أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعد كموني - الكوثر والانقطاع/ قراءة في حركة العطاء والمعنى















المزيد.....

الكوثر والانقطاع/ قراءة في حركة العطاء والمعنى


سعد كموني
كاتب وباحث

(Saad Kammouni)


الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 02:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ (٣) ﴾
سورة الكوثر، على الرغم من قصرها اللافت، تمثل نصًّا قرآنيًا ذا كثافة فائقة في البناء والدلالة، يفرض على القارئ إدراك بنية العطاء والعبادة والخصومة والانقطاع من منظور معمّق يتجاوز التفسير الجزئي لدلالات الكلمات.
الكوثر، كما تفيد الاشتقاقات اللغوية في المعاجم العربية الكلاسيكية، صيغة مبالغة على وزن "فوعل"، تُستعمل للدلالة على الفيض الذي يتجاوز الحدّ المعتاد، ويتعالى على كل ضبط عددي أو حصر كمّي. فالكثرة هنا غير قابلة للإحصاء، بل زيادة تتجاوز معيار الكمّ إلى أفق الامتداد والدوام. وقد نصّت المعاجم الكبرى، من لسان العرب إلى تاج العروس، على أن الكثرة قد تنصرف إلى العدد، كما قد تنصرف إلى الزيادة والنفع والخير، وهو ما يحرّر اللفظ من أسر الدلالة المادية الضيقة، ويمنحه قابلية الاشتمال على معانٍ معنوية وقيمية. بهذا المعنى، لا يُفهم الكوثر بوصفه "شيئًا" يُمتلك، بل بوصفه أسلوبًا في العطاء، يقوم بالاستمرارية والتكاثر والتجاوز، ويقاوم بطبيعته الانحصار في الاستخدام الفردي أو منطق الاحتكار. إنه عطاء لا ينقص بالبذل، ولا يُستنفد بالتداول، بل يتعاظم كلما خرج من دائرة الامتلاك إلى أفق المشاركة، ممثلًا بذلك انقلابًا جذريًا على منطق التراكم المادي، لصالح منطق الفيض القيمي الذي يعيد تعريف معنى الغنى والفضل في الوعي الإنساني.
وفي هذا الإطار تأتي استجابة النبي ﷺ في الصلاة والنحر استجابةً منسجمة مع منطق الكوثر، أكثر منها أداءً شعائريًا منفصلًا عن دلالته؛ فالصلاة تمثّل فعل استيعاب داخلي للفيض، واعتمالًا في الصدر يوسّع الوعي بقدر ما اتّسع العطاء، حتى لا يتحوّل الامتلاء إلى غلبة أو ادّعاء. أما النحر، فلا يُفهم هنا على أنه ذبحٌ أو إراقة، بل فعل توجيه للامتلاء نحو الخارج، ووضعٌ للعطاء في موضعه الصحيح. إن "انحر" فعل يقطع مع منطق الاكتناز، لا مع الحياة، ويؤسّس لحركة إخراج لا إتلاف، وبذل لا إعدام، وتحرير لا إراقة دماء. هو انتقال بالعطاء من مستوى التملّك الصامت إلى مستوى الإعلان القيمي، حيث يصبح الامتلاء مسؤولية، وإن كانت في جانبٍ منها امتيازًا. وبهذا التلازم بين الصلاة والنحر، يتشكّل نموذج تعبّدي لا يكدّس المعنى في الداخل ولا يفرغه بعنف، بل يوازن بين الكوثر/ الفيض/الاتّساع والتصريف، ويحوّل التجربة الدينية إلى فعل حضاري قائم على الفهم العميق لدينامية العطاء، لا على الحركية الطقوسية المجردة؛ فالنحر، في هذا السياق، ليس ذبحًا ماديًا، بل تصريفٌ واعٍ للفيض يمنع انحباس العطاء في الذات.
وفي المقابل، يظهر النص القرآني البعد المعرفي للخصومة من خلال الشنآن. فالشانئ ليس مجرد شخص يبغض أو يكره، بل نموذج إنساني يرفض منطق الفيض ذاته، يرفض أن يكون الامتداد بالمعنى والقيمة، ويتمسك بمعايير الامتداد القديمة، كالسلطة أو النسب أو القوة، أو المال، ويحوّل بذلك كراهيته إلى موقف حضاري قائم على رفض المعنى، ومن هذا الرفض نفهم صفة الأبتر، التي قلبت في السورة مفهومَ الانقطاع من كونه مسألة نسَبية أو بيولوجية إلى كونه حالة حضارية؛ فالأبتر هو من انقطع عن الكوثر، عن منطق الفيض المعرفي والقيمي، وليس من انقطع نسله فقط. هذا التحول يعكس رؤية قرآنية عميقة تربط البقاء الحضاري والإنساني بالقدرة على استقبال الفيض وإعادة إنتاج المعنى، وتضع معيارًا صارمًا للانقطاع لا يستند إلى القوة أو العدد، بل إلى القدرة على استيعاب المعنى والانفتاح على القيم.
وعند مقارنة هذه القراءة بما ورد في التفاسير الكلاسيكية، يظهر أن الطبري والرازي وابن عاشور انشغلوا غالبًا بتحديد دلالات الكوثر وتعيين المخاطَب بالشنآن، وهو اهتمام مشروع ضمن سياقهم المعرفي، لكنه يظل جزئيًا أمام البنية النصية الكاملة التي تكشف عن آلية عمل النص دلاليًا.
إن نقل السؤال التأويلي من مستوى: "ماذا يعني اللفظ"؟ إلى مستوى أعمق هو" كيف يعمل النص"؟، لا يمثل تغييرًا في زاوية القراءة فحسْب، بل يمثل تحوّلًا منهجيًا في فهم الخطاب القرآني ذاته؛ فالسؤال الأول يحصر الدلالة في حدود المعجم والإحالة المباشرة، ويُنتج فهمًا ساكنًا للفظ، بينما السؤال الثاني يتجه إلى رصد آليات الاشتغال الداخلي للنص: علاقات الألفاظ، وتوتراتها، وتوزيع الأفعال، وحركية المعنى عبر السياق. بهذا المعنى، لا يُقرأ النص بوصفه خزان معانٍ جاهزة، بل بوصفه بنية فاعلة تُنشئ دلالتها عبر ما تربطه وما تفصله، وما تُنمّيه وما تقطعه.
في ضوء هذا التحول المنهجي، يتجاوز الكوثر كونه "اسمًا" لنعمة مخصوصة، ليغدو قانونًا داخليًا للامتداد الحضاري، يقوم على منطق الفيض المتجدّد لا على التراكم المنغلق. فالنص لا يكتفي بإخبار المتلقي عن العطاء، بل يُدرّبه على آليته: الامتداد مقابل الانقطاع، الاتساع مقابل البتر، التداول مقابل الاحتكار. ومن هنا يصبح الفيض معيار البقاء والاستمرار، لأنه يوسّع دائرة الفعل والمعنى، في حين يتحول الشنآن ــــــ بوصفه حالة انغلاق وعداء واختزال ــــــ إلى معيار للبتر، لا بمعناه الأخلاقي فقط، بل بوصفه قانونًا نصّيًا يقطع الامتداد ويُقصي صاحبه من أفق الفاعلية التاريخية.
هكذا يعمل النص القرآني: لا يقرر مصيرًا بقدر ما يكشف قانونًا، ولا يُصدر حكمًا معزولًا بقدر ما يضع منطقًا للاشتغال الحضاري، حيث يُقاس البقاء بقدرة الجماعة على إنتاج الفيض المعرفي والقيميّ، لا بتكديس القوة، ويُقاس الأفول بقدر ما يستحكم الشنآن في الوعي والسلوك. وبهذا يتحول فهم الكوثر من دلالة لغوية إلى مبدأ حاكم، ومن نعمة معطاة إلى آلية اشتغال، تفسّر الامتداد كما تفسّر الانقطاع، وتكشف أن النص لا يصف الواقع فحسب، بل يصنع شروطه.
ويعزّز هذا المعنى ما أفرزته المقاربات الحضارية الحديثة لسؤال القيمة والمعنى، حيث تتقاطع بعض أطروحات الفكر المعاصر مع منطق السورة من غير أن تحلّ محلّه أو تدّعي تجاوزه. فحين يلفت محمد أركون، في سياق نقده للعقل الإسلامي، إلى مخاطر تجميد المعنى وتحويله إلى معطى مغلق، أو حين يبيّن محمد عابد الجابري، في تحليله لتكوين العقل العربي، أثر الانغلاق البنيوي في تعطيل الفاعلية الحضارية، فإن هذه الإشارات ــــــ على اختلاف منطلقاتها ــــــ تتجاوب مع قانون قرآني أعمق لا يُختزل في مدرسة فكرية ولا في لحظة تاريخية. فالحضارات التي تعادي المعنى، أو تضيق بأفقه، أو تنغلق على ذاتها باسم الاكتفاء أو الغلبة، إنما تضع نفسها في مسار الانقطاع، مهما امتلكت من مظاهر القوة أو التقدم الظاهري.
لا يقدّم هذا الفهم قراءة بديلة عن النص، ولا يسعى إلى إخضاعه لإسقاطات معاصرة قسرية، بل يكشف عن قابليته الداخلية للتفاعل مع أسئلة الإنسان المتجددة. ومن هنا، تغدو سورة الكوثر نصًا مكثفًا جمع بين دقة التعبير اللغوي، وعمق الرؤية الوجودية، واتساع الأفق الحضاري، في صياغة واحدة منضبطة، تُعيد تعريف العطاء والعبادة والخصومة والمصير ضمن قانون ثابت لا يتبدّل بتبدّل السياقات: فحيث يكون الامتداد بالمعنى يكون الكوثر، وحيث يُخاصم المعنى أو يُحبس، يكون البتر. وبهذا يظل النص المؤسِّس مرجعًا هاديًا، لا موضوعًا للتجاوز، ومصدرًا للمعنى، لا مادةً للاستهلاك التأويلي العابر.
إن قراءة الكوثر في هذا الإطار، بعيدًا من التفسير الجزئي أو الانطباعي، تسمح بإدراك أن الفيض ليس مجرد زيادة عددية أو امتداد مادي، وأن العبادة الحقيقية ليست أداءً شكليًا، بل استجابة وجودية للمعنى، وأن الخصومة الأخلاقية والمعرفية تحدد الانقطاع الحقيقي، ما يجعل السورة دليلًا على أن النص القرآني، حتى في أقصر صوره، يتيح للقراءة أن تكون حضارية متكاملة تجمع بين اللغة والدلالة والفكر، وتعيد تعريف المعايير التي تحدد البقاء والبتر، والفهم والجهل، والانفتاح والانغلاق، في حياة الإنسان والمجتمع والحضارة.



#سعد_كموني (هاشتاغ)       Saad_Kammouni#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخطاب الغيبي المعاصر
- معنى الصلاة في قوله تعالى ( ما سلككم في سقَر)
- أزمة الوعي في زمن الهوية مقاربة تفكيكية
- امتحان الأخلاق بعد تحقق القوة
- صلاة الاستسقاء نقد الفكر التقليدي ومسؤولية العقل
- هل سبيل الله طريق نمشي إليه أم معنى نمشي به/ إطار مفاهيمي لل ...
- هل سبيل الله طريق نمشي إليه أم معنى نمشي به؟ من الطريق إلى ا ...
- البنية الدلالية للقدرة والابتلاء
- المنبر بين التلقين والتنوير
- النهضة الممكنة
- دينٌ بلا وصاية ، وعي بلا خوف
- أزمة الوعظ في المجتمعات العربية المعاصرة
- الرحمة مبدأ كوني شامل /قراءة أسلوبية دلالية ومقاصدية في الآي ...
- طمأنينة التفكيك الكاذبة
- الإهلاك الإلهي ناموس غير اعتباطي
- ذنوب الذين كفروا وإهلاكهم
- آللهُ يهلكنا!؟
- الأسلوب ما يجب أن يتغير راهناً
- لا شيء يستدعي الثقة
- نحن فاعل هلاكنا


المزيد.....




- 12 مدرسة مسيحية بالقدس تعلّق دوامها.. إليكم السبب
- 280 اقتحاما للأقصى ومنع الأذان 769 مرة بـ-الإبراهيمي- خلال 2 ...
- تحذيرات من تغلغل تنظيم الإخوان في الجامعات البريطانية
- هكذا يواجه مركز السبيل بالقدس الفكر المسيحي الصهيوني
- بمشاركة الأردن.. الولايات المتحدة تشن ضربات انتقامية جديدة ض ...
- الجيش الأمريكي يعلن تنفيذ ضربات -واسعة النطاق- ضد تنظيم -الد ...
- علم ما قبل الثورة الإسلامية يرفرف لدقائق على سفارة طهران في ...
- عاجل: غارات جوية أمريكية على أهداف تابعة لتنظيم الدولة الإسل ...
- 1000 يوم من الحرب.. السودان ينزف والإخوان في مرمى الاتهام
- أبرزها في الفاتيكان..كيف فشلت -مفاوضات دولية- لإنقاذ مادورو؟ ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعد كموني - الكوثر والانقطاع/ قراءة في حركة العطاء والمعنى