أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - العنف بوصفه بديل الدولة في المجتمعات التي فشلت في احتكار الحياة















المزيد.....

العنف بوصفه بديل الدولة في المجتمعات التي فشلت في احتكار الحياة


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 10:07
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


مقدمة: حين لا يكون العنف انحرافًا

يُقدَّم العنف في الخطاب السياسي والأخلاقي السائد بوصفه خللًا، أو انحرافًا عن النظام، أو نتيجة مباشرة لغياب القانون وتفكك الضبط المؤسسي. ويستند هذا التوصيف، في عمقه، إلى افتراضٍ غير مُعلن مفاده أن الدولة قائمة أصلًا بوصفها كيانًا مكتمل الشروط، يحتكر العنف ويضبط شروط استخدامه ويحوّله إلى أداة قانونية محصورة. غير أن هذا الافتراض ذاته يصبح موضع سؤال حين ننتقل إلى مجتمعات لم تعرف، تاريخيًا أو فعليًا، دولة تحتكر الحياة قبل أن تحتكر العنف.

لكن ماذا لو كان العنف نتاجًا مباشرًا لفشل الدولة، لا خروجًا عليها؟ وماذا لو كان العنف، في بعض المجتمعات، لا يمثّل نقيض الدولة ولا انحرافًا عنها، بل بديلها العملي واليومي؟ هنا لا يعود العنف حدثًا استثنائيًا أو حالة طارئة، بل يتحول إلى بنية تنظّم العلاقات، وتملأ فراغًا تركه غياب الدولة بوصفها منظمًا عامًا للحياة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية صادمة في بساطتها وقاسية في دلالاتها: حين تفشل الدولة في احتكار تنظيم العمل والحماية، يتحول العنف إلى لغة اجتماعية تنظّم ما عجزت الدولة عن تنظيمه، ويغدو أداة عقلانية داخل منطق البقاء لا انفجارًا أعمى خارج العقل.

أولًا: احتكار العنف ليس مسألة أمنية

لا يُفهم احتكار الدولة للعنف، نظريًا، بوصفه مسألة شرطية أو عسكرية فحسب، ولا باعتباره قدرة تقنية على القمع أو الردع. إن احتكار العنف، في جوهره، هو احتكار لتنظيم الحياة نفسها، أي القدرة على ضبط شروط العيش والعمل والتوزيع والانتماء. فالدولة لا تحتكر العنف لأنها تمتلك السلاح فقط، بل لأنها تنجح في تحويل العنف إلى آخر الحلول بعد أن تكون قد نظّمت ما يسبق العنف.

فالدولة لا تحتكر العنف إلا لأنها تنظّم العمل بوصفه مصدر الدخل والكرامة، وتضمن الدخل بما يكسر منطق الاحتراب على الموارد، وتربط الفرد بالقانون بدل ربطه بالجماعة الأولية، وتستبدل منطق الحماية الخاصة بمنطق الحماية العامة. حين تغيب هذه الشروط، يصبح احتكار العنف مستحيلًا عمليًا، مهما تضخّم الجهاز الأمني وتكاثرت مؤسساته.

العنف، في هذه الحالة، لا يظهر لأن الدولة ضعيفة أمنيًا، بل لأنها غائبة اجتماعيًا. فالدولة التي تفشل في تنظيم شروط الحياة اليومية، لا تستطيع إقناع الأفراد بالتخلي عن أدوات العنف، لأن العنف يصبح حينها شرطًا للبقاء لا أداة للتمرد.

ثانيًا: من العنف الفوضوي إلى العنف الوظيفي

في المجتمعات المنقسمة إنتاجيًا، حيث يغيب الاقتصاد المنظَّم وتتفتت شروط العمل، لا يكون العنف عشوائيًا كما يُصوَّر عادة. بل يتحول تدريجيًا إلى عنف وظيفي يؤدي أدوارًا محددة داخل بنية اجتماعية مأزومة. فهو يحمي مصادر العيش حين تغيب الحماية العامة، ويفرض التوزيع حين يفشل السوق والدولة، ويؤمّن الانتماء حين تتلاشى رابطة المواطنة، ويفضّ النزاعات خارج القانون حين يصبح القانون غائبًا أو منحازًا.

العشيرة، أو الطائفة، أو الجماعة المسلحة، لا تستخدم العنف بوصفه تعبيرًا عن “بدائية” أو ارتدادًا إلى ما قبل الدولة، بل بوصفه أداة تنظيم بديلة داخل فراغ مؤسسي. العنف هنا ليس نقيض التنظيم، بل شكله المتاح. ومن ثمّ، يصبح العنف شكلًا من أشكال السياسة حين تغيب السياسة بوصفها إدارة عامة للإنتاج والموارد، ويغدو وسيلة عقلانية لإدارة الندرة لا انفلاتًا أخلاقيًا بلا معنى.

ثالثًا: العنف كلغة تفاوض داخل الدولة المزدوجة

في ظل ما يمكن تسميته بالدولة المزدوجة، لا يُمارس العنف ضد الدولة فقط، بل معها وفي داخلها. فالدولة الرسمية، بدل أن تنهي العنف، تدخل في تفاوض دائم معه: تساوم الجماعات المسلحة، تستوعبها داخل مؤسساتها، أو توزّع الريع عليها مقابل الولاء أو الصمت. وبهذا، لا يعود العنف فعل تمرّد يهدف إلى إسقاط الدولة، بل وسيلة تفاوض على الحصة والشرعية والمكان داخلها.

العنف، في هذا السياق، لا يسعى إلى تدمير الدولة، بل إلى إعادة توزيع سلطتها ومواردها. إنه لغة تفاوض خشنة داخل نظام عاجز عن إنتاج الشرعية عبر العمل والقانون، فيتحول العنف إلى أداة اعتراف متبادل بين دولة لا تحتكر الحياة وجماعات لا ترى بديلًا عن السلاح.

رابعًا: لماذا تفشل أخلاقيات “نبذ العنف”؟

تفشل خطابات نبذ العنف لأنها تخاطب النتيجة وتتجاهل السبب. فهي تتعامل مع العنف بوصفه خيارًا أخلاقيًا سيئًا يمكن العدول عنه بالموعظة، لا بوصفه ضرورة اجتماعية نشأت عن اختلال بنيوي. لا يمكن نزع سلاح مجتمع لا تضمن له الدولة العمل، ولا الحماية، ولا العدالة، ولا أفق العيش الكريم.

العنف لا يُلغى بالوعظ ولا بالشعارات، بل بإلغاء ضرورته الاجتماعية. وما دامت شروط الحياة تُدار بالعنف، فإن الدعوة إلى نبذه تبقى خطابًا معلقًا في الهواء، عاجزًا عن لمس الواقع الذي يُنتجه.

خامسًا: العنف والهوية: علاقة تبادلية لا سببية

لا يولد العنف من الهوية بوصفها معطًى ثقافيًا ثابتًا، بل تُنتج الهويةُ العنفَ حين تتحول إلى إطار حماية أو شرط بقاء. فالهوية، في سياق انهيار الدولة، تصبح بديلًا عن المواطنة، وتتحول من سردية رمزية إلى بنية مادية للدفاع والعيش.

وفي المقابل، يعيد العنف إنتاج الهوية بوصفها رابطة مصير، ويعمّق حدودها ويشدّد نقاءها. وهكذا، تدخل المجتمعات في حلقة مغلقة: عنف يُنتج هوية، وهوية تُبرّر العنف، في دورة لا تنكسر بخطاب ثقافي أو دعوة أخلاقية، بل بتفكيك الشروط المادية التي تجعل العنف ضرورة والهوية سلاحًا.

سادسًا: تعميم النموذج

يمكن رصد هذا النمط في المجتمعات الريعية التي فشلت في بناء اقتصاد منتج، وفي الدول ما بعد الاستعمار التي ورثت جهاز دولة بلا قاعدة اجتماعية، وفي الكيانات التي لم تنجح في ربط العمل بالحماية والحقوق. في هذه السياقات، لا يعود السؤال: لماذا ينتشر العنف؟ بل يصبح السؤال الأعمق: لماذا لا ينهار المجتمع رغم غياب الدولة؟

والجواب الصادم هو أن العنف ملأ الفراغ. لقد قام بوظائف الدولة الغائبة، ومنع الانهيار الكامل، ولو بثمن باهظ.

خاتمة: العنف ليس نقيض الدولة، بل ظلّها

في المجتمعات التي فشلت فيها الدولة في تنظيم الحياة، لا يكون العنف نقيضًا للنظام، بل شكله الآخر. ولا يكون خللًا أخلاقيًا طارئًا، بل حلًا اجتماعيًا مؤقتًا نشأ عن الضرورة. غير أن هذا الحل، مهما بدا وظيفيًا، يظل مكلفًا، ومدمّرًا، وغير قابل للتحول إلى دولة.

ومن هنا، لا يكمن التحدي الحقيقي في القضاء على العنف بوصفه ظاهرة معزولة، بل في استعادة السياسة من قبضته. واستعادة السياسة لا تتم إلا بإعادة بناء الدولة بوصفها منظِّمًا للعمل، وضامنًا للعيش، ومحتكرًا مشروعًا للعنف لأنه احتكر أولًا الحياة. إلى أن يحدث ذلك، سيبقى العنف يمارس وظيفة الدولة، لا لأنه يريد، بل لأن لا أحد غيره يقوم بها.



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفريغ مخيم الهول: من إدارة الفوضى إلى لحظة الانكشاف
- الدولة المزدوجة: حين تفشل الدولة في توحيد نمط الإنتاج
- الاختلافات الشعبية بوصفها نتاجًا لاختلاف أنماط الإنتاج دراسة ...
- نمط الإنتاج بوصفه أصل القطيعة قراءة ماركسية في الانقسام الشع ...
- ترامب و«المتظاهرون السنّة»: كيف يتحول خطاب الحماية إلى أداة ...
- ترامب، وأداء الحليف للنظام الإيراني
- إقليم البصرة: حين تتحول المطالب الاجتماعية إلى إدارة للانهيا ...
- ما هي فصائل الفراغ؟ تفكيك السلاح بلا مشروع في غزة
- غزة بعد تسليم الرهائن: توازنات هشة ومصير غامض
- حين يختزل الإعلام الجغرافيا: هل قصفت واشنطن داعش في نيجيريا؟
- غزة بين الفراغ الأمني واقتصاد الغاز: قراءة في منطق الثروة ال ...
- قطر وفصائل الفراغ: الفوضى كسلاح إقليمي ضد الخليج
- السلطة الفلسطينية والخليج: من صراع الشرعية إلى تقاسم غزة الض ...
- مصالح الدول في حماس: من أداة توازن قبل طوفان الأقصى إلى عنصر ...
- إعادة تدوير حماس: من مشروع التصفية إلى استراتيجية الاستيعاب
- إسقاط النظام السابق في العراق: ذروة الهيمنة الأميركية… ومنح ...
- العراق بين الكاتونات الإقليمية وجزر الفراغ السيادي: في الجغر ...
- الاستراتيجية الأمريكية: نزع الولاء لإيران، لا نزع سلاح الفصا ...
- لا تحوّل استراتيجي في إيران: تكتيكات تعبويّة لا أكثر
- بريطانيا: ملاذ الإخوان وسط تباين غربي يهدد التحالف الأنجلو-أ ...


المزيد.....




- ولي عهد إيران السابق يخاطب المتظاهرين بعد ليلة السبت و-إضعاف ...
- إيران.. روايات مروعة لمتظاهرين عن تكدس جثث بمستشفيات وسط الم ...
- فيديو متداول لـ-حرق متظاهرين ضريح الخميني في طهران-.. ما حقي ...
- إيران تعتقل العشرات من -قادة- الاحتجاجات وأميركا وأوروبا تدع ...
- كيف يمهد العالم الطريق لارتكاب إبادة جماعية جديدة ضد الفلسطي ...
- نقل مقاتلين أكراد من حيّ الشيخ مقصود في حلب.. وبراك يدعو دمش ...
- رؤيتنا: مواجهة العدوان الامبريالي على فنزويلا.. واجب كل الثو ...
- عمال “السكر” يضربون للمطالبة بصرف الأرباح
- المحرر السياسي لطريق الشعب: تحديات راهنة أمام القوى المتطلعة ...
- سوريا: نقل مقاتلين أكراد من حي الشيخ مقصود في حلب


المزيد.....

- الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو / غابرييل هيتلاند
- فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم ... / مايكل جون-هوبكنز
- نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و ... / شادي الشماوي
- روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية / إلين آغرسكوف
- بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي ... / رزكار عقراوي
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ... / رياض الشرايطي
- التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع ... / شادي الشماوي
- الإقتصاد في النفقات مبدأ هام في الإقتصاد الإشتراكيّ – الفصل ... / شادي الشماوي
- الاقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط – الفصل السادس من كتاب - الإ ... / شادي الشماوي
- في تطوير الإقتصاد الوطنيّ يجب أن نعوّل على الفلاحة كأساس و ا ... / شادي الشماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - العنف بوصفه بديل الدولة في المجتمعات التي فشلت في احتكار الحياة