فتحي مهذب
الحوار المتمدن-العدد: 8266 - 2025 / 2 / 27 - 21:15
المحور:
الادب والفن
قصيدة "مطرزات من الغيوم الفاقعة" للشاعر التونسي فتحي مهذب
أولا
العنوان: استبطان الغيوم كرمز للخيال والاضطراب
يستدعي العنوان "مطرزات من الغيوم الفاقعة" صورةً تجمع بين التناقضات: المطرزات تشير إلى الزينة والنظام، بينما الغيوم الفاقعة توحي بالفوضى والعواصف العاطفية والفكرية. يبدو أن الشاعر يهيّئ القارئ لقصيدة تحفل بالمفارقات والتوترات الداخلية والخارجية.
ثانيا
بنية القصيدة: تداخل الحلم بالواقع
تتألف القصيدة من عدة مشاهد متلاحقة، يطغى عليها طابع السريالية والرمزية، حيث يتقاطع الحاضر مع الماضي، والذاتي مع الجماعي، والعادي مع الفانتازي. تُكتب بلغة تنحرف عن السرد التقليدي، وتغرق في تداعيات حرة تجمع بين الفلسفي والسياسي والتأملي.
ثالثا
الموضوعات الرئيسية
١ الحرب كرمز للفناء الداخلي والخارجي
تبدأ القصيدة بمشهد توقف الحرب، لكنه توقف مشوب بالسخرية، حيث تستمر تبعاتها المدمرة:
"قلبي رماد خالص
سكان مخيلتي الغامضون
ماتوا بطلق ناري مكثف"
هنا يتحول القلب إلى بقايا رماد، في إشارة إلى تأثير الحرب على الروح، بينما تصبح المخيلة ساحة قتال، مما يعكس الدمار النفسي الموازي للدمار المادي.
٢ الحيرة الوجودية وضياع المستقبل
يصور الشاعر المستقبل ككيان مبتور، ضحية لفوضى الحرب:
"المستقبل مقطوع اليدين
بفعل شظية طائشة"
في هذا التصوير المأسوي، يتحول المستقبل إلى كائن يعاني من الإعاقة، جالسًا أمام المقبرة، ما يشي بفقدان الأمل والإحساس بانسداد الأفق.
٣ الزمن والندم في مرآة الشيخوخة
في المقطع الذي يتحدث عن المتقاعدين، يتحول الزمن إلى ثقل يجلب الندم:
"المتقاعدون كثر
يحملون سلالا مثقوبة
يتساقط منها كم هائل من الندم"
هنا، يتخذ الزمن بُعدًا ملموسًا، حيث تصبح السلال المثقوبة رمزًا لفقدان الذكريات وانسكابها المستمر، ما يعكس عبثية الحياة واللاجدوى.
٤ الأب كملاذ ضوئي وسط العالم المظلم
يظهر الأب كمصدر للدفء والضوء، مقابل عالم مليء بالمخاطر:
"كان أبي محيطا من الضوء والحنان
كلما عانقنا
نتحول إلى أسماك تتدافع
في مائه الأبدي"
يمثل الأب هنا سلطة الأمان والاحتواء، في مقابل الخارج الذي يعج بـ"شباك الصيادين"، أي الأخطار المحدقة.
٥ قوة الإنسان في مواجهة العدمية
يصل الشاعر إلى خلاصة وجودية تتعلق بالقوة المفروضة على الإنسان في مواجهة العبث:
"(كم نحن مجبرون أن نكون أقوياء)"
ويتابع تصوير محاولات مواجهة الفوضى والقلق اليومي بأفعال رمزية مثل "طرد الأشباح من الكلمات المعتمة" و"إطعام النهار مزيدًا من كعك أعصابنا"، ما يشير إلى الدور الذي يلعبه الإبداع والمقاومة في مواجهة قسوة الواقع.
رابعا
الأسلوب واللغة: بين السريالية والتكثيف الرمزي
يستخدم فتحي مهذب لغة قائمة على المفارقة والصور المركّبة، حيث يخلق تضادات حادة بين الضوء والظلام، الحياة والموت، الفوضى والنظام. كما أن توظيف السريالية (مثل الطائرات التي تختفي في جيوب المستذئبين) يمنح النص طابعًا حلُميًّا، يقترب من عوالم الشعراء الفرنسيين مثل أرثر رامبو وبول إيلوار، وكذلك شعراء العربية المحدثين مثل أنسي الحاج وأدونيس.
