أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي محمد اليوسف - كيركجورد ونيتشة في الفلسفة الوجودية















المزيد.....


كيركجورد ونيتشة في الفلسفة الوجودية


علي محمد اليوسف
كاتب وباحث في الفلسفة الغربية المعاصرة لي اكثر من 22 مؤلفا فلسفيا

(Ali M.alyousif)


الحوار المتمدن-العدد: 8265 - 2025 / 2 / 26 - 13:35
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


كير
علي
عب في عبارة للفيلسوف الدنماركي الشاب سورين كيركجورد الاب الروحي للفلسفة الوجودية التي ألصقت به وهو لم يدع "ي" الانتساب لها ولا حتى بالتوصيف العابر قوله ( اننا لا نوجد لنتفلسف بل نتفلسف لنوجد. ولا تساوي الفلسفة شيئا إن لم تكن تعبيرا ووسيلة حياة في وقت معا) 1
الغريب ان الفلسفة الوجودية التي انبثقت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وإحتضرت سريريا في نهاية عقد الستينيات من القرن العشرين. انما تمركزت ادبياتها في مراحل تطورها اللاحق حول مفاهيم مطلقة مثل القلق والتازم والانقذاف البشري غير الطوعي بالحياة, ولا معنى الحياة, وزيف الوجود , والوجود بلا موجود لا معنى له, والانسان نزوة طارئة في عالم لا معقول, والاخرون هم الجحيم, والانسان مسؤولية حرة يعيش حريته لاجل غيره الخ.
نفاجأ ان تكون نشأة الوجودية كما جاءت بعبارة كيركجورد انها تستمد تفكيرها من واقع الحياة والانسان في التزام متفرد غير معهود بتاريخ الفلسفة ومباحثها. فكر فلسفي وجودي اقرب الى التطبيق العملاني البراجماتي وليس تجريدا منطقيا لغويا سرديا بعيدا عن التجنيس الادبي واقعا انفراديا من التعبير السردي لا علاقة له لا بالانسان ولا بحياته وسط عالم يمور ويعج بمختلف الموجودات الطبيعية والظواهر والاحداث اليومية. بمختصر العبارة الوجودية فلسفة ليست تطبيقية سيسيولوجيا ولا تلتزم حياة الانسان ومصيره .
وجودية كيركجورد الفكرية البدئية وليست البدائية هي السعي نحو تحقيق الذات ليس كما فعل ديكارت تحقيق الذات انطولوجيا بوسيلة تفكير الذات المجرد عن موضوع تفكيره. واذا اراد كيركجورد تحقيق الذات من منطلق انها هي الفلسفة مؤكدا ان الذات والفلسفة لا قيمة لهما من غير ارتباطهما بمجرى الحياة الطبيعية للانسان.
كما واعتبر كيركجورد الذات لا تجد حقيقتها الا في حالة الاندماج الاحتوائي الكلي مع الفلسفة كوسيلة تعبير عن الحياة. ومن الغرابة ايضا نجد جورج مور بعد حوالي قرن من الزمان على انبثاق الفلسفة الوجودية واحتضارها اسريري ومغادرتها المشهد الفلسفي نادى بهذا المطلب التوصيفي الوظائفي للفلسفة ان تكون للعامة بلغتها التواصلية المجتمعية وكان جورج مور حينها عضو حلقة اكسفورد في الوضعية المنطقية التحليلية الانكليزية بزعامة بيرتراند راسل الي انشق عنها جورج مور حين وجد اخفاق كل من نورث وايتهيد عالم اللغات وعضو الوضعية المنطقية التحليلية الانكليزية مع بيرتراند راسل محاولتهما تفسير اللغة في ربطها مع المنطق والرياضيات كعلم وفشلا بعد جهدهما الطويل المشترك ونتج عن محاولتهما الفاشلة تلك تاليف كتابهما (مباديء الرياضيات العامة 1906 ).
رغم اختلاف اسلوب تفلسف نيتشة الذي يغلب على كتاباته الشذرات الفلسفية المتقافزة في لا مركزية الموضوع الواحد على شكل قطوعات اي ليس كما هو السرد الفلسفي المعتاد في مركزية تناول الموضوع الواحد, ونيتشة لم يكن وجوديا وخارج ادبيات الفلسفة الوجودية منذ بداية نشأتها لكننا نجد افكار نيتشة في خطوطها العريضة تلتقي أفكار كيركجورد الوجودية الفيلسوف اللاهوتي المتدين مع نيتشة صاحب مقولة موت الاله. في تاكيدهما على اهمية مركزية الانسان بما هو تفكير شخصي فردي مستقل يمثل عالما حضوريا فاعلا بالحياة وليس وجودا طارئا عليها. ربما لاول مرة في تاريخ الفلسفة تطرح الفلسفة الوجودية وحدها مسالة الالتزام بهذا الوضوح. علما ان حقيقة الفلسفة المعرفية واللغوية بعيدة عن الالتزام بمعنى صنع الحياة في موضوعاتها المعيشية المعتادة. فهي اي الفلسفة تجريد منطقي سردي لا يتقبل التطبيق ولا التجربة وابرز الفلاسفة الذين انكروا على الفلسفة الالتزام بالحياة العملانية الواقعية هم بيرتراند راسل وبول ريكور وجاك دريدا وفانتيمينوصاحب مدرسة العبثية بالفلسفة..
في تطرف مشخصن بذاته كفيلسوف يقول نيتشة (لقد كتبت كتبي بدمي) وهذا الاعتداد النفسي يلتقي مع سورين كيركجورد قوله اننا نتفلسف كي نوجد ولا نوجد لنتفلسف. في كلا التعبيرين نجد ان الفلسفة تعبير عن حقيقة الحياة وحقيقة الانسان في وجودهما.كما يؤكد نيتشة ( ان الفكر والحياة يحدد احدهما الاخر تحديدا وثيقا الى حد اننا لا نستطيع ان نفهم احدهما الا بالاخر) 2
كما ان كتابات كيركجورد الفلسفية حسب اجماع فلاسفة وباحثين عديدين انما كانت تمثيلا واقعيا في تربيته لنفسه. وتعبيرات كيركجورد الفلسفية المتتالية هي بناء لماهيته الوجودية وتاريخه الشخصي. من الطريف والهام نذكر في استطراد جانبي سريع ان كيركجورد متدّين بالوراثة تدينا شديدا ومؤمنا بالله بتطرف حد انكاره العقل من اجل الايمان القلبي الذي كان مشبّعا به. وعاش حياته القصيرة انعزاليا وحيدا ومات في الثلاثينيات من عمره حين سقط بالشارع مغشيا عليه من شدة الاعياء والمرض. أحب فتاة ووعدها خطوبتها والزواج منها في شبابه المبكر ونسي الامر. بعد سنوات استفاق وتذكر حبيبته فذهب ليخطبها فوجد اولادها يلعبون في حديقة الدار!!.
وكذلك كان نيتشة في فلسفته تعبيرا عن حياته وترجمة مأساته الشخصية في الصميم حيث عاش الجنون 17 عاما قبل وفاته. وربما كان هذا التلاقي الفلسفي العفوي ليس واقعة بسيطة في حياتهما كيركجورد ونيتشة بل كانت هي الصورة الحقة في نظرتهما للفلسفة. وينتهج كل من نيتشة وكيركجورد نوعا من الواقعية الفكرية المادية التي تجد قيمة الفكر بمقدار انبثاقه عن الوجود نفسه الذي استغرق الحياة باكملها. وقبل كل شيء المخاطر لتحقيق هذا الغرض. 3
يبدو غريبا ان نجد كيركجورد ونيتشة يسخران من الفكر النظري ومن قائله فيسميه كيركجورد "المفكر الخالص" ويسميه نيتشة " الانسان النظري" هذا المفكر اللغوي حسب فلسفتهما لا جسد له فهو العابد للمعرفة فقط بمعنى الانسان النظري فاقد لحضوره الارضي ووجوده الفاعل وتاثيره بالحياة.
طبعا تعبير الفكر النظري لا يمتلك حضورا واقعيا تاثيريا بالحياة صحيح بمن لا يجدون في تاريخ الفلسفة التزاما بتغيير الحياة والتاريخ كما اراد ماركس ذلك وطبقه في افكاره الفلسفية بعد تحويله الفلسفة الى ايديولوجيا سياسية قابلة للالتزام التطبيقي بالحياة في تخليص الانسان من وجوده البائس ماديا بالحياة وليس البائس نفسيا فيها فقط ونجح بذلك في تجربة تطبيق النموذج الاشتراكي – الشيوعي في الاتحاد السوفييني القديم وتجارب الصين وفيتنام وكوبا الخ ..
وتوصيف نيتشة للانسان النظري انه ذلك العابد للمعرفة المقصود به المعرفة النظرية وليست المعرفة التجريبية التطبيقية.هذا التوجه الفلسفي الذي إجتمع عليه كلا من كيركجورد ونيتشة بمقدار ما يشي بلوغ "فكر" عملاني يعيش الحياة ويتاثر ويؤثر بها فهو بعيد عن مباحث الفلسفة التقليدية تاريخيا. كما هو يناقض جوهر التفلسف الذي هو تجريد منطقي ابداعي يتميز بالشخصانية والتفرد الاجناسي النوعي عن باقي ضروب السرديات في الادب والفن وغيرها. فالفلسفة فكر منطقي تجريدي بلغة عميقة الدلالة غير المفصحة عن المعنى المباشر ولا تلتزم الانسان بحياته. فهي ليست ترفا فكريا تماما ولا هي علما كباقي العلوم ولا سردية ادبية كباقي الاجناس الادبية.
حقيقة تفلسف نيتشة يتسم بالمباشرة على شكل شذرات تعبيرية سردية لغتها واضحة تقريبا لذا هو يهاجم كل تفلسف لايكون فكرا يتشّكل في الهم والقلق عبر تقلبات الوجود الفردي ولا تكون قيمة لفكر التفلسف الا بالحياة التي تضرب فيها بكل جذورها. هنا يظهر نيتشة بجلاء واضح جدا انه لا يمت لافكار الوجودية التي سبقها بصلة طبعا حيث توفي عام 1900.
مركزية الانسان بالفلسفة
لو عدنا نتصفح مباحث الفلسفة عبر تاريخها الطويل حتى نصل نهاية عقد الستينات من القرن العشرين نجدها مباحث تدور حول مركزية الانسان في علاقته بالوجود بما هو موجود ملخصها مع فارق بسيط مقولة بروتوغوراس 473 ق.م تقريبا (الانسان مقياس كل شيء) فهو مقياس كل شيء بمعنى ان الخير والشر, الصح والخطأ كلها تتحدد حسب حاجة الكائن البشري. وتعتبر افكار بروتوغوراس اساس المدرسة السفسطائية التي يتهمها البعض انها تدور بفلك المماحكات اللغوية وهو خطأ شائع تداوله. كما رفض برتوغوراس الديانة الوثنية التي كانت مهيمنة ومتسلطة تماما على عقول العامة في عصره بقوله ( لا استطيع اعلم ان كانت الالهة موجودة او غير موجودة) ماسبب له ثورة العامة عليه واحرقوا كل كتبه. ولو نحن اجرينا اسقاطا لمقولة برتوغوراس نجد ان الانسان يعيش لحد اليوم اشكالية الشد والجذب بين الايمان الحقيقي القلبي بوجود الاله وبين من ينكر ذلك ونجدها اشكالية تزامن عصورنا الحديثة ومقولة قائمة حول التشكيك بوجود الالهة.
تاريخ الفلسفة والالتزام
يشير تاريخ الفلسفة انها منذ عصر طاليس حوالي 6 آلاف سنة ق.م كانت مهمة الفلسفة في مباحثها التقليدية الثلاث الوجود بما هو موجود, والمبحث الثاني الابستمولوجيا (المعرفة), والمبحث الثالث هو الاكسيولوجيا (القيم) والاخلاق. كانت مهمتها تربوية مدرسية اذا صح التعبير. وبقيت هذه الاقانيم الثلاث مهيمنة عبر عصور تطور تلك المباحث حتى وصولنا بعد انصرام قرون طويلة الى تسيّد فلسفة اللغة المشهد الفلسفي.
كان للتحول اللغوي وفلسفة اللغة ونظرية فائض المعنى في تعبير اللغة مطلع القرن العشرين على يد دي سوسير 1905 انعطافة نوعية في تاريخ الفلسفة طالت مباحث الفلسفة بما لم يسبق للفلسفة عاشته طيلة تاريخ عصورها. فلسفة اللغة والقراءة الجديدة ونظرية فائض المعنى اللغوي واشكالية خيانة اللغة للمعنى في تضليلها العقل. جاءت في الغاء ثلاثة مباحث فلسفية لازمت تاريخ الفلسفة عصورا طويلة جدا هي:
- الغت البنيوية العقل واعتبرته ميتافيزيقا. سبق لثلاثة عمالقة بالفلسفة انكروا العقل قبل فلسفة البنيوية هم الدنماركي سورين كيركجورد بدافع الايمان الديني والاسكتلندي ديفيد هيوم واللانكليزي جلبرت رايل ت 1976 بدافع فلسفي.
- الغت البنيوية مركزية الانسان واