|
|
عام جديد من الإمبراطورية
تمارا بيرسون
الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 10:04
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
*الولايات المتحدة تبدأ عام 2026 بقصف فنزويلا واختطاف رئيسها، واضعة نبرة من العنف الإمبريالي للعام الجديد*
مع تدخلها العسكري العنيف في فنزويلا، البلد الذي عشت فيه سابقا، افتتحت الولايات المتحدة هذا العام بإمبريالية فجة ومعلنة بلا مواربة. إن الاختطاف الوقح لنيكولاس مادورو وسيليا فلوريس، التي لا تقتصر صفتها على كونها زوجته كما تصفها وسائل الإعلام، بل هي ايضا رئيسة سابقة للجمعية الوطنية، إضافة إلى مقتل ما لا يقل عن 40 فنزويليا، يهدف إلى ترسيخ وتطبيع العنف والسيطرة كآلية عمل اعتيادية للولايات المتحدة في علاقاتها الدولية. الرسالة واضحة: ستأخذ الولايات المتحدة نفط فنزويلا، ومعادن التكنولوجيا من جمهورية الكونغو الديمقراطية، وليذهب حق بلدان الجنوب العالمي في تقرير المصير والملكية والسيادة إلى الجحيم.
أتذكر عندما كنت أعيش في فنزويلا، وكنا نتحدث عما سنفعله إذا هاجمت الولايات المتحدة. كنا بالفعل نواجه اشكالا أخرى من الهجوم، من بينها نقص المواد الغذائية الأساسية الذي كانت ترتبه شركات خاصة، ومحاولات زعزعة الاستقرار، والعنف اليميني، وأكاذيب وسائل الإعلام السائدة الناطقة بالإنكليزية. كانت هذه النقاشات تبرز بشكل خاص في فترات الانتخابات، حين كانت الأزمات المفتعلة ومحاولات التخريب تتصاعد، ويصبح احتمال الهجوم الأميركي أقل افتراضية.
ومع ذلك، كنا نوازن بين التاريخ الطويل والدموي جدا للتدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية وبين قدر من الشك وعدم التصديق. كيف يمكنهم قتل أبرياء وقصف مكان بدا لي كأنه أقرب ما يكون إلى الفردوس؟ لم تكن فنزويلا يوما مدينة فاضلة، فقد كانت هناك اخطاء كثيرة وما زال أمامها عمل كبير، لكن جبال الأنديز كانت خضراء بشكل أخاذ، والمياه الساحلية بلون فيروزي هادئ، والليالي ممتلئة بضباب خفيف يشبه السحر، يمكن رؤيته وهو ينساب في الشوارع. كانت الأيام عامرة بضحكات الأطفال الصغار الذين كنت أدرّسهم ضمن مشروعنا التعليمي التشاركي. كنا نحل مشاكلنا المحلية بأنفسنا كجماعة منظمة، نحول الأراضي الفارغة إلى حدائق مجتمعية، وكان النقاش السياسي حاضرا دائما، وكانت الثقافة السياسية عالية. كان الناس يعرفون دستورهم، وغالبا عن ظهر قلب، ويعرفون القوانين والأخبار. لدى الفنزويليين هذا الشغف اللامحدود بالرقص، حتى في الحافلات المتحركة أو بعد اجتماعات تستمر يومين كاملين. كيف يمكن لأي أحد أن يفكر في تدمير هذا العالم؟ كان الأمر غير قابل للتصور، ولا يزال كذلك. لم يكن منطقيا، وما زال غير منطقي.
ومع ذلك، نعلم جميعا أن غزة الجميلة، بشواطئها ومتاجرها وخبز الزعتر اللذيذ ومستشفياتها وكتبها وشعبها الصامد، قد تحولت إلى ركام، وأبيدت عائلات بأكملها. إن التدمير الذي قادته الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق دمّر البشر والمجتمعات، وأدى إلى إلحاق أضرار لا يمكن إصلاحها بمواقع ثقافية وأثرية أساسية، ونهب آثار تاريخية. أعيش اليوم في المكسيك، وهنا وحدها استخدمت الولايات المتحدة اتفاقية نافتا وما يسمى بـ"الحرب على المخدرات" لعسكرة هذا البلد الجميل وتحويله بشكل منهجي إلى مقبرة واسعة، مع 131 ألف حالة اختفاء قسري، وإلى خط إنتاج نيوليبرالي مطيع لخدمة نقل الشركات الأميركية لأنشطتها. لذلك، ربما كان علينا في فنزويلا أن نكون أقل تشككا. أرسل لي أصدقاء هناك رسائل يوم السبت وهم في حالة صدمة، وآذانهم ما تزال تصم من دوي القنابل. لم يكن من المفترض أن يكون عطلة رأس السنة على هذا النحو.
