أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جعفر حيدر - ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق














المزيد.....

ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 21:48
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق)
إن ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق تمثل واحدة من أكثر الظواهر تعقيداً في بنية الدولة الحديثة، لأنها ليست مجرد مواجهة فكرية بين تيارين، بل هي حالة اجتماعية–تاريخية تراكمت عبر عقود من التحولات السياسية، والصراعات الطبقية، والتبدلات الثقافية التي مرّ بها العراق منذ تأسيس الدولة وحتى يومنا هذا، فالمجتمع العراقي بطبيعته يحمل طبقتين من الوعي؛ الأولى تقليدية دينية متوارثة تشكل نسيج الحياة اليومية وتتحكم في العلاقات الاجتماعية والأسرية، والثانية مدنية–عقلانية تشكلت بفعل التعليم الحديث، والنشاط الثقافي، واحتكاك النخب العراقية بالحداثة العالمية، وتداخل هاتين الطبقتين خلق تفاعلاً دائمًا يتأرجح بين التعايش والصراع، فالمجتمع الديني العراقي يستمد قوته من مؤسسة دينية لها شريحة واسعة من الأتباع وترتكز على المرجعية والطقوس والعادات، بينما المجتمع العلماني رغم أن حجمه الشعبي أقل لكنه يتغلغل في المدن الكبرى والجامعات والنقابات ووسائل الإعلام، ويقوم على فكرة فصل الدين عن الدولة، وتعزيز الهوية الوطنية المدنية، وتقديم العقل والقانون على المقدس، ومع ذلك فإن التوتر بينهما لم يكن يوماً صراعاً مباشراً بقدر ما كان صراعاً على تعريف طبيعة الدولة العراقية: هل هي دولة دينية المرجعية، أم دولة مدنية قانونية؟ وقد تبلور هذا السؤال بشكل واضح بعد 2003 حين دخل العراق مرحلة سياسية جديدة سمحت للطوائف والأحزاب الدينية بالسيطرة على الدولة، الأمر الذي أعاد تشكيل المجتمع في اتجاه ديني–سياسي، بينما بدأ التيار العلماني بالاتساع كحركة احتجاجية أو ثقافية تتحدى هذا النموذج وتراه مسؤولاً عن الفساد والطائفية وتراجع الحريات، ومن الناحية الاجتماعية فإن العراقي يعيش يومياً بين هذين العالمين؛ فهو يمارس طقوسه الدينية بعمق، لكنه يريد خدمات وتعليماً وعملاً خارج منطق المحاصصة الدينية، ما يجعل العراق مجتمعاً مزدوجاً يحاول أن يوازن بين الهوية الروحية والمطالب المدنية الواقعية، أما من الناحية الثقافية، فقد أنتج هذا التفاعل جدلاً واسعاً بين المثقفين حول معنى الحرية والحداثة والهوية، حيث يرى المفكرون الدينيون أن العلمانية خطر يذيب الهوية ويفكك القيم، بينما يرى المثقفون العلمانيون أن الدين – حين يصبح أداة سياسية – يتحول إلى عامل تعطيل للتنمية وتقييد للحريات، وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في زيادة حدة هذا الجدل، إذ أصبح كل تيار يمتلك فضاءً مستقلاً يعبر فيه عن رؤيته دون رقابة، فتضاعفت الاستقطابات وتراكمت الاتهامات المتبادلة، أما في الساحات المدنية مثل الجامعات فقد ظهرت ملامح واضحة لهذا التوتر من خلال صراع حول حرية اللباس، حرية التعبير، النشاط الطلابي، ودور المؤسسة الدينية داخل البيئة التعليمية، وفي المقابل فإن مناطق أخرى من العراق بقيت ذات طبيعة دينية محافظة جعلت حضور العلمانية فيها ضعيفاً، ومع مرور الزمن بدأت تظهر طبقة جديدة من الشباب العراقي الذين لا يرغبون في صراع ديني–علماني بل يبحثون عن دولة خدماتية محايدة لا تتدخل في حياتهم الخاصة ولا تفرض عليهم رؤية دينية أو علمانية، ما خلق مساراً ثالثاً داخل المجتمع، مساراً يميل للمدنية دون صدام مع الدين، ويرى أن الحل يكمن في إقامة دولة تبقي الدين في المجتمع والثقافة دون أن تسمح له بالتحكم بالسلطة والقرار، وقد كان هذا الاتجاه حاضراً بقوة في احتجاجات تشرين التي رُفع فيها شعار “نريد وطن” كإشارة إلى رفض اختزال الدولة بالدين أو الأحزاب، وبذلك يتضح أن الديناميكية الحالية ليست مجرد تنافر بين مجموعتين، بل هي حركة مستمرة لإعادة تعريف العراق كدولة حديثة تعيش بين إرث ديني ثقيل وتطلعات مدنية عميقة، وهي ديناميكية ستبقى قائمة ما دامت الدولة لم تحسم شكلها النهائي، وما دام المجتمع العراقي يحمل في داخله هذا الخليط الفريد من الإيمان الروحي والبحث العقلاني عن العدالة والحرية والتنمية.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ارض الشهيد مقابل الجسد
- العلمانية بين الغباء الديني والسياسية الناجحة
- رجال الدين والسلطة
- مجازر لبناء المستقبل


المزيد.....




- الرئيس بزشكيان: الشهيد سليماني حضر في كل الساحات دافع عن إير ...
- وثائق تاريخية تكشف سعي اليهود لإقامة دولة لهم في الصومال قبل ...
- حماس: ندعو جماهير شعبنا وأمتنا العربية والإسلامية إلى أداء ص ...
- إسرائيل وتفكيك الجغرافيا الإسلامية
- أكثر من 65 ألف مستوطن إسرائيلي اقتحموا المسجد الأقصى خلال 20 ...
- مستوطنون يقتحمون باحات المسجد الأقصى ويغنون أمام قبة الصخرة ...
- بلدية الخليل: سحب صلاحيات التنظيم والبناء في المسجد الإبراهي ...
- الانتقالي الجنوبي: لا إشكال مع قوات درع الوطن بل مع الإخوان ...
- -إعادة التوحيد لا مفر منه-.. الصين تُبدي تفاؤلاً بشأن عام 20 ...
- مطالب فرض الشريعة.. كيف روجت حسابات يمينية مشاهد مضللة للتحر ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جعفر حيدر - ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق