والحوار مليء بالمصطلحات البراقة. ولكن الجميع يعلم أن الستارة في النهاية ستسقط، لتكشف أن الملك عارٍ... بل وأكثر من عارٍ، فهو مثقل بديون حتى أذنيه.

السؤال الحقيقي هو: عندما تنفجر الفقاعة، هل سنبكي؟ أم سنضحك من عبثية كل ما حدث؟ أم سنضحك لأن البكاء لن يجدي نفعاً؟

الأمر المؤكد أن كتاب التاريخ في المستقبل، عندما يصلون إلى هذا الفصل، سيكتبون في الهامش: "ملاحظة: لقد حذرتهم نكات تويتر، ولكنهم لم يأخذوها على محمل الجد. وكانت تلك غلطتهم الفادحة."

فالضحك، في النهاية، قد يكون آخر ملاذ للعقلاء في زمن الجنون.
.......
قسم دراسات سمير امين في بيت الثقافة البلجيكي العربي ـ لييج ـ بلجيكا



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التفجير الاحتفالي: دراسة في سيناريوهات الرد الروسي على سياسا ...
- أكراد سوريا وحبال الدمى المقطوعة – من الرهان على الصهيونية إ ...
- إيران في العاصفة: بين حصار المركز وعبء الأطراف.. معضلة الانف ...
- شرايين الهيمنة ونزيفها: قراءة في تشظي النظام العالمي وصعود ا ...
- أعاصير المركز: كيف تهز روسيا عرش العالم القديم؟..كتيب
- تشريح لحظة الانهيار النظامي الأمريكي ..من غزة إلى فنزويلا
- البلطجة الاستعمارية الحديثة: العودة الوحشية للقرصنة السياسية
- اليمن: عُقَد الجبال المُتفجِّرة.. حين تتحوَّل التحالفات إلى ...
- تقلّب موازين القوّة: الحروب الجديدة والأسلحة الكاسرة ومصير ا ...
- من الكساد إلى الدمار: دورة لا تنتهي
- سوريا -الجولاني-... الحلقة الأخيرة في مسرحية التقسيم وثمن ال ...
- ترامب يعترف بالجولان وماسك بالاستبدال: مهرجان النفاق الاستعم ...
- مقالات عن الذهب واحتمالات الشيوعية في الغرب و و...
- لماذا تستمر بروكسل في حرب خاسرة؟
- اليمن كقلب العالم الجديد - إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية
- رواية : الرحلة المقطوعة
- في حضرة الضوء: الصين تعيد كتابة قوانين الحوسبة والقوة
- رواية - من طيرة اللوز إلى الراين - أو - ظلال الكرمل -
- نهاية الإمبراطورية الرقمية: كيف خسرت أمريكا سباق الرقائق أما ...
- دراسة أدبية نقدية معمقة لرواية -دمية بعين واحدة- لأحمد صالح ...


المزيد.....




- البنتاغون استخدم طائرة عسكرية مموهة بهجوم على قارب مخدرات
- حكام إيران يواجهون أكبر تحد منذ ثورة عام 1979
- مقتل 7 من الشرطة الباكستانية بانفجار عبوة ناسفة
- أكسيوس: ما تجب معرفته عن خيارات التدخل الأميركي المحتمل بإير ...
- -جنون تام-.. كيف تصطدم أحلام ترامب بشأن -كنوز- غرينلاند بالو ...
- كيف سيواجه النظام الإيراني الاحتجاجات بعد تهديدات ترامب؟.. خ ...
- مظاهرات مؤيدة للحكومة في ظل تواصل الاحتجاجات في إيران
- هجوم للدعم السريع يخلف 27 قتيلا بسنار شرقي السودان
- خيارات -عسكرية- جديدة لضرب إيران على طاولة ترامب
- مفاجأة.. روسيا قد تضم غرينلاند -إذا تأخر ترامب-


المزيد.....

- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب
- الكتاب السادس _ المخطوط الكامل ( جاهز للنشر ) / حسين عجيب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - احمد صالح سلوم - الفقاعة الكبرى: تشريح جثة الإمبراطورية المالية الأمريكية قبيل انفجارها