أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - هذا ما كتبه هيرودوت عن بابل القديمة















المزيد.....


هذا ما كتبه هيرودوت عن بابل القديمة


عضيد جواد الخميسي

الحوار المتمدن-العدد: 8266 - 2025 / 2 / 27 - 18:17
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لقد تم التشكيك في دقة وصف المؤرخ اليوناني "هيرودوت" (عام 484-425/413 قبل الميلاد) لبابل والعادات البابلية في كتابه "التاريخ" لفترة طويلة، لأنه يفتقر إلى الدقة؛ مما دفع بعض العلماء إلى رفض الكتاب بمجمله باعتباره خيالاً أكثر منه حقيقة. ومع ذلك، فإن هذا الرفض لكتاب "التاريخ" ينبع من تطبيق المعايير التاريخية الحديثة على مؤرخ قديم، وبالتالي فإن هذا السلوك هو غير عادل وغير منطقي .
كان هيرودوت روائياً كبيراً للقصص، وحريصاً على سرد قصة مقنعة بقدر ما كان حريصاً على الالتزام بالتفاصيل الحقيقية، وذلك تماشياً مع الممارسات المتبعة في عصره. ويبدو من الواضح بشكل متزايد، واستناداً إلى الأدلة الأثرية والمدونات المسمارية القديمة ؛على أن بابل التي ذكرها هيرودوت في كتابه " التاريخ " تختلف عن المدينة القديمة الفعلية في عصره، ولكن هذا لا يعني أن وصفه لها غير دقيق تماماً ، كم ليس من المعقول أن نتجاهل الكتاب بأكمله بسبب بعض التفاصيل المغلوطة التي أوردها عن بابل .

هيرودوت والتاريخ القديم
إن كل مؤرخ قديم يمكن أن يُتهم بنوع من المبالغة أو عدم الدقة، لكن يبدو أن قِلّة قليلة من المؤرخين الذين يتعرضون لهذا النوع من الانتقاد القاسي والموجه باستمرار إليهم من أمثال هيرودوت. فعلى سبيل المثال، يقدم "ديودوروس" الصقلّي (توفي مابين عام 90 إلى عام 30 قبل الميلاد) وصفاً مطولاً عن حياة "الملكة سميراميس" ، وهو وصف يُفهَم على أنه أسطورة بالكامل تقريباً، بيد أن الجزء الأكبر من النّص لا يزال مقبولاً بدرجة من الدقّة إلى حد ما. ولا شك بصورة عامّة ؛ في أن التفاصيل التي لا يمكن دعمها بنصوص أخرى أو بأدلة أثرية قاطعة يجب أن لايعوّل عليها ؛ ولكن من الخطأ قراءة مؤلفات المؤرخين القدماء في ضوء معايير التاريخ الحديثة.