ومع ذلك، وخلال عام 2025، كانت الولايات المتحدة قد أكدت نفسها بشكل أكثر وضوحا كشرطي عالمي في خدمة رأس المال الكبير. فقد "تفاوضت" أي مارست ضغوطا لفرض "وقف إطلاق نار" في جمهورية الكونغو الديمقراطية، يضمن لها الوصول إلى المعادن والتكنولوجيات شديدة الأهمية، وإلى السيطرة الأمنية. كما دعمت إسرائيل، وقصفت نيجيريا، وقتلت فنزويليين دون أي مساءلة. أغلقت حدودها في وجه اللاجئين في انتهاك للقانون الدولي، وخرقت حقوق المهاجرين وحقوق الإنسان داخل حدودها. كما قصفت سوريا والعراق وإيران واليمن والصومال. ونفذت أو شاركت في ما مجموعه 622 عملية قصف خارجية، إضافة إلى تدخلات غير مباشرة، مثل تصريحات ترامب قبل أيام من الانتخابات في هندوراس في تشرين الثاني، والتي أسهمت في فوز المرشح اليميني الذي دعمه، أو دور الولايات المتحدة في ما يسمى بـ"قوة قمع العصابات الدولية" في هايتي.
في الوقت الذي أثبتت فيه المؤسسات الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة، عجزها التام عن اتخاذ أي إجراء حيال العقوبات الأميركية غير القانونية على كوبا، أو الإبادة الجماعية في غزة، أو تدمير المناخ، تمكن ترامب من تعزيز موقع الولايات المتحدة كقوة تقرر فعليا شؤون العالم.
في مؤتمره الصحفي يوم السبت، قال ترامب إن الولايات المتحدة ستبيع النفط الفنزويلي. ورغم أنه مهد للتدخل العسكري في فنزويلا بخطاب بلا أدلة عن عصابات المخدرات، وبقصف ما يرجح أنها قوارب صيد في النصف الثاني من عام 2025، كان معظم الناس يدركون أن الأمر كان دائما يتعلق باستعادة السيطرة على البلد الذي يمتلك أكبر احتياطي نفطي معروف في العالم. لكن فنزويلا تمثل ايضا حالة تحد. لقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على البلاد بسبب هذا الموقف لأكثر من عقد، ما أدى إلى مقتل أو الإسهام في مقتل أكثر من 40 ألف شخص في عامي 2017 و2018 وحدهما.
الولايات المتحدة لا تتعامل مع بلدان الجنوب العالمي كمجرد مائدة موارد. فهي، لضمان الوصول إلى ما تريده من ثروات، تسعى إلى جعل حكومات تلك البلدان رهن إشارتها. لعبت فنزويلا، خاصة خلال عقد 2010 ومن خلال مبادرات مثل سيلاك، دورا في توحيد أميركا اللاتينية ضد هذه الهيمنة، والسعي نحو الاستقلال وبدائل اجتماعية واقتصادية.
قصف فنزويلا لا يتعلق بالنفط فقط، بل بالسيطرة الأميركية على أميركا اللاتينية، ويأتي ضمن هجوم يميني مضاد ضد الحركات الشعبية وتمكين القواعد الاجتماعية والبدائل المطروحة في مواجهة الرأسمالية العنيفة. إلى جانب بوكيلي في السلفادور وميلي في الأرجنتين، فاز اليمين في عام 2025 ايضا في بوليفيا وهندوراس وتشيلي. ومع ترامب، يدفع هؤلاء "القادة" بأجندات عنصرية ومعادية للمثليين والنساء، وبرامج خصخصة واسعة.
**تطبيع الإمبراطورية وانتهاكات حقوق الإنسان عالميا**
إلى جانب فداحة الحدث نفسه، فإن ما جرى في 3 كانون الثاني يشكل جزءا من مسار يهدف إلى تطبيع حالة عالمية من الخطر وانعدام الأمان وانتهاكات حقوق الإنسان والاستخفاف بالقانون الدولي. لا يهم ما يعتقده أي شخص بشأن مادورو، ومسألة فوزه في انتخابات 2025 هي نقاش له مكان وزمان آخران. لا يحق للولايات المتحدة أن تقرر من يحكم الدول الأخرى. قد تسعى إلى ذلك، لكنها ليست رئيسة العالم، وفوق كل ذلك، لا تملك أي مشروعية أخلاقية لتقرير أو التحكم في مصائر الآخرين.
