صباح حزمي الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8265 - 2025 / 2 / 26 - 22:01
المحور:
الادب والفن
مقامة عجوز الشتاء :
يقول محمود درويش في حضرة الغياب : (( وللحنين فصل مدلل هو الشتاء , يولد من قطرات الماء الأولى على عشب يابس , فيصعد زفرات استغانة أنثوية , عطشى إلى البلل ,وعدٌ بزفاف كوني هو المطر, وعد بانفتاح المغلق على الجوهر, وحلول المطلق في ماهيّاتٍ , هو المطر)) .
قد تكون مفردات (( برد العجوز, والچلة الخرسة , وجويريد )) لاتعني شيئا لجيل اليوم , ولكنها بحد ذاتها تشكل عمقا تاريخياً يمتد لآلاف السنين , وقد يتصور البعض إن ( برد العجوز) هي حكاية من الأدب الشعبي المعاصر الذي لايتجاوز المائة عام أو أكثر لكن الحقيقة عكس ذلك , لأن هذه الحكاية قديمة جدا تعود بأصولها إلى العصر الأكدي , ومفادها إن إمرأة عجوز أرادت الزواج بعد وفاة زوجها , فكره ذلك أولادها , وإشترطوا عليها من أجل الموافقة المبيت سبع ليالي في العراء , فماتت هذه المرأة دون تحقيق رغبتها , ومن الحكاية يمكن معرفة إن أيام البرد هي سبعة وهي تقريباً في نهاية فصل الشتاء , أما ((الچلة الخرسة)) فهي أشد أيام الشتاء بردا , وهي مأخوذة من (الچلة) هذه العادة التي تعود إلى السومريين حيث كانوا يعتقدون أن روح الميت تبقى بين أهله وتطوف حول منزله أربعين يوما ثم ترحل الى السماء , أما بخصوص (جويريد) فقد جاءت من تجرد الشجر من الاوراق والثمر لشدة البرد وقساوته .
ينتعش (( برد العجوز)) مع نهاية شهر شباط , حيث تشهد الأيام الأخيرة من الشهر هبوب الرياح القوية والبرد بعد فترة من الدفء , ويعتقد الناس خلال هذه الفترة أن الشتاء قد رحل , وأن الدفء قد حل , لكن يباغتهم البرد مجددًا دون سابق إنذار , تُعرف تلك الأيام بـ ((بيّاع عباته)) في بعض مناطق الخليج , حيث يُستخدم هذا التعبير كناية عن الشخص الذي يبيع عباءته ظنًا منه بنهاية موسم البرد , أو بـ ((أيام الحسوم)) في بعض الأوساط العربية, وهي الأيام التي تمثل الفاصلة بين البرد والحر , وتُعرف أيضًا بـ (( برد الشولة)) لدى أهل الزراعة , حيث تشير ((الشولة )) إلى أحد نجوم العقرب.
هناك مايدعى بالأيام المستقرضات أو أيام العجائز , وهي 7 أيام , أربعة منها آخر شهر شباط , وثلاثة في بداية شهر آذار , تتميز بشدة البرد , وتعود قصة هذه الأيام بحسب الموروث الشعبي , إلى عجوز لديها ستة أغنام , خرجت ترعى بها في أحد الأودية خلال الأيام الأواخر من شهر شباط ولم تهطل خلالها الأمطار وكان الجو صافياً ودافئاً وبدأت تردد (( فات شباط الخباط وما أخذ مني لا نعجة ولا رباط , وضربنا على ظهره بالمخباط )) , والمخباط عبارة عن قطعة خشبية كان القدماء يستخدمونها لتنظيق الصوف , وتقول القصة المتوارثة , أن شهر شباط غضب من كلماتها وأحس بالإهانة , وذهب لأخيه شهر آذار واستنجد به من العجوز فقال (( يا أخوي يا آذار ثلاثتك مع أربعي نخلي العجوز بالسيل تقرعي )) , وتفسير هذه العبارة ان شباط طلب من شهر آذار 3 أيام يجمعها مع 4 أيام منه تهطل خلالها الأمطار بغزارة ويزداد البرد, مما يؤدي الى أن تسيل الأودية وتجرفها العجوز وأغنامها )) .
تدّعي قصة خمسينية الشتاء و(( السعودات )) بحسب التراث الشعبي أن الأمطار هطلت بغزارة خلال هذه الأيام المستقرضات , وسالت الأودية وجرف السيل أغنام العجوز, وبدات العجوز تصرخ وتقول : (( يا سيل درجهن على مهلهن معاشير ليرمن بهمهن)) , والمقصود أن العجوز بدأت بالصراخ حزناً على أغنامها التي جرفها السيل وكانت في موسم التكاثر. ويطلق على هذا الموسم أيضا اسم (( بياع الخبل عباته )) , وهو يأتي بعد حالة دفء خادعة يظن خلالها الناس أن البرد قد انصرف , إلا أنه يعاود هجمته مجدداً ببرودة شديدة , وسبب هذه التسمية أن الناس في السابق كانوا يبيعون العباءة خلالها ويفاجأون بعودة البرد مجددا, ويتزامن الموسم مع نهاية فصل الشتاء ومطلع فصل الربيع.
ويذهب آخرون إلى أن سبب تسمية ((برد العجوز)) تعود إلى أن عجوزاً أحست بالدفء فجزت صوف غنمها, ثم رجع البرد , ما أدى الى نفوق كل الأغنام , وقيل لأن برده يؤثر في كبار السن والعجائز دون الفتيان , وقيل لأنه يأتي في عجز الشتاء أي آخره والعامة تسميها العجوز, وقيل إن سبب التسمية ترجع الى عجوز كاهنة عاشت في العصور الغابرة عند العرب تكهنت بعودة الشتاء لأيام قلائل , لتتلف حينها ماشيتهم ولم يصدقوها , فحدث ما حذرتهم منه وتلفت الماشية فسميت أيام العجائز, كما ورد ان سبب تسمية هذه الأيام بالعجوز يعود إلى أن العجائز تكرهها لشدة بردها وخوفها أن تهلكها .
كانت العرب تستدفئ بالنساء في فصل الشتاء , فضم الحبيب فيه دفئ و سعادة , كما انه يزيل التوتر و يقضي على التعب و الارهاق , لذلك كان العرب يحبون الفتاة المليئة المعباية الملفوفة لف , فهي دلالة على غناها و على حياة الرفاهية التي تعيشها , حيث قال الشاعر قديما :(( وإذا الشتاء أتى يجرجر ذيلهُ .. والليل ينفثُ برده ويجوبُ , فاهرع إلى ذات الدلال وضمّها.. فهناك بالحضن الحنون تذوبُ )) , تلك كانت دفايات الاجداد و السلف الصالح , ففيها دفئ و محبة و راحة , اما البدائل للعزاب فعليهم بالحليب و الزنجبيل و اللحافات و جرابات الصوف و كيس الماء السخنة و النوم المبكر .
يقول نزار قبّاني: (( إذا أتى الشتاء وحركت رياحه ستائري , أحس يا حبيبتي بحاجة إلى البكاء على ذراعيك على دفاتري , وانقطعت عندلة العنادل , وأصبحت كل العصافير بلا منازل , يبتدئ النزيف في قلبي وفي أناملي , كأنما الأمطار في السماء تهطل يا صديقتي في داخلي , عندئذ يغمرني شوق طفولي إلى البكاء على حرير شعرك الطويل كالسنابل , كمركب أرهقه العياء , كطائر مهاجر يبحث عن نافذة تضاء , يبحث عن سقف له في عتمة الجدائل , واغتال ما في الحقل من طيوب , وخبأ النجوم في ردائه الكئيب , يأتي إلى الحزن من مغارة المساء يأتي كطفل شاحب غريب , مبلل الخدين والرداء وأفتح الباب لهذا الزائر الحبيب , أمنحه السرير والغطاء , أمنحه جميع ما يشاء ,من أين جاء الحزن يا حبيبتي ؟ وكيف جاء؟ يحمل لي في يده زنابقاً رائعة الشحوب , يحمل لي حقائب الدموع والبكاء )) ,
ويقول الشاعر الشعبي : (( مومثل برد العام برد السنه يصل , ماتدفه بجويريد أله بحضن خل )) , وأيضا : (( ضم حلقتك مو عيب لا يدري جفي ..كل حسرة بجويريد خلتني أهفي)) .
صباح الزهيري .
#صباح_حزمي_الزهيري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