كانت القصص التي تتناول أحداث الماضي بالنسبة للجمهور القديم تدور حول مجمل الحقائق، ولكن ليس بالضرورة هي الحقائق الكاملة. حيث كان الكتّاب المصريون في المملكة الوسطى (عام 2040-1782 قبل الميلاد) الذين كتبوا عن الفترة الانتقالية الأولى (عام 2181-2040 قبل الميلاد) باعتبارها فترة مظلمة من الأحداث العسيرة والفوضى؛ يبالغون عمداً في تزييف أحداث الماضي لتسليط الضوء على استقرار حاضرهم . وقد أظهرت الأدلة الأثرية بوضوح أن الفترة الانتقالية الأولى لم تكن عهداً مضطرباً بالكامل وفق ما كتبه المدونون القدماء، لكن رواياتهم كانت تتوافق مع فترة من عدم الاستقرار والتغيير وعدم اليقين .
نلاحظ نفس هذا النموذج في أدب نارو لبلاد الرافدين ، حيث تظهر شخصية حقيقية مثل الملكين "سرگون الأكدي" (عام 2334 ـ 2279 قبل الميلاد) أو "نارام سين" (عام 2261 ـ 2224 قبل الميلاد) في قصص أحداث خيالية. وقد لا تتوافق هذه الحقائق مع ما يفهمه العلماء المعاصرون على أنها تاريخ، لكنها قد تنقل إلى الجمهور القديم لبعض المفاهيم الثقافية أو الدينية المهمة التي كانت قد مورست بالفعل .
وعلى نفس المنوال، كتب هيرودوت عن عظمة بابل وبعض عادات أهلها الغريبة أو المزعجة (بالنسبة له). وربما أن هيرودوت لم يكن قد زار بابل بنفسه ، بل من المحتمل أنه اعتمد على معلومات من مصادر ثانوية قد ألهمته بصفته كاتب روائي . وكان الفصل المكتوب عن بابل هو واحد من أكثر المؤلفات إقناعاً عن المدينة التي لا تزال قائمة. غير أن هذا الوصف لا يتوافق جزئياً مع بعض الآثار التي عُثر عليها في العصر الحديث أو مدوّنات بلاد الرافدين القديمة، لكنه يُعدّ رؤية ثاقبة حول الكيفية التي نظر بها كاتب يوناني من القرن الخامس قبل الميلاد إلى ثقافة الشرق الأدنى .
لقد تعرضت رواية هيرودوت البابلية لانتقادات عديدة في العصر الحديث، بما في ذلك المقطع(178) في وصف المدينة ، والمقاطع (189ـ191) عن سقوط بابل في يد الملك الاخميني "كورش الثاني" (عام 550 ـ 530 قبل الميلاد)، ولكن أولئك الذين يجدون الأخطاء في هذا الفصل بشكل عام يركزون عادة على المقاطع (192ـ200)، وخاصة المقطع (199) الذي يأتي على ذكر "الدعارة المقدسة". حيث لا يوجد دليل على أي ممارسة من هذا القبيل كما يصفها هيرودوت في الشرق الأدنى، ناهيك عن بابل . وبالتالي شجع هذا المقطع بعض العلماء المعاصرين على رفض العمل بأكمله. ومع ذلك، كما يشير البروفيسور "ڤوتر هنكلمان" وآخرون :
"إن عمل هيرودوت ليس وصفاً علمياً من نوع القرن الحادي والعشرين، والذي يمكن قراءته ببساطة باعتباره تاريخاً . بل إنه في واقع الأمر تحفة أدبية تكشف عن التصوّر اليوناني للأمور أكثر بكثير من التي تكشف عن نفسها ." (ص465)
ويبدو من المعقول أن نأخذ هذا النهج في التعامل مع عمل هيرودوت بعين الاعتبار، ونقدّره لما يقدمه بدلاً من رفضه تماماً بسبب عدد من المقاطع ، أو بسبب المقطع (199) فقط في بعض الحالات .

النّص
المقاطع التالية مقتبسة من كتاب "التاريخ ـ الفصل الأول" لمؤلفه المؤرخ هيرودوت ، ومترجمه البروفيسور " روبرت . ب. ستراسلر" :

(1ـ 192): "أما عن موارد البابليين ومدى عظمتها، سوف أوضّح ذلك بأدلة أخرى عديدة من بينها؛ لتمويل الملك العظيم وجيشه، وبصرف النظر عن مقدار الضريبة المنتظمة، تم تقسيم كل الأرض التي يحكمها إلى قطاعات. الآن بينما تمضي اثني عشر شهراً لتكوين السنة، فإنه يحصل على تمويله لمدة أربعة شهور من أراضي بابل، و الأشهر الثمانية المتبقية من بقية آسيا بالكامل . وبالتالي فإن أرض آشور فيما يتعلق بالموارد هي ثلث آسيا بأكملها. والحكومة أو الساتراپية كما يطلق عليها الفرس؛ فإن هذه المنطقة هي الأفضل على الإطلاق من بين جميع أراضي الحكومات؛ حيث عندما حصل تريتانتائخمز ابن أرتابازوس (أرتاباز ابن عم الملك الأخميني دارا الأول) على هذه الأرض من الملك ؛كان يأتي إليه كل يوم بـ أرتاب ممتلئ بالقطع الفضية ( الأرتاب هو مقياس فارسي). وكان يملك في هذه الأرض من الخيول ما لا يقل عن ثمانمائة حصان وستة عشر ألف فرس، وكان كل حصان يخدم عشرين فرساً. وكان يُربّى عدد هائل من كلاب الصيد الهندية ؛ حتى أن أربعة قرى كبيرة في المنطقة خالية من الأعمال الأخرى، تم تخصيصها لتوفير الطعام للكلاب ."

