أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - الاختلافات الشعبية بوصفها نتاجًا لاختلاف أنماط الإنتاج دراسة في البنية المادية للصراع الاجتماعي ووهم الهوية















المزيد.....

الاختلافات الشعبية بوصفها نتاجًا لاختلاف أنماط الإنتاج دراسة في البنية المادية للصراع الاجتماعي ووهم الهوية


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 13:28
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


مقدمة: من سؤال الهوية إلى سؤال القاعدة المادية
تُختزل معظم الصراعات الداخلية في المجتمعات المعاصرة في خطابٍ ثقافويّ يردّ التباين بين الجماعات إلى اختلافات في “الهوية”، أو “الوعي”، أو “الطبع الشعبي”. ويُقدَّم هذا التفسير بوصفه بديهيًا، حتى أصبح الاختلاف الشعبي يُعامَل كمعطى سابق على التاريخ، لا كنتيجة له.
غير أن هذا المنظور يعاني من قصورٍ نظري جوهري، لأنه يعزل الظواهر الاجتماعية عن قاعدتها المادية، ويفصل البنية الرمزية عن شروط إنتاجها.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية معاكسة:
الاختلافات الشعبية ليست أصل الصراع، بل أثرًا تاريخيًا لاختلاف أنماط الإنتاج وبُنى العمل.
وبذلك، فإن “الشعب” لا يُفهم بوصفه وحدة ثقافية أو وجدانية، بل بوصفه بناءً تاريخيًا تشكّله علاقات الإنتاج، لا الخطابات الرمزية.
ولا يُقصد باستخدام مفهوم نمط الإنتاج هنا حتميةً ميكانيكية، أو اختزال الصراع في الاقتصاد بمعناه الضيق، بل بوصفه المحدِّد البنيوي الأعمق الذي تعمل داخله الدولة، والعنف المنظّم، والهوية، بوصفها جميعًا عناصر تتمتع باستقلال نسبي، لكنها لا تعمل خارج حدود القاعدة المادية.
أولًا: نمط الإنتاج بوصفه مُنتِجًا للوعي لا تابعًا له
في المنهج المادي التاريخي، لا يُفهم نمط الإنتاج بوصفه تقنية اقتصادية فحسب، بل بوصفه مجمل العلاقات الاجتماعية التي تنظّم العمل، الملكية، توزيع الفائض، وأنماط العنف المشروع. ومن هذا المنظور، فإن الوعي الجمعي، والأخلاق، وأنماط التضامن، ليست مستقلة عن الاقتصاد، بل تتشكّل داخله.
غير أن هذا لا يعني أن الوعي انعكاس آلي مباشر للبنية الاقتصادية، بل هو نتاج وسائط متعددة: الدولة، الأيديولوجيا، والمؤسسات، التي تتمتع جميعها باستقلال نسبي، لكنها لا تستطيع، على المدى التاريخي الطويل، تجاوز الشروط التي يفرضها نمط الإنتاج السائد.
وعليه:
المجتمع الذي يتكوّن حول العمل المأجور والدولة المركزية ينتج وعيًا قانونيًا فرديًا، ضعيف الارتباط بالروابط القرابية.
المجتمع الذي يقوم على الريع، الحماية المسلحة، والتوزيع ما قبل الدولتي ينتج وعيًا عشائريًا، تُختزل فيه الجماعة في رابطة الدم والسلاح.
ليس الفرق هنا فرق “ثقافة”، بل فرق تنظيم اجتماعي للعمل والحياة.
ثانيًا: العشيرة كعلاقة إنتاج لا كظاهرة ثقافية
تُعامَل العشيرة، في الخطاب السائد، بوصفها بقايا تقليد أو انحرافًا عن الحداثة. غير أن هذا الفهم يُغفل وظيفتها المادية.
العشيرة ليست هوية رمزية فحسب، بل بنية إنتاج وحماية وتوزيع تظهر تاريخيًا حين تعجز الدولة عن أداء وظائفها الأساسية.
في المجتمعات التي:
لا تضمن الدولة فيها العمل،
ولا تحتكر العنف،
ولا تنظّم التوزيع الاجتماعي،
تتحول العشيرة إلى:
ربّ عمل بديل،
جهاز حماية،
ونظام ضمان اجتماعي موازٍ.
وبالتالي، فإن ضعف العشائرية في مجتمعٍ ما لا يدل على “تقدّم أخلاقي”، بل على تشكل الدولة بوصفها إطارًا ناظمًا للعمل لا بوصفها غنيمة سياسية.
ثالثًا: وهم “الشعب الواحد” في ظل انقسام إنتاجي
حين يُفرض كيان سياسي واحد على مجتمعين مختلفين تاريخيًا في نمط الإنتاج، فإن النتيجة ليست “شعبًا واحدًا”، بل ازدواجية بنيوية داخل المجتمع.
قد تتوحّد اللغة والدين والجغرافيا، لكن شروط العيش والعمل تبقى متناقضة.
وهنا تبرز الأطروحة المركزية للدراسة:
لا يمكن إنتاج شعب واحد فوق انقسام إنتاجي عميق، لأن الشعب ذاته هو نتاج نمط العمل.
الدولة، في هذه الحالة، لا تُنتج وحدة اجتماعية، بل تتحول إلى جهاز لإدارة التناقض:
إما عبر الانحياز إلى أحد النمطين، أو عبر قمع التوتر بالقوة. وفي الحالتين، لا يُحل الصراع، بل يُعاد إنتاجه بأشكال طائفية أو جهوية أو هوياتية.
ولا تدّعي هذه المقاربة تفسير التوقيت الدقيق للانفجارات السياسية أو العسكرية؛ فهذه غالبًا ما تُفجَّر بعوامل طارئة نسبيًا، كقرار سياسي أو حرب إقليمية. إلا أن قدرة هذه العوامل على التحول إلى صراع واسع تبقى رهينة البنية الإنتاجية السابقة عليها.
رابعًا: الهوية بوصفها نتيجة متأخرة لا سببًا
تُظهر التجارب التاريخية أن الهوية لا تسبق الاقتصاد، بل تتبلور بعده.
فالانقسام الهوياتي ليس أصل الصراع، بل تعبيره الرمزي.
العشائرية، في هذا السياق، ليست سببًا للأزمة، بل آلية دفاع اجتماعي عن نمط عيش مهدَّد.
وكذلك، فإن الخطاب “المدني” ليس بالضرورة تقدميًا، بل قد يكون تعبيرًا عن سيطرة نمط إنتاجي بعينه يسعى إلى تعميم نفسه بوصفه معيارًا أخلاقيًا.
وحين يعجز التحليل السياسي عن لمس هذا الجذر، تتحول الهوية إلى ستار أيديولوجي يبرّر الهيمنة أو الانفصال دون المساس بالبنية المنتِجة للأزمة.
خامسًا: نقد الدولة الوطنية ما بعد الاستعمار
تكشف هذه المقاربة حدود الدولة الوطنية التي نشأت بعد الاستعمار، والتي وحّدت الجغرافيا دون أن توحّد القاعدة المادية.
فكانت النتيجة دولًا بلا اقتصاد منتج، وبلا عقد اجتماعي، تعتمد الريع لتسكين التناقضات بدل حلّها.
ولا تُفهم الدولة هنا بوصفها انعكاسًا مباشرًا للبنية الاقتصادية، بل كجهاز يتمتع باستقلال نسبي، قادر أحيانًا على فرض مسارات سياسية لا تتطابق فورًا مع مصالح الطبقات. غير أن هذا الاستقلال يظل محدودًا، ولا يستطيع تجاوز القاعدة المادية على المدى التاريخي.
سادسًا: في مسألة الفاعل والتعميم
تركّز هذه الدراسة على التحليل البنيوي للصراع، ولا تقدّم تصورًا مكتملًا للفاعل السياسي القادر على تجاوزه. هذا الغياب ليس سهوًا، بل خيارًا منهجيًا، انطلاقًا من أن الفاعل التاريخي ذاته لا يتشكّل خارج تحوّل شروط العمل والإنتاج.
كما أن تعميم هذه الأطروحة لا يعني إسقاط التفاصيل المحلية، بل استخراج قانون اجتماعي عام، مع الإقرار بأن تطبيقه يتطلب مراعاة السياقات التاريخية المختلفة.
خاتمة: نحو إعادة تعريف السياسة
تصل هذه الدراسة إلى خلاصة حاسمة:
لا وحدة بلا وحدة نمط إنتاج،
ولا شعب بلا شروط عمل مشتركة،
ولا سياسة حقيقية دون تفكيك القاعدة المادية للصراع.
ولا يدعو هذا الطرح إلى تبرير الانقسام، ولا إلى الدفاع عن الوحدة بوصفها قيمة مجردة، بل إلى تفكيك الوهم المشترك بينهما حين يُطرحان خارج سؤال الإنتاج.
السياسة، في معناها الجذري، ليست إدارة الرموز والهويات، بل إعادة تنظيم العمل والحياة.
ومن دون ذلك، ستظل الهوية اسمًا آخر للهروب من السؤال الحقيقي:
من ينتج؟ كيف؟ ولصالح من؟



