أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - من الانقسام القبلي إلى التشكل الطائفي: قراءة تاريخية-سوسيولوجية سريعة في نشأة السُّنّة والشيعة















المزيد.....

من الانقسام القبلي إلى التشكل الطائفي: قراءة تاريخية-سوسيولوجية سريعة في نشأة السُّنّة والشيعة


محمد علي عبد الجليل

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 00:06
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ملخَّص :
يتناول هذا المقال نشأة الانقسام السُّني-الشيعي من زاوية تاريخية-سوسيولوجية، بعيدًا عن السرديات المذهبية التقليدية. ويجادل بأن السُّنّة والشيعة لم تنشآ كطائفتين دينيتين متمايزتين في الإسلام المبكر، بل تشكّلتا لاحقًا نتيجة تديين صراعات قبلية-سياسية على السلطة داخل الجماعة الإسلامية الناشئة. كما يبيّن المقال أن كلتا الطائفتين استوعبت عناصر أصيلة من التجربة الإسلامية الأولى، لكنها أعادت تركيبها ضمن منظومات عقدية وفقهية مغلقة في سياق الدولة والصراع السياسي.

الكلمات المفتاحية : الإسلام المبكر، الطائفية، السُّنّة، الشيعة، القبيلة، السلطة، التديين السياسي.


يُقدَّم الانقسام السُّني-الشيعي في كثير من الأدبيات الدينية بوصفه انقسامًا عَقَديًا أصيلًا يعود إلى زمن النبي محمد أو إلى الأيام الأولى بعد وفاته. غير أن هذا التصوّر يواجه إشكالات تاريخية ومنهجية، إذ لا تُظهِر المصادر المبكرة وجودَ طائفتين دينيتين متمايزتين تحملان هاتين التسميتين في الإسلام الأول.
ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن الانقسام الذي عرفه الإسلام المبكر كان في جوهره سياسيًا-قَبَليًا وأن تحوّله إلى انقسام ديني-طائفي كان نتاجًا تاريخيًا لاحقًا ارتبط بتشكّل الدولة وتبلور مؤسساتها.

أولًا : غياب الطوائف في الإسلام المبكر
لا تشير المصادر التاريخية ولا القرآن إلى وجود «السُّنّة» أو «الشيعة» كطائفتين دينيتين منظّمتين في زمن النبي محمد ولا في عهد الخلفاء الراشدين ولا في العصر الأموي. فما كان موجودًا هو جماعة دينية واحدة ناشئة :
1. سُمِّيَت في القرآن «المؤمنين» أو «الذين آمَنوا» وسُمِّيَت في المصادر غير الإسلامية «الـمُحَمَّديين» أو «الهاجَريين»؛ هذه الجماعة قد تكون تطوَّرَت في فضاء ديني متعدد عن جماعات أو تيارات أخرى كالحَنيفية والأبيونية والنصرانية الموحِّدة غير الخلقيدونية (النسطورية واليعقوبية والآريوسية) واليهودية العربية غير الربانية غير التلمودية (كيهود يثرب وخيبر وتيماء) والصابئة المندائية والزرادشتية والوثنية العربية (خاصة فيما يخصّ طقوس الحج)؛
2. تعيش داخل بنية قبَلية عربية؛
3. تواجه مشكلة توريث السلطة بعد وفاة النبي المؤسس.
وحتى مصطلح «شيعة علي» في القرن الأول الهجري لَم يَكُن يَدُلُّ على مذهب ديني، بل على أنصار سياسيين، كما هو شائع في اللغة العربية الكلاسيكية.

ثانيًا : الانقسام القَبَلي بوصفه الخلفية البنيوية
لم ينشأ الخلاف داخل الجماعة الإسلامية الناشئة («المؤمنين»، «الذين آمَنوا»، «الـمُحَمَّديين») من فراغ، بل على أرضية :
1. صراعات قَبَلية دموية سابقة للإسلام؛
2. تنافس على الزعامة السياسية بين بيوتات كبرى (بني هاشم، بني أُمَيّة، بطون أخرى من قُريش)؛
3. استمرار منطق العصبية القبلية وإن أُعيد تأطيره دينيًا.

كان «الإسلام»، في مرحلته الأولى، مشروعًا توحيديًا فوق-قبلي، لكنه لم يُلغِ فورًا البنية الاجتماعية القبلية، بل احتواها مؤقتًا. وإن كلمة «إسلام» ومشتقاتها («مسلم» و«مسلمين») في القرآن لم تكن على الأرجح تشير إلى جماعة دينية أو هوية دينية بل إلى توصيف قريب من صفة «تميم» بمعنى «كامل» في اليهودية، أي بلا ذنوب أو بلا عيوب.
ومع غياب النبي، عادت هذه البنية القبَلية لتفرض منطقها، خصوصًا في مسألة السلطة.

ثالثًا : من الصراع السياسي إلى التديين [إضفاء الطابع الديني]
يشكّل هذا التحوّل المرحلة المفصلية في تشكّل الطوائف :
1. المرحلة السياسية : الخلاف حول من يحكم وكيف تُدار الجماعة.
2. المرحلة الرمزية : استدعاء القرب من النبي، أو الصحبة، لتبرير المواقف.
3. المرحلة العَقَدية (القرنان الثاني والثالث الهِجريان) :
a) تقنين الرواية عن النبي المؤسس (الحديث)،
b) بلورة الفقه،
c) تحويل المواقف السياسية إلى عقائد دينية.
وفي هذه المرحلة، لم يعد الخلاف على السلطة فقط، بل على «الدين الصحيح».

رابعًا : السُّنّة والشيعة بوصفهما بناءين تاريخيين
يمكن توصيف السُّنّة والشيعة على النحو الآتي : هما طائفتان إسلاميتان غير أصيلَتَين، لكنهما تحتويان أفكارًا أصيلة من الإسلام المبكر، أمثلة : عند طائفة السُّنّة : الشورى، والجماعة، والصحابة؛ وعند طائفة الشيعة : أهل البيت، والقربى، والشرعية المستندة إلى النسب النبوي.
هذه الأفكار كانت موجودة على الأرجح في عصر محمد، لكن تحويلها إلى منظومات عَقَدية جاء لاحقًا، في سياق الصراع السياسي وبناء الدولة.

خامسًا : الطائفة كمنتَج للدولة والصراع
يُظهر التحليل التاريخي أن :
1. الفقه جاء بعد السياسة؛
2. والحديث جاء بعد الحاجة إلى الشرعية؛
3. والعقيدة جاءت بعد تثبيت الانقسام.

بذلك، يمكن القول إن الطائفية الإسلامية ليست سبب الصراع، بل نتيجته، وإن السُّنّة والشيعة هما تديينٌ متأخّر لصراعات سلطة مبكّرة. فالإسلام الحالي هو نتاج صراعات سياسية لَبِسَت لَبوسًا دينيًا. لقد وُلِدَ الإسلام من الصراع والحرب والدم.

يمكن القول إن الانقسام السُّني-الشيعي لا يمكن فهمه فهمًا علميًا إلا إذا أُعيد إلى سياقه التاريخي-الاجتماعي. فالخلاف الذي عرفه الإسلام المبكر كان في جوهره قَبَليًا وسياسيًا، ولم يتحوّل إلى انقسام ديني-طائفي إلا في مرحلة لاحقة، حين احتاجت السلطة إلى شرعنة نفسها دينيًا، واحتاجت الجماعات إلى هوية مغلقة ومستقرة.

إن ادِّعاء أية طائفة بامتلاك «الإسلام الأصيل» هو إسقاط لاحق، لا تعبير عن واقع «الإسلام» الأول كما كان؛ إذ لم يكن يُسمّى حينها «إسلامًا». فـ«الإسلام الأول» كما يُظهِره القرآن كان هُلاميًا غير واضح المعالم نواتُه التوحيدُ (الإله الواحد إله بني إسرائيل) والمرونةُ والوسطيةُ والمحاجَجةُ "العقلانية" داخل المنظومة الأسطورية الإبراهيمية. ثم تحوَّلَ هذا التيار الإبراهيمي الهُلامي، بدوافعَ سياسيةٍ، إلى دينَين رئيسيين بمظهر ديني واحد هما السُّنَّة والشيعة. وقد انتبه جورج طرابيشي (١٩٣٩ – ٢٠١٦) إلى وجود إسلامَين (إسلام القرآن وإسلام الحديث) في كتابه : «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث» (٢٠١٠) الصادر عن دار الساقي في بيروت. وقد شرحَ محمد شحرور في عدة مقابلات أن الإسلام الحالي صناعة عبّاسية ويختلف جذريًا عن إسلام القرآن.



#محمد_علي_عبد_الجليل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطبيعة مصدر الكَرَم في المفهوم اللغوي الساميّ: تأثيل السخاء ...
- اللغة والفكر : نحو فهم جذور الأزمة الفكرية في العالم العربي
- تأثيل الدياثة وتأصيلها
- تأثيل الفِعل «حَوَى» وتطوّراتُه اللهجاتية
- يا رئيسُ !
- تأثيل كلمة «سِكّين»
- أغنية: كيف بدنا نعيش؟
- في معنى المُعجِزة
- «بارود ! اهرُبوا !» : خَطَـرُ الدِّينِ
- قراءة كريستوف لُكسنبرغ: ما لها وما عليها
- حكاية القرآن
- التاريخ البشري باختصار
- أثر العقائد والسياسات
- كلمة سريعة بخصوص اليوم العالمي للغة العربية
- المرشدية دين الحرية
- هجر جميل والراح المستعان
- أعاقر الراح
- ثقافة القطيع
- ظاهرة دافيد رجل الكهف
- من أين جاء نظام الكون؟


المزيد.....




- الرئيس بزشكيان: الشهيد سليماني حضر في كل الساحات دافع عن إير ...
- وثائق تاريخية تكشف سعي اليهود لإقامة دولة لهم في الصومال قبل ...
- حماس: ندعو جماهير شعبنا وأمتنا العربية والإسلامية إلى أداء ص ...
- إسرائيل وتفكيك الجغرافيا الإسلامية
- أكثر من 65 ألف مستوطن إسرائيلي اقتحموا المسجد الأقصى خلال 20 ...
- مستوطنون يقتحمون باحات المسجد الأقصى ويغنون أمام قبة الصخرة ...
- بلدية الخليل: سحب صلاحيات التنظيم والبناء في المسجد الإبراهي ...
- الانتقالي الجنوبي: لا إشكال مع قوات درع الوطن بل مع الإخوان ...
- -إعادة التوحيد لا مفر منه-.. الصين تُبدي تفاؤلاً بشأن عام 20 ...
- مطالب فرض الشريعة.. كيف روجت حسابات يمينية مشاهد مضللة للتحر ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - من الانقسام القبلي إلى التشكل الطائفي: قراءة تاريخية-سوسيولوجية سريعة في نشأة السُّنّة والشيعة