(1ـ193): "هكذا كانت الثروة التي كانت لحاكم بابل . فهي ليست مثل أرض الآشوريين فلا تهطل عليها إلا أمطار قليلة. وهذا القليل يغذي جذور القمح، لكن المحصول ينضج وتنمو السنابل بمساعدة الرّي من النهر، وليس كما في مصر عن طريق صعود ماء النهر نفسه فوق الحقول، بل يُروى المحصول باليد أو بالدلاء المتدلية من عجلة [ الناعور]. لأن كل أراضي بابل مثل مصر مقطعّة إلى قنوات، وأكبر هذه القنوات صالحة لملاحة المراكب . وتمتد في اتجاه شروق الشمس في الشتاء من الفرات إلى نهر آخر، وهو نهر دجلة، الذي تقع على ضفافه مدينة نينوى . إن هذه المنطقة هي من بين كل ما نعرفه عن أفضل المناطق لإنتاج الذرة. أما بالنسبة للأشجار، فهي لا تحاول حتى زراعتها ، سواء كان بالتين أو العنب أو الزيتون، لكنها لإنتاج محصول الذرة الجيدة جداً؛ لدرجة أنها تعطي بما يصل إلى مائتي ضعف في المتوسط . وعندما تنتج في أفضل حالاتها فإنها تنتج ثلاثمائة ضعف. كما تنمو سنابل القمح والشعير هناك حتى يصل عرضها إلى أربعة أصابع كاملة؛ وأنا أعلم بحجم الشجرة التي تنمو من الدخن وبذور السمسم، لكنني لن أدوّن ذلك، لأنني أدرك جيداً أنه حتى الذي قيل حقاً عن مقدار المحاصيل كان كافياً لإثارة عدم التصديق لدى أولئك الذين لم يزوروا أرض بابل قط . إنهم لا يستخدمون زيت الزيتون، بل يستخدمون فقط ما يصنعونه من بذور السمسم . ولديهم أشجار نخيل تنمو على كل الأرض، ومعظمها تحمل ثماراً، و التي يصنعون منها طعاماً صلباً وخمراً وعسلاً. ويتعاملون مع هذه الأشجار بنفس الطريقة التي يتعاملون بها مع أشجار التين، وخاصة أنهم يأخذون ثمار تلك النخيل التي يسميها اليونانيون النخيل الذكور، ويربطونها على النخيل الحاملة للتمر، حتى تدخل ذبابة العفص في التمر وتنضجه ، ولا تسقط ثمرة النخلة؛ لأن النخلة الذكر تنتج ذبابة العفص في ثمرتها تماماً كما يفعل التين البرّي ."

(1ـ194): "ولكن أعظم عجائب كل الأشياء في البلاد بعد المدينة نفسها، في رأيي هي التي سأخبرك عنها؛ حيث إن مراكبهم، أعني تلك التي تنزل النهر من بابل، مستديرة وكلها من الجلد؛ لأنهم يصنعون لها أضلاعاً من شجر الصفصاف الذي يجلبونه من أرض الأرمن القاطنين أعلى أرض الأشوريين، و يمددون حولها الجلود التي تعمل كغطاء خارجي عن طريق الهيكل، ولا يجعلون المؤخرة عريضة ولا يجعلون المقدمة ذات حافّة ، بل يجعلون المراكب مستديرة مثل الدرع . بعد ذلك يحزمون المركب بالكامل بالبردي لكي يسير في النهر ممتلئاً بالبضائع. وفي معظم الأحيان تحمل هذه المراكب براميل من خشب النخيل مملوءة بالخمر والبيرة. كما يتم الحفاظ على المركب مستقيماً بواسطة مجدافين للتوجيه ، و رجلين يقفان منتصبين في وسطه، حيث الرجل الأول يسحب مجدافه للداخل بينما يدفع الرجل الثاني مجدافه إلى الخارج. هذه المراكب مصنوعة من أحجام كبيرة جداً وأصغر أيضاً، وأكبرها تحمل حمولة تصل إلى خمسة آلاف وزن؛ وفي كل منها حمار حيّ، وفي تلك التي هي أكبر منها عدة حمير. وعندما يصلون إلى بابل في رحلتهم ويتخلصون من حمولتهم، يبيعون بالمزاد أضلاع المركب وكل البردي، لكنهم يحزمون الجلود على حميرهم و يقودونها إلى أرمينيا ؛ لأنه من غير الممكن الإبحار على طول مجرى النهر بأي حال من الأحوال، بسبب سرعة التيار؛ ولهذا السبب يصنعون مراكبهم ليس من الخشب فحسب ولكن مع الجلود أيضاً . ثم عندما يعودون إلى أرض الأرمن، ويقودون حميرهم معهم؛ يصنعون مراكب جديدة بنفس الطريقة."

(1ـ 195): تلك هي مراكبهم ؛ أما زيّهم فهم يرتدون لباس من الكتّان يصل إلى أقدامهم. ويرتدون فوقه لباس آخر من الصوف، ويضعون على أكتافهم شالاً أبيضاً. وأحذيتهم بتصميم محلّي...و يطيلون شعورهم ويلفّونها حول رؤوسهم بعمامة. كما يعطرون أجسادهم كلها. ولدى كل رجل خاتم وعصا منقوشة ، وكل عصا تحمل نقشاً مميزاً (نخلة، أسد، ثعبان، نسر) أو شيء من هذا القبيل. ومن غير المألوف أن يكون لأحدهم عصا غير مزخرفة ."

(1ـ 196): "كانت تلك هي حاجاتهم الجسدية، والعادات التي استقروا عليها بينهم ، وأحكمها في رأينا هي تلك التي علمت أن أهل إينيتوي في إيليريا ( شمال مقدونيا) يتبعونها أيضاً. وهي على النحو التالي : يتم تجميع الفتيات الشابات المؤهلات للزواج مرة واحدة في كل سنة ، ومن كل القرى المحيطة في مكان واحد . في حين يقف الرجال حولهن على شكل حلقة . ثم يدعو المنادي النساء الشابات الواحدة تلو الأخرى ويعرضهن للبيع بدءاً مع أجملهن . ويتم بيعهن بسعر مرتفع، ويكون مزاد البيع واسعاره حسب درجة الجمال للفتيات المعروضات ، وكانت كل فتاة بالتالي زوجة لمن دفع ثمنها .
البابليون الأثرياء كانوا يتنافسون فيما بينهم لنيل أجمل الفتيات ، وتصل أسعار المزايدة إلى حدود مرتفعة ليحرموا أقرانهم من الطبقات المتوسطة والفقيرة بالفوز بفتاة فائقة الجمال أو حتى متوسطة الجمال. وفي المحصلة فانهم يتقبلون غير الجميلات منهن بأمل الحصول على التعويض النقدي من ذويهّن في محاولة تسوية الأمر. فقد كان مسموحاً لكل من يرغب أن يأتي من القرى البعيدة والدخول في مزاد النساء. وكان هذا هو أفضل أعرافهم . كما لم يكن مسموحاً لأحد أن يزوّج ابنته لمن يريد، ولا أن يأخذ الفتاة بعد شرائها دون كفيل؛ لأنه كان لزاماً على الرجل أن يقدم كفلاء ليتزوجها، قبل أن يأخذها بعيداً. وإذا لم يتفقا معاً، كان القانون ينص على أنه يجب عليه ردّ المال. كانت تلك هي عادتهم الأكثر عفّة ؛ ولكنها الآن قد تلاشت ولم تعد تمارس . ولكن النساء وجدن منذ وقت قريب طريقة أخرى، حتى لا يعاملهن الرجال معاملة سيئة أو يصطحبوهن إلى مدينة أخرى ؛ فمنذ زمن الغزو الذي كان فيه الناس مضطهدين ومدمرين، كان كل فرد من عامة الناس عندما يبحث عن سبيل للمعيشة يتاجر مع بناته الإناث في البغاء ."

(1ـ 197): "وبعد ذلك في حكمة الزواج ، هناك عادة أخرى راسخة لديهم: إنهم يحملون المرضى إلى الأسواق؛ لأنهم لا يستعينون بالأطباء. فيأتي الناس إلى المريض ويقدمون له المشورة بشأن مرضه، إذا كان أي شخص قد عانى من مرض مثل ما عانى منه ذلك المريض، أو رأى شخصاً آخر مصاباً بنفس المرض؛ يقترب منه ينصحه ويوصيه بالطرق والوسائل التي تخلص بها من المرض المماثل ، أو رأى شخصاً آخر قد تعافى منه. ولا يُسمح لأحد بالمرور على المريض بصمت، ولا حتى لمن لا يسأل عن مرضه."

(1ـ198): " انهم يدفنون موتاهم في العسل، وطرق رثائهم مماثلة لتلك المستخدمة في مصر. وكلما مارس رجل بابل الجنس مع زوجته، يجلس بجانب البخور المقدَّم، وتفعل زوجته الشيء نفسه على الجانب الآخر، وعندما يكون الصباح، يغتسلان كلاهما، لأنهما لا يلمسان أي إناء حتى يتطهرّا. والعرب يفعلون الشيء نفسه مع هذا الأمر."

(1ـ199): "إن أكثر عادات البابليين خزياً هي كما يلي: يجب على كل امرأة في البلاد أن تجلس في باحة أفروديت (عشتار) مرة واحدة في حياتها وتتعاطى الجنس مع رجل غريب؛ والعديد من النساء اللاتي لا يودّن الاختلاط مع البقية، لأنهن متعجرفات بسبب ثرائهن . يذهبن إلى المعبد مع زوجين من الخيول في عربات مغطاة، لنفس الغاية ، ويتبعهن عدد كبير من خادماتهن؛ لكن العدد الأكبر يفعلن ذلك في الباحة المقدسة لأفروديت ؛ حيث تجلس أعداد كبيرة من النساء مع إكليل ملفوف حول رؤوسهن؛ بعضهن يأتي وبعضهن يذهب. وهناك مسالك في خطوط مستقيمة حيث النساء في كل اتجاه، يسلكها الغرباء ويختاروا إحداهن. هنا عندما تجلس الفتاة لا تغادر منزلها مرة أخرى حتى يلقي أحد الغرباء قطعة فضية في حضنها ويضاجعها خارج المعبد، وبعد الانتهاء يجب أن يقول هذه الكلمات فقط: (لقد طلبتكِ باسم الإلهة ميليتا). والآن ميليتا هو الاسم الذي أطلقه الآشوريون على أفروديت (عشتار). ويمكن أن تكون القطعة الفضية ذات قيمة؛ ومهما كانت، فليس من حقها أن ترفضها، لأن هذا غير قانوني . حيث أن هذه العملة مقدسة بموجب هذا الفعل. وتتبع الرجل الذي ألقى بها في حضنها أولاً ولا ترفضه. بعد ذلك تغادر إلى منزلها، بعد أن أبرت بنفسها وأدّت واجبها تجاه الإلهة. ولن يتمكن أحد من بعد ذلك من تقديم لها أي هدية كبيرة بقصد أن ينالها. لذا فإن كل فتاة مهما بلغت من الجمال والمكانة يتم تحريرها بسرعة، و العنيدات منهن يبقن أسيرات هناك في المعبد لفترة طويلة، لأنهن غير قادرات على الوفاء بالقانون؛ فبعضهن يمكثن ثلاث أو أربع سنوات. وفي بعض أجزاء من قبرص أيضاً توجد عادة مماثلة لتلك ."

(1ـ200): "هذه العادات راسخة عند البابليين، حيث هناك ثلاث قبائل منهم لا تأكل إلا السمك، وعندما يصطادونه ويجففونه في الشمس . يفعلون ذلك ثم يلقون به في سائل ملحي، ثم يسحقونه بالمدقات وينقّونه بقماش مشبّك من الكتّان ، ويأكلونه إما معجوناً في كعكة طرية، أو مخبوزاً مثل الخبز، حسب رغبتهم ."

(( إنتهى النّص))

لقد ثبت خطأ هيرودوت فيما يتصل بمزاعمه عن البغاء المقدس، حيث إن المقطع (199) قد وصف بابل كمدينة للانحلال الجنسي بدلاً من تقديم صورة واضحة و مشرقة كمركز ثقافي وديني و تجاري عظيم . كما أخطأ في ادعائه في المقطع (197) ؛ في أن بابل ليس فيها أطبّاء وعناية صحية لمواطنيها ، في حين أن ممارسة الطب في بلاد الرافدين القديمة كانت راسخة ومعروفة.
من جانب آخر؛ لابد أن نشير أيضاً إلى أن بعض التوصيفات التي وردت في كتاب هيرودوت عن بابل قد تتطابق مع الحقائق الفعلية دون مبالغة كبيرة كما في المقطع (194) حول صناعة القوارب والسفن المحلية ، والتي الى زمن ليس ببعيد كانت تُصنع تلك القوارب في أنحاء العراق خلال العقود الأولى من القرن العشرين المنصرم والمسمّاة بـ " الگُفّة"؛ بنفس طريقة صناعة البابليين لها مع بعض الاختلافات الطفيفة. وهذه الحقيقة التي بالتأكيد لايدركها علماء التاريخ الغربيين عند وضع المقارنات ؛ لأنهم ينظرون إلى طبيعة الأشياء بما يتوافق مع مفاهيمهم وتاريخهم الأوروبي والغربي بشكل عام دون التعمق بدراسة طبيعة وثقافة وعادات وتقاليد الشعوب المشرقية في العصر الحديث ، ذلك بسبب افتقارهم لبوصلة المعرفة عن ترابط ثقافة تلك الشعوب مع واقعها في التاريخ القديم ..



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هيرودوت ـ التاريخ ـ تنقيح وترجمة (روبرت . ب. ستراسلر) ـ ڤنتج للطباعة والنشر ـ 2009 .
آلان رايان ـ تاريخ الفكر السياسي: من هيرودوتس إلى الوقت الحاضر ـ لايڤرايت للنشر ـ 2020 .
گيريدين جونكر ـ تضاريس الذكرى: الموتى والتقاليد والذاكرة الجماعية في بلاد الرافدين ـ برل للنشر ـ 1995 .
مارك ڤان دي ميروب ـ تاريخ الشرق الأدنى القديم ـ ويلي بلاكويل ـ 2015 .



#عضيد_جواد_الخميسي (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شخصية هرقل في الأساطير اليونانية والرومانية
- بطل ملحمة گلگامش بين الحقيقة والأسطورة
- نرگال (مسلامتيا) إله الموت والحرب والدمار
- الكريسماس عبر التاريخ
- قصة اكتشاف الأشعة السينية (X)
- طقوس الشاي في الصين واليابان القديمتين
- هنود السهول الأصليين في أمريكا
- ليلة السكاكين الطويلة
- ديانة المايا: النور الذي أتى من البحر
- الموت وحياة الآخرة في بلاد فارس القديمة
- الفينيقيون شعب أرجواني
- عنخ رمز بلاد النيل
- دعوى قضائية لعبد يهودي أمام محكمة بابلية
- نينهورساگ الإلهة الأم في الأساطير السومرية
- العقيدة البوذية في نشوئها وفلسفتها
- نظام التعليم في بلاد الرافدين القديمة
- الدفن في بلاد الرافدين القديمة
- كذبة أفلاطون في الروح
- الأزياء والملابس في بلاد الرافدين القديمة
- الفنّ والعمارة في بلاد الرافدين


المزيد.....




- الكوارث الجوية تتوالى في أمريكا.. مشاهد مرعبة لأبرز حوادث ال ...
- قطاع غزة : متطوعون يحولون صناديق المساعدات إلى فوانيس رمضان ...
- إيمي غليسون... تعويذة لإخفاء هيمنة إيلون ماسك على الإدارة ال ...
- انفجارات تهز اجتماعاً لقادة متمردي حركة -23 مارس- في الكونغو ...
- ما سبب المطالبة بإيقاف تصوير مسلسل -قيصر- السوري قبيل بداية ...
- تحذير من -إثارة الخوف- للترويج لاختبارات صحية دون ذكر أضراره ...
- تحقيق للجيش الإسرائيلي يشير إلى إساءة التقدير بشأن هجوم ال ...
- خبير عسكري مصري يكشف لـ RT عن تحرك للقاهرة إذا لم تنسحب إسرا ...
- -رويترز-: اتفاق المعادن المحتمل بين واشنطن وكييف لا يحتوي ضم ...
- رئيسة مجلس الاتحاد الروسي تنقل رسالة شفهية من بوتين إلى أردو ...


المزيد.....

- الانسان في فجر الحضارة / مالك ابوعليا
- مسألة أصل ثقافات العصر الحجري في شمال القسم الأوروبي من الات ... / مالك ابوعليا
- مسرح الطفل وفنتازيا التكوين المعرفي بين الخيال الاسترجاعي وا ... / أبو الحسن سلام
- تاريخ البشرية القديم / مالك ابوعليا
- تراث بحزاني النسخة الاخيرة / ممتاز حسين خلو
- فى الأسطورة العرقية اليهودية / سعيد العليمى
- غورباتشوف والانهيار السوفيتي / دلير زنكنة
- الكيمياء الصوفيّة وصناعة الدُّعاة / نايف سلوم
- الشعر البدوي في مصر قراءة تأويلية / زينب محمد عبد الرحيم
- عبد الله العروي.. المفكر العربي المعاصر / أحمد رباص


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - هذا ما كتبه هيرودوت عن بابل القديمة