لكن خطوة السبت، بوصفها امتدادا لسياسة الولايات المتحدة في عام 2025، تكرس التدخل العسكري كحل للمشكلات. إنها رسالة تحذير للدول التي تحاول الخروج عن الطاعة. هذا النوع من الإمبريالية لا يقتل الناس فقط، بل يعيد إنتاج صور عنصرية عن بلدان الجنوب العالمي بوصفها عاجزة عن إدارة نفسها، ويضفي شرعية على المركزية الأميركية والأوروبية التي تحتكر الحكمة والديمقراطية. الإمبريالية ترهب ضحاياها بالصمت والخضوع، وتكرس نظام فصل عالمي غير معلن، حيث تخضع مناطق بأكملها لسيطرة سياسية ومالية، وتفرض عليها أجور غير قابلة للعيش، وتنهب مواردها. ومن خلال أنظمة الديون والتجارة وعدم المساواة في الدخل، استنزفت الدول الغنية ما قيمته 152 تريليون دولار من بلدان الجنوب العالمي منذ عام 1960.
آلة التدخل تعيد هندسة العالم بما يخدم مصالح الشركات الأميركية الكبرى، على حساب كرامة الجنوب العالمي وفاعليته. أما بالنسبة للدول التي تتعرض للغزو أو التدخل، فهناك آثار خفية ايضا، مثل تراجع الثقة بالذات، والإيمان غير المبرر بأن التعليم والفن والابتكار المحلي أدنى قيمة، وخيبة الأمل من التنظيم والحركات الاجتماعية، وغالبا ما يقود ذلك إلى الهجرة، التي تواجه لاحقا بالرفض من القوى نفسها التي تسببت فيها، كما هو الحال مع الولايات المتحدة.
الشعب الفنزويلي ليس تهديدا. فالبلاد لا تنتج ولا تتاجر بكميات تذكر من المخدرات. في الواقع، يأتي الكثير من القسوة والدمار في العالم من الولايات المتحدة نفسها. إن حكومة ترامب والنخب الأميركية هي التي ترتكب انتهاكات حقوق الإنسان، وتقوض الديمقراطية عبر تدبير انقلابات مثل الذي جرى صباح السبت، وتنتهك القانون والأخلاق بقتل أشخاص على قوارب فنزويلية بذريعة مكافحة المخدرات، من دون أي محاكمات أو أدلة. ومع كل تدخل جديد، تعزز الولايات المتحدة وإسرائيل إفلاتهما من العقاب على جرائم الحرب والانتهاكات والجرائم الجسيمة.
--- المصدر: https://znetwork.org/znetarticle/a-new-year-of-empire/?utm_source=flipboard&utm_medium=flipboard_rss&utm_campaign=znetwork
#تمارا_بيرسون (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عام جديد من الإمبراطورية
المزيد.....
-
جماهير انركَي الشعبية (إقليم أزيلال) تسير نحو عمالة الإقليم
...
-
Who’s Really Running Venezuela?
-
Hugo Ch?vez Predicted This
-
Will Employers Invest in Our Kids?
-
Chronicle of a Foretold Coup: The Attack on Venezuela and th
...
-
حسن عصفور يروي.. كيف قادته الصدفة لدراسة الفكر الماركسي؟
-
حسن عصفور: كنت جسرا سياسيا بين الحزب الشيوعي الفلسطيني وقياد
...
-
مسؤول إيراني يتوعد المتظاهرين -المخربين- بالإعدام.. وسط انقط
...
-
الناصرية تحت القمع
-
Trump’s Kent State
المزيد.....
-
الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو
/ غابرييل هيتلاند
-
فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم
...
/ مايكل جون-هوبكنز
-
نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و
...
/ شادي الشماوي
-
روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية
/ إلين آغرسكوف
-
بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي
...
/ رزكار عقراوي
-
الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا
...
/ رياض الشرايطي
-
التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع
...
/ شادي الشماوي
-
الإقتصاد في النفقات مبدأ هام في الإقتصاد الإشتراكيّ – الفصل
...
/ شادي الشماوي
-
الاقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط – الفصل السادس من كتاب - الإ
...
/ شادي الشماوي
-
في تطوير الإقتصاد الوطنيّ يجب أن نعوّل على الفلاحة كأساس و ا
...
/ شادي الشماوي
المزيد.....
|