أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عيسى طاهر اسماعيل - ركلة ألفاريز، ركلة تقضّ مضجع الحقيقة














المزيد.....


ركلة ألفاريز، ركلة تقضّ مضجع الحقيقة


عيسى طاهر اسماعيل

الحوار المتمدن-العدد: 8285 - 2025 / 3 / 18 - 00:12
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ركلة الفاريز، ركلة تقض مضجع الحقيقة



في عالمنا المعاصر، تحيط بنا التقنيات من كل جانب. كاميرات فائقة الدقة، إعادات بطيئة، تحليلات متعددة الزوايا، وتقنيات متطورة للغاية. ومع ذلك، وقفنا جميعاً أمام لقطة ركلة ترجيح الفاريز ضد ريال مدريد في حيرة من أمرنا. هل لمس الكرة مرتين أم مرة واحدة؟ انقسمت الآراء، وتأججت النقاشات، وتعددت التحليلات دون الوصول إلى إجماع. والمهم هنا ليس هو الوصول بعد إلى ما يبدد كل شك، إنما المهم هو الشك نفسه والذي أدى إلى كل هذا اللغط والنقاشات والمماحكات حول الحادثة.

إذا كانت هذه الحادثة التي وقعت أمام أعيننا، وسُجلت بعشرات الكاميرات الدقيقة، وحُللت بأحدث التقنيات، قد استعصت علينا معرفة حقيقتها بشكل قاطع، فكيف لنا أن نتيقن من أحداث وقعت في غياهب التاريخ؟ بل كيف لنا أن نتيقن من أخبار سمعناها ونسمعها، أخبار وحوادث لم تسجلها عين الكاميرات ولم تلتقطها أجهزة رصد وتسجيل، إنما هي مما يتداولها الناس وينقلها أناس عن أناس وجيل عن جيل.


يمكن عد ما حدث في ملعب كرة القدم بمثابة استعارة قوية لمعضلة الحقيقة. فنحن نعيش في عصر نفخر فيه بقدرتنا على توثيق كل شيء، ومع ذلك نجد أنفسنا في حيرة من أمرنا أمام حدث بسيط، يصعب علينا الجزم فيه. وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل عن ماهية الحقيقة نفسها؟

في العصور القديمة، كانت الروايات الشفهية والنصوص المكتوبة بيد الصفوة، هي المصدر الوحيد للمعرفة، كانت الحقيقة تُنتج وتُخلق وتُصنع وتُختلق(كما الآن). كانت الحقيقة تُنقل من جيل إلى آخر، تتشكل وتتغير مع كل راوٍ، وتتأثر بالسياق الثقافي والسياسي والطبقي لكل عصر. فكيف لنا أن نتيقن من حقيقة معركة ما أو تفاصيل حدث ما؟


لقد تعامل الفلاسفة مع هذه المعضلة عبر التاريخ. من سقراط الذي قال "كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئاً"، إلى ديكارت الذي شكك في كل شيء ليصل إلى الكوجيتو: "أنا أفكر إذن أنا موجود". في عصرنا الحديث، طرح بودريار في كتابه المصطنَع والاصطناع فكرة "فرط الواقع" حيث أصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والمحاكاة.

ركلة الفاريز تذكرنا بأن الحقيقة المطلقة قد تكون مجرد وهم، وأن ما نعتبره حقيقة هو في الواقع تفسير للوقائع، يتأثر بخلفياتنا وتحيزاتنا وحدود إدراكنا. يقول نيتشة: لا وجود لحقائق، إنما هي تأويلات فقط.


كنا نظن أن التقدم التكنولوجي سيحل معضلة الحقيقة، لكنه زادها تعقيداً. فبينما منحتنا التقنية أدوات غير مسبوقة لتوثيق الواقع، فإنها في الوقت نفسه منحتنا القدرة على تزييف هذا الواقع بشكل يصعب كشفه. من تقنيات (Deepfake) إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحنا نعيش في عصر يمكن فيه تصنيع "حقائق" تبدو حقيقية تماماً.

وهكذا، فإن حادثة ركلة الفاريز تطرح أسئلة عميقة: هل ستأتي تقنية في المستقبل تحسم الجدل حولها؟ وإذا حدث ذلك، هل سنصدقها أم سنشكك فيها أيضاً؟


ربما الحقيقة في نهاية المطاف هي ما نتفق عليه كمجتمع. فحتى في القضايا العلمية، هناك نظريات تحظى بإجماع واسع لا لأنها "حقيقة مطلقة"، بل لأنها النموذج الذي يفسر الملاحظات بشكل أفضل في الوقت الحالي، بل أن حتى مبدأ السببية والذي ينهض العلم على أكتافه، وبعد الضربات التي أنهالت عليه وبخاصة على يد ديفيد هيوم والذي لم يستطع حتى كانط وبالرغم من ثورته الكوبرنيكية، من أن يبدد ذلك النقد؛ دفع بكارل بوبر إلى إعتبار مبدأ السببية ليس مبدأ إنما مجرد فرضية قد تُكذًب في يوم من الأيام.

في حالة ركلة الفاريز، قد لا نصل أبداً إلى اتفاق حول ما حدث بالضبط. البعض سيؤمن بشدة أنه لمس الكرة مرتين، والبعض الآخر سيكون متأكداً من أنها لمسة واحدة، والكثيرون قد يبقون في منطقة الشك.


لعل الدرس الأهم من هذه الحادثة هو ضرورة التواضع المعرفي. إذا كنا غير قادرين على الجزم بحقيقة حدث بسيط وقع أمام أعيننا، فكيف لنا أن ندعي امتلاك الحقيقة المطلقة حول قضايا أكثر تعقيداً؟

ربما علينا أن نتعلم العيش مع الشك، وأن نتقبل أن الحقيقة ليست دائماً أبيض وأسود، بل طيف من الرماديات. وأن نتذكر دائماً أن كل ما نعتقد أنه حقيقة مطلقة قد يكون مجرد تفسير محدود بزمننا وثقافتنا وقدراتنا الإدراكية.

في النهاية، قد تكون قيمة السعي وراء الحقيقة أهم من الوصول إليها، وقد يكون السؤال أثمن من الإجابة. ولعل ركلة الفاريز ليست مجرد حدث رياضي عابر، بل تذكير بأن الحقيقة، مثل الكرة، تراوغنا دائماً، وأن متعة المعرفة تكمن في المحاولة المستمرة للإمساك بها.



#عيسى_طاهر_اسماعيل (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقولات الفيثاغورية التجريد الملجم
- الكائن
- اللغم والحرية
- عقل ينتج وعقل ينبهر بإنتاج غيره!


المزيد.....




- ترامب ينشر سجلات اغتيال كينيدي.. إليك ما يجب معرفته
- ما هو الاتفاق الذي تهدد فرنسا بإلغائه مع الجزائر؟
- اليمن: الحوثيون ينفذون هجوما رابعا على حاملة طائرات أمريكية ...
- محمود خليل الطالب الفلسطيني بجامعة كولومبيا: أنا سجين سياسي ...
- خلال إفطار رمضاني في مسجد باريس الكبير.. وزير الخارجية الفرن ...
- اجتماع ثلاثي بالدوحة بين قطر ورواندا والكونغو الديمقراطية
- ترامب: استمرار النزاع في أوكرانيا كان سيؤدي إلى الحرب العالم ...
- أنصار الله يعلنون عن استهداف جديد لحاملة الطائرات الأمريكية ...
- الولايات المتحدة تكشف عن المجموعة الأخيرة من الملفات السرية ...
- كانت -رائعة- وناقشنا عدة قضايا بمافيها الطريق نحو السلام.. ت ...


المزيد.....

- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ
- حوار مع صديقي الشات (ج ب ت) / أحمد التاوتي
- قتل الأب عند دوستويفسكي / محمود الصباغ
- العلاقة التاريخية والمفاهيمية لترابط وتعاضد عالم الفيزياء وا ... / محمد احمد الغريب عبدربه
- تداولية المسؤولية الأخلاقية / زهير الخويلدي
- كتاب رينيه ديكارت، خطاب حول المنهج / زهير الخويلدي
- معالجة القضايا الاجتماعية بواسطة المقاربات العلمية / زهير الخويلدي
- الثقافة تحجب المعنى أومعضلة الترجمة في البلاد العربية الإسلا ... / قاسم المحبشي
- الفلسفة القديمة وفلسفة العصور الوسطى ( الاقطاعية )والفلسفة ا ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عيسى طاهر اسماعيل - ركلة ألفاريز، ركلة تقضّ مضجع الحقيقة