أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8265 - 2025 / 2 / 26 - 14:34
المحور:
قضايا ثقافية
في سفر هذا الأسبوع الي القاهرة والعودة منها كان معي علي التابلت مجموعة من الكتب ، اخترت منها كتاب للدكتور زكي نجيب محمود ، وعنوانه "أيام في أمريكا" ، والكتاب بصيغة pdf..
وهي كتب القصد منها التسلية في سفر طويل ، وفي نفس الوقت لا تخلو من فائدة ، وذلك بخلاف القراءة في مجالات التخصص التي تحتاج تركيزا أعلي من جلسة مسترخية في قطار ، حيث السماعات تصدح بالموسيقي ، ولا يخلو الامر من تناول بعض المأكولات والمشروبات أو التحدث أحيانا مع رفقاء السفر...
والكتاب صادر في منتصف الخمسينات ــ سنة ١٩٥٥ تحديدا ــ عندما سافر الدكتور زكي الي أمريكا استاذا زائرا في جامعاتها... جامعة كارولينا الجنوبية وجامعة واشنطن، وكان ذلك عامي ١٩٥٣ و ١٩٥٤...
الكتاب كُتب في الفترة التي كان مازال هناك حسن ظن في بلاد الشرق وفي مصر بأمريكا ، فلم تكن أفعال السياسية الامريكية وجرائمها قد اكتشفت علي نطاق واسع حول العالم ، كانت تلك ايام البراءة في علاقة أمريكا بالشرق ، والسنوات التي ظهرت فيها كتب مثل أمريكا الضاحكة لمصطفي أمين وغيره...
لم تكن افعال السياسة الامريكية التي تصل الي درجة الجرائم الكاملة مثل قيامها بتزوير الانتخابات الايطالية والفرنسية في النصف الثاني من الاربعينات الي درجة التحالف مع مجرمين محليين أو مع عصابات المافيا قد انتشرت علي نطاق واسع بعد...
حتي قيام اسرائيل عام ١٩٤٨ والمظالم الرهيبة التي وقعت علي الشعب الفلسطيني كان ينسب الجزء الأكبر منها علي بريطانيا وليس أمريكا ، فبريطانيا كانت هي الدولة المحتلة لفلسطين ، وهي التي سمحت ويسرت الهجرة اليهودية الي فلسطين ، وهي اعطت وعد بلفور ، وهي التي انسحبت من فلسطين عندما حاز اليهود أسباب القوة وتركتهم يعلنون دولتهم...
وأول علامات التنبه لما تفعله أجهزة القوة الامريكية بالعالم كان يجري وقتها في ايران ، حيث تحالفت الولايات المتحدة مع رجال الدين الايرانيين ورتبت مظاهرات ادت الي انقلاب مدني ، ذهب بمقتضاه الدكتور محمد مصدق من رئاسة الوزارة الايرانية ، وفشلت بالتالي سياسة تأميم البترول الايراني التي نادي بها مصدق وحاول تطبيقها..
لكن كتاب الدكتور زكي نجيب محمود لا يتناول السياسة الامريكية ، وانما اوجه الحياة داخل امريكا... وهي ناحية لدينا فيها ــ في متابعتها وفهمها ــ تقصير كبير...
والكتاب يأخذ صورة اليوميات ، وهي طريقة مريحة في الكتابة ، تتيح للكاتب ان يعرض ما يشاهده وتعليقه عليه يوما بيوم ، فلا ينسي شيئا ، وفي نفس الوقت يكتب ما يريد قوله وهو مازال طازجا ، فيه احاسيس المرة الاولي ، بدون استدعاء الوقائع فيما بعد وتلوينها بما جري بعدها من حوادث ومواقف...
الدين ومكانته العظمي في أمريكا له مكانة كبيرة في الكتاب ، وهناك تفاصيل كثيرة في هذا الشأن، فالناس في أمريكا ــ علي الاقل في ذلك الوقت ــ متدينون جدا ، والكنيسة في منتهي النشاط وتجذب روادها بوسائل مبتكرة ، والكنائس هناك أماكن للعمل الاجتماعي ، وليس فقط مكانا للعبادات الدينية...
ويمكن فهم ذلك في اطار ان النظام السياسي الامريكي فتح المجال واسعا امام الدين ليؤثر في الناس بالفيلم والكلمة والدعاية بمختلف صورها وبالانشطة الاجتماعية ، ليملأ فراغا خاف قادة النظام هناك ان تملأه الشيوعية وافكارها شديدة الجاذبية وقتها ، وفي وقت كانت الشيوعية في ربيع عمرها ، وتكتسح امامها افكار الشباب حول العالم ، ولم يكن وقت كتابة الكتاب قد مر سوي أربعة اعوام علي دخول اكبر دول العالم سكانا ــ وهي الصين ــ في المنظومة الشيوعية ، حيث انضمت الي رايات الشيوعية اكبر دولة في العالم مساحة الي اكبر دول العالم سكانا... وكان الظن ان المد لن يتوقف ، وان الشيوعية هي موجة المستقبل..
ومن هنا فكر أباء النظام السياسي الامريكي ان الدين فقط وهو الوحيد القادر علي الوقوف امام تلك الموجة العاتية وشديدة الجموح...
ومن هنا ترك الدين ليؤثر بطريقة شديدة الاتساع في عقول وحياة الامريكيين ، ويضع حولهم اطارا صارما يمنعهم من التفكير في اي افكار دنيوية جاذبة ، ويقول مؤلف الكتاب انه من المستحيل ان يقابلك شخص في امريكا بدون ان يسألك الي اي كنيسة تنتمي.. وانه تعرض الي هذا السؤال مئات المرات...
وما فعله قادة النظام الامريكي في الداخل الامريكي فعلوه حول العالم ، فالعودة الي الدين كانت شبه سياسة امريكية معتمدة في النصف الثاني من القرن العشرين... داخليا وخارجيا... وعندما كان يقول لهم انه مسلم كانوا لا يفهمون شيئا، وبعضهم كان يتحرج من سؤاله عما يقصده بهذه الكلمة وما معني ان يكون المرء مسلما ، وبعضهم كان الفضول لديه أشد فيسأل : وهل هناك دين يكون الانسان فيه مسلما ، أما الاعلي ثقافة منهم فكان يخمن انه ربما يكون " محمدي " فكلمة مسلم غير معروفة عندهم ــ وقتئذ ــ ولكن المعروف هو كون المرء محمديا...
وكان د زكي نجيب محمود يتضايق من ذلك، ويقول ان المعني من ذلك ان الديانة تنسب كلها لمحمد ، فكأنه هو من اخترع ذلك الدين ، وليس دين الله الذي بعث محمد به الي الناس نبيا ورسولا...
تغيرت الدنيا تماما عن الوقت الذي كتب د زكي نجيب محمود كتابه، وأصبحت امريكا تهتم بالاسلام أكثر من أى دين أخري ، واصبحت جامعاتها ومراكز ابحاثها تدرس كل دقائق الاسلام والمسلمين، ومستشرقيها يهندسون حياة المجتمعات الاسلامية ، بل انها تكاد تكون قد اخترعت ــ مع البريطانيين ــ اسلاما خاصا بها ومناسبا لها ، تدل عليه مئات الجماعات " الاسلامية " التي تم تربيتها وتسمينها في محاضن أجهزة العمل السري في امريكا وأوربا وتعيش بيننا ...
وكتاب د زكي نجيب محمود يأخذنا الي الحياة الاجتماعية والثقافية والفنية وطبائع البشر ونمط حياتهم في أمريكا الخمسينات..
وزكي نجيب محمود معجب جدا بنمط الكتابة الادبية في الصحف والمجلات هناك ، ويعيب جدا علي الكتاب المصريين الكبار في زمانه ــ وهم جيل الرواد عندنا ــ انهم دون الكتاب الامريكيين موهبة وعلما وجهدا ، ويري ان الامريكيين يكتبون من الحياة التي يعيشونها ويصورون خبايا النفس البشرية في المواقف المختلفة بعكس الكتاب المصريين الذين لا يكتبون من واقع حياتهم ، ولا يبذلون جهدا عقليا ولا لديهم مهارة التناول والعرض التي لدي الامريكيين...
من قراءتنا للكتاب نلاحظ أن المآدب والتزاور في امريكا لا يتوقف ، وابناء المهنة الواحدة لا يكفون عن عقد الاجتماعات واللقاءات الاجتماعية والاسرية ، هم شعب اجتماعي ومنفتح للغاية امام الاخرين، ويتحدث مع الأخرين في كل شئ بدون عقد او حرج ، وهو خلاف ما نشاهده في مصر ، فالمصري في الأغلب شخص منغلق ، وقائمة الموضوعات المتاحة للحديث لا تخرج عن ثلاثة او اربعة موضوعات : الرياضة والسياسة والدين ــ مع تحفظات لا تنتهي للحديث ــ أو النميمة علي شخص ما يضعه سوء حظه كوليمة امام جائعين..
تغيرت الحياة في أمريكا طبعا عن الفترة التي كتب فيها الكتاب ، وتغيرت طبائع شعبها وتقاليده ، وليس هناك لسوء الحظ كاتبا موهوبا ولماحا كزكي نجيب محمود يكتب لنا ليس عن السياسة الامريكية فلدينا بها علم غزير ، علي الاقل أن خطاها وأثار افعالها نعيشها كل يوم في حياتنا ، ولكن يكلمنا عن امريكا الاخري... أمريكا الناس والحياة والتقاليد والدين والفن... وحياة كل يوم...
في الكتاب لمحات عن السود والزنوج في امريكا والتفرقة العنصرية القاسية بين البيض والسود في امريكا منتصف القرن العشرين، وهناك صور مروعة لذلك علي طول الكتاب ، وفيها بعض لمحات عن الامريكي العادي ، وبساطته ومرحه اللامحدود وسذاجته في احيان كثيرة...
للمرأة ودورها في الحياة الامريكية نصيب في الكتاب، وفوجئت من صفحات الكتاب ان الاختلاط بين الجنسين يتم في اضيق الحياة ــ وقتها ــ في الحياة الاجتماعية الامريكية، وهو ما لابد انه تغير كثيرا الآن مع الزمن ، ففي المطاعم والحفلات واللقاءات الاجتماعية لا يتم الاختلاط الا نادرا ، ويبدو ان الثورة التحررية والثورة الجنسية ــ او ما سميت بذلك فيما بعد ــ لم تكن ظهرت بعد في الولايات المتحدة، فهي تنتمي الي الستينات وما بعدها ، اما الان ــ في أوائل الخمسينات ــ فكانت أمريكا مجتمعا شديد المحافظة...
الكتاب نوعية متميزة من الكتب، وهي تلك التي تتحدث عن ثقافات الشعوب الاخري وتقاليدها ونمط حياتها ، وربما هو قريب من أدب الرحلات في الثقافة العربية الاسلاميه القديمة..
وهي ناحية في الكتابة نحتاج اليها جدا ، فكم منا يعرف شيئا عن الحياة اليوم في أمريكا او روسيا او الصين او الهند او اليابان او البرازيل.... الخ. اقصد حياة الشعوب في تلك البلاد وليس سياستها في هذا الموضوع او ذلك ، او جمع بعض ارقام عن اقتصادها وتطورها المادي ...
علي الاقل هذا مافعلوه هم معنا عندما ارادوا التعامل معنا.. درسوا كل شئ عنا حتي أدق الخصوصيات ، لذا عندما رسموا سياستهم تجاهنا رسموها بعلم من يعرف ماذا يريد.. وكيف يصل إليه...
ان ذلك ضروريا لأي فهم حقيقي لتلك البلدان، وهو لن يأتي إلا بعد فهم حياة الشعوب في هذه البلاد ، وهو الباب الآمن لرسم اي سياسة مستقرة ، وعلاقات في الاقتصاد ومختلف شئون الحياة تتميز بالفهم والاحترام...
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