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نمط الإنتاج بوصفه أصل القطيعة قراءة ماركسية في الانقسام الشع ...
- ترامب و«المتظاهرون السنّة»: كيف يتحول خطاب الحماية إلى أداة ...
- ترامب، وأداء الحليف للنظام الإيراني
- إقليم البصرة: حين تتحول المطالب الاجتماعية إلى إدارة للانهيا ...
- ما هي فصائل الفراغ؟ تفكيك السلاح بلا مشروع في غزة
- غزة بعد تسليم الرهائن: توازنات هشة ومصير غامض
- حين يختزل الإعلام الجغرافيا: هل قصفت واشنطن داعش في نيجيريا؟
- غزة بين الفراغ الأمني واقتصاد الغاز: قراءة في منطق الثروة ال ...
- قطر وفصائل الفراغ: الفوضى كسلاح إقليمي ضد الخليج
- السلطة الفلسطينية والخليج: من صراع الشرعية إلى تقاسم غزة الض ...
- مصالح الدول في حماس: من أداة توازن قبل طوفان الأقصى إلى عنصر ...
- إعادة تدوير حماس: من مشروع التصفية إلى استراتيجية الاستيعاب
- إسقاط النظام السابق في العراق: ذروة الهيمنة الأميركية… ومنح ...
- العراق بين الكاتونات الإقليمية وجزر الفراغ السيادي: في الجغر ...
- الاستراتيجية الأمريكية: نزع الولاء لإيران، لا نزع سلاح الفصا ...
- لا تحوّل استراتيجي في إيران: تكتيكات تعبويّة لا أكثر
- بريطانيا: ملاذ الإخوان وسط تباين غربي يهدد التحالف الأنجلو-أ ...
- هل بدأ ينفذ صبر اليهود الإسرائيليين في الهرم السياسي الأمريك ...
- انتفاضة التقدميين: بيرني ساندرز ونادي القتال يقودان التمرد ا ...
- نسبه المعوزين للطعام في الولايات المتحده تتخطى ١٢، ...


المزيد.....




- جماهير انركَي الشعبية (إقليم أزيلال) تسير نحو عمالة الإقليم ...
- Who’s Really Running Venezuela?
- Hugo Ch?vez Predicted This
- Will Employers Invest in Our Kids?
- Chronicle of a Foretold Coup: The Attack on Venezuela and th ...
- حسن عصفور يروي.. كيف قادته الصدفة لدراسة الفكر الماركسي؟
- حسن عصفور: كنت جسرا سياسيا بين الحزب الشيوعي الفلسطيني وقياد ...
- مسؤول إيراني يتوعد المتظاهرين -المخربين- بالإعدام.. وسط انقط ...
- الناصرية تحت القمع
- Trump’s Kent State


المزيد.....

- الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو / غابرييل هيتلاند
- فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم ... / مايكل جون-هوبكنز
- نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و ... / شادي الشماوي
- روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية / إلين آغرسكوف
- بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي ... / رزكار عقراوي
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ... / رياض الشرايطي
- التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع ... / شادي الشماوي
- الإقتصاد في النفقات مبدأ هام في الإقتصاد الإشتراكيّ – الفصل ... / شادي الشماوي
- الاقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط – الفصل السادس من كتاب - الإ ... / شادي الشماوي
- في تطوير الإقتصاد الوطنيّ يجب أن نعوّل على الفلاحة كأساس و ا ... / شادي الشماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - الاختلافات الشعبية بوصفها نتاجًا لاختلاف أنماط الإنتاج دراسة في البنية المادية للصراع الاجتماعي ووهم الهوية