أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - الشهبي أحمد - المعلم ... من مربٍ إلى هدف














المزيد.....

المعلم ... من مربٍ إلى هدف


الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8303 - 2025 / 4 / 5 - 17:55
المحور: قضايا ثقافية
    


يقول معن بن أوس في صوت يتردد عبر الزمن، محمَّلًا بألم الدهشة والخيبة: "يا عَجَباً لمن رَبَّيتُ طِفلاً.. أُلقَّمُهُ بأطرافِ البَنانِ، أُعلِّمهُ الرِّمايَةَ كُلَّ يومٍ.. فَلَمّا اشتَدَّ ساعِدُهُ رَماني، وكم عَلَّمتُهُ نَظمَ القَوافي.. فَلَمّا قال قافِيَةً هَجاني". كلمات ليست مجرد شعر، بل صرخة تنبض بحرقة المربي الذي أفنى عمره في البذل والعطاء، ليجد نفسه في النهاية أمام نكران يشبه الطعنة في الصدر. ما كان يومًا موقفًا عابرًا في حياة شاعر قديم، تحول اليوم إلى مشهد يتكرر في أروقة المدارس، حيث يقف الأستاذ مشدوهًا أمام تلميذ لا يرى فيه سوى خصم يستحق العداء بدل التقدير. لم يعد الإحسان يُقابل بالامتنان، بل أصبح طريقًا إلى جحود يُدمي القلب ويُربك العقل.

في زمن مضى، كانت المدرسة معبدًا للعلم والأخلاق، وكان الأستاذ فيها كاهنًا يُوقَّر، يحمل بين يديه شعلة تنير دروب الجهل، ويغرس في النفوس بذور الانضباط والوعي. أما اليوم، فالمشهد قد تبدل، والمعبد أضحى ساحة صراع، والكاهن هدفًا لسهام من كان يفترض أن يحميهم ويرعاهم. حوادث الاعتداء على المعلمين لم تعد حكايات نادرة تُروى على استحياء، بل أخبار تتسلل إلى عناوين الصحف وتتربع على صفحات التواصل الاجتماعي، تاركة وراءها تساؤلات ثقيلة: ما الذي حدث؟ وكيف انهار هذا الجسر الذي كان يربط بين المعلم والمتعلم بعلاقة تقوم على الاحترام المتبادل؟

إننا أمام ظاهرة ليست وليدة لحظة، بل نتاج تراكمات طويلة بدأت حين بدأنا ننظر إلى التعليم كمجرد سلعة، وحين أُفرغت المدرسة من هيبتها تحت وطأة شعارات براقة أُسيء فهمها. لقد جُرّد الأستاذ من سلطته التربوية، وأُلقي به في مواجهة تلاميذ لا يعون معنى الواجب، ولا يرون في العلم قيمة تُذكر. كيف يمكن لمعلم أن يحافظ على هيبته وهو محروم من أبسط أدوات الضبط؟ وحين نتحدث عن "حقوق المتعلم" دون أن نذكر واجباته، ألا نصنع بأيدينا جيلًا يرى في المعلم مجرد خادم يُطالب بالمزيد دون أن يُعطي شيئًا في المقابل؟

لكن المسؤولية لا تقع على التلميذ وحده، بل تمتد جذورها إلى المجتمع بأسره. الأسرة التي كانت يومًا شريكًا في التربية، أصبحت اليوم في كثير من الأحيان مصدرًا للتحريض غير المباشر. كيف يمكن لتلميذ أن يحترم أستاذه وهو يسمع في بيته عبارات الاستهزاء به؟ كيف نطلب منه أن يرى في معلمه قدوة، وهو يشاهد في وسائل الإعلام صورًا نمطية تسخر من الأستاذ وتحط من قدره؟ إن المعلم الذي يُقدم على شاشاتنا كشخصية هزلية أو كائن ضعيف لا حول له، يفقد مكانته في عيون من كان يفترض أن ينظر إليه بعين الإجلال.

ولا يتوقف الأمر عند حدود الأسرة أو الإعلام، بل يمتد إلى السياسات التعليمية التي أهملت دعم المعلم نفسيًا وماديًا، وحولته إلى مجرد رقم في سجل الموظفين. حين يُترك الأستاذ وحيدًا أمام فوضى الفصل، دون سند قانوني أو اجتماعي، فكيف ننتظر منه أن يقاوم؟ وحين تُنتهك كرامته أمام تلاميذه دون أن يجد من يرفع عنه الظلم، فأي شغف سيبقى في قلبه ليواصل رسالته؟ إن المعلم ليس آلة تُنتج دروسًا، بل إنسان يحتاج إلى بيئة تمكّنه من أداء دوره، فإذا سلبناه هذه البيئة، فلا نلومنّ إلا أنفسنا حين نرى مردوديته تتهاوى.

والخطر الأكبر يكمن في أن هذا العنف لا يقتصر على جدران الفصل، بل يمتد ليصبح نمطًا يُشكل شخصية الجيل الجديد. التلميذ الذي يرفع يده على أستاذه اليوم، لن يتردد غدًا في تحدي أي سلطة تقف في طريقه، سواء كانت أسرية أو اجتماعية أو حتى قانونية. إنه لا يهدم شخصًا فحسب، بل يهدم فكرة الانضباط والاحترام التي تقوم عليها الحياة المشتركة. المدرسة التي تفقد هيبتها لن تكون مجرد مبنى خالٍ من الروح، بل ستتحول إلى مصنع للفوضى، تخرج منه أجيال لا تعرف معنى القيم، ولا تدرك أهمية النظام.

فما العمل؟ هل نكتفي بإصدار قوانين تزيد من عقوبات التلاميذ المتمردين؟ ربما تكون هذه خطوة ضرورية، لكنها ليست كافية. الحل الحقيقي يكمن في استعادة المكانة المفقودة للمدرسة كمؤسسة تربوية وليست مجرد محطة لتمرير المعلومات. لا بد من إعادة بناء الثقة بين الأستاذ والتلميذ، وهذا لن يتحقق إلا بتضافر جهود الجميع. الأسرة مدعوة لتعيد النظر في طريقة تعاملها مع التعليم، ولتغرس في أبنائها احترام من يقف أمامهم ليعلمهم. والإعلام مطالب بأن يتوقف عن السخرية من المعلم، وأن يقدمه كنموذج يُحتذى به، لا كشخصية تافهة تُستخدم لإضحاك الجمهور.

وقبل أن نحاسب الأستاذ على تقصيره، علينا أن نطرح السؤال الأهم: أي دعم قدمناه له ليتمكن من أداء دوره؟ هل وفرنا له بيئة آمنة يستطيع فيها أن يتنفس دون خوف؟ هل منحناه الأدوات التي تجعله قادرًا على مواجهة التحديات؟ إن المعلم ليس مجرد موظف يُطالب بالنتائج، بل هو مربٍ يحتاج إلى تقدير ومساندة ليواصل عطاءه. وإذا أردنا أجيالًا تحترم القوانين وتقدر العلم، فعلينا أن نبدأ باحترام من يقف في الصف الأول ليصنعها.

إن المشهد الذي بدأه معن بن أوس بقصيدته لم ينته بعد، بل هو يتكرر اليوم بأشكال أكثر قسوة وتعقيدًا. لكن الأمل لم يمت، فما زال بإمكاننا أن نعيد ترتيب الأمور، أن نعيد للمدرسة هيبتها، وللمعلم كرامته، وللتلميذ وعيه بقيمة ما يتلقاه. لكن هذا لن يحدث إلا إذا آمنا جميعًا أن التعليم ليس مجرد درجات على ورق، بل بناء لإنسان يحمل في داخله مستقبل أمة بأكملها.



#الشهبي_أحمد (هاشتاغ)       Echahby_Ahmed#          



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجزائر بين وهم الماضي وواقع المغرب المتقدم: الحقيقة التي لا ...
- طفولة المغرب بين مؤثرات الإعلام وتآكل القيم
- المغاربة… يكذبون الكذبة على الفايسبوك ويؤمنون بها
- الطاكسيات في المغرب: تقدر توصل وتقدر ما توصلش
- المغربي: بطل الأساطير في مسرح الحياة اليومية.
- صوتٌ يصدحُ من بين القيود: رؤيةٌ نقديةٌ ل-تحرير المرأة- مع قا ...
- شوبنهاور والعيد: سعي بلا نهاية نحو السعادة الزائفة
- التطرف السياسي والخيانة: عندما يصبح المبدأ عرضة للتغيير
- عندما تصبح الصحافة صراعاً شخصياً: هل نعيش عصر -الفرجة الإعلا ...
- صفعة تمارة: السلطة والمواطن بين القانون والثقة المفقودة
- الوعي المثقف: مرض ودواء في قبو دوستويفسكي
- -أصداف الدهور-: حين يصبح الزمن قفصًا، والماضي لؤلؤة مفقودة ف ...
- أصداف الدهور: حين يصبح الزمن قفصًا، والماضي لؤلؤة مفقودة في ...
- الليل لنا: تأملات في الغياب والحضور في رواية محمد مباركي
- السياسي والمؤرخ: صراع الزمن والقلم
- مزهوون بمتلاشيات الآخرين
- أنقاض الروح والكلمة: قراءة في مجموعة - تحت الركام- القصصية ل ...
- التعليم المغربي: حلم يتهاوى بين فوضى السياسة وصمت الجميع
- عبارات ملهمة: قراءة نقدية وتحليلية في أعماق الكلمة والوجود ل ...
- -ياسمين الخريف- لأحمد الشهبي: قراءة نقدية وتحليلية في المتاه ...


المزيد.....




- نتنياهو يزور واشنطن، فماذا تتضمن الزيارة؟
- رئيس الوزراء الفرنسي: قرار ترامب خطير جدا وسيسبب أزمة عالمية ...
- موجة جديدة من الأعاصير والفيضانات تقتل 16 شخصا في أميركا
- ترامب للأمريكيين: تنتظرنا أوقات صعبة
- مجهول يتحصن داخل مبنى البرلمان الكندي (فيديو)
- خبير عسكري مصري: حماس أحيت القضية الفلسطينية رغم الخسائر الك ...
- الجيش الألماني يستعد لأكبر مناورات عسكرية منذ الحرب الباردة ...
- تسجيل -الأوغاد- المسرب يشعل أزمة في إسرائيل
- -بوليتيكو-: سيطرة روسيا على موارد أوكرانيا ستكون كارثة على ا ...
- قائد القوات البرية في الجيش الإيراني: نحن من أقوى الجيوش في ...


المزيد.....

- أسئلة الديمقراطية في الوطن العربي في عصر العولمة(الفصل الأول ... / منذر خدام
- ازمة البحث العلمي بين الثقافة و البيئة / مضر خليل عمر
- العرب والعولمة( الفصل الرابع) / منذر خدام
- العرب والعولمة( الفصل الثالث) / منذر خدام
- العرب والعولمة( الفصل الأول) / منذر خدام
- مقالات في الثقافة والاقتصاد / د.جاسم الفارس
- مقالات في الثقافة والاقتصاد / د.جاسم الفارس
- قواعد اللغة الإنكليزية للأولمبياد مصمم للطلاب السوريين / محمد عبد الكريم يوسف
- أنغام الربيع Spring Melodies / محمد عبد الكريم يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - الشهبي أحمد - المعلم ... من مربٍ إلى هدف