خامسا
التأثرات الأدبية والفكرية
يمكن ملاحظة تأثر فتحي مهذب بعدة مدارس ومذاهب أدبية وفكرية:
السريالية:
يظهر التأثير السريالي بوضوح في الصور غير المنطقية والتداخل بين الحلم والواقع، كما نجد عند رامبو وأندريه بريتون.
الوجودية:
الفكرة الأساسية حول العبث والقلق الوجودي تتلاقى مع أطروحات ألبير كامو وجان بول سارتر.
الشعر العربي الحديث:
نجد صدى من تجارب أدونيس في المزج بين الفلسفة والرمزية، وكذلك التأملات العميقة حول الزمن والموت عند محمود درويش.
الصوفية
: يظهر في بعض المقاطع تأثر بالنزعة الصوفية كما في الإشارة إلى "روح بوذا"، حيث يمكن ربطها بمفهوم الفناء الصوفي في الوجود.
ختاما قصيدة تغزل مأساة الإنسان المعاصر
تشكل "مطرزات من الغيوم الفاقعة" لوحة شديدة الكثافة والثراء الرمزي، تعكس رؤى الشاعر للعالم بوصفه مكانًا تتصارع فيه التناقضات بشكل مأساوي. القصيدة تحمل بصمة شعرية خاصة، تمزج بين العدمية والتمرد، وبين الحزن العميق والتوق إلى الخلاص، ما يجعلها شهادة شعرية على قلق الإنسان في زمن معاصر مليء بالفوضى واللايقين.
مطرزات من الغيوم الفاقعة.
- الحرب توقفت
بعد قتال دموي بين ذئاب المتناقضات
كذلك سرب المسيرات الإنقضاضية
التي تأتي من جنوب القلق اليومي
قلبي رماد خالص
سكان مخيلتي الغامضون
ماتوا بطلق ناري مكثف
المستوطنون
سقطوا من شباك الطائرة
إحتجاجا على توقف الحرب
الطائرات إختفت في جيوب المستذئبين
المستقبل مقطوع اليدين
بفعل شظية طائشة
يجلس وحيدا
أمام باب المقبرة
يرمق آثار أقدام الموتى
يهطل مطر غزير من الهذيان
الحرب إلتهمت ديكور السعادة
الكثير من شجر التفكير الفلسفي
الكثير من عنب الكينونة
وكستناء الضوء
أجلس على مقعد وحيد
في ممر الحظ المتعثر
أحصي عدد القتلى
الذين دفنوا في حديقة رأسي
عقلي الباطن يتكلم بفصاحة
وأنا أصغي إليه
مثل أحد الممسوسين
أو أحد الفانين في روح بوذا
***
المتقاعدون كثر
يحملون سلالا مثقوبة
يتساقط منها كم هائل من الندم
ريش العمر المتناثر
يكلمون أنفسهم بهدوء تام
وعيونهم مرفوعة إلى السماء
يتأملون فلاسفة الريبة
وهم يعبرون أفق الهواجس
ينظرون إلى بعضهم بعضا
بعيون من الكلمات الحزينة
الدموع سمك ذهبي
يتلألأ في محاجرهم.
***
كان أبي محيطا من الضوء والحنان
كلما عانقنا
نتحول إلى أسماك تتدافع
في مائه الأبدي
بينما العالم
مليء بشباك الصيادين
بالقتلة والمشعوذين
بالغيلان المترصدة في محطة النهار
كنت أنا السمكة الكبرى
السمكة
التي يطاردها قارب مليء بالمجانين والمتصوفة
وحين تتمأزق
تتحول إلى أخطبوط ماكر
يطلق لونا رماديا غامقا
فلا تنتبه إليه عيون التتار والمغول.
***
كلما ألاقي أحد أصدقائي القدامى
أتسلق قامته إل آخر غصن
لأعثر على فراشات طفولتي الضائعة
أو أدخل في عينيه
لأسحب مترين من الذكريات الحلوة
أتملى قطار العاشرة ليلا
وهو يختفي في أدغال مخيلته
بسحب داكنة من المسافرين.
***
(كم نحن مجبرون
أن نكون أقوياء)
نضع الضحك في أكياس شفافة
ثم نمنحها للأرامل والمنتحرين
نطرد الأشباح من الكلمات المعتمة
نطعم النهار مزيدا من كعك أعصابنا
مسلحين ببنادق صيد
لقتل ثعالب القلق اليومي
لا يهم أن يكون النهار
مليئا بالمتآمرين
باللصوص والمرتزقة
الله يتبعنا بغلالة من النور الفاقع.
***
#فتحي_مهذب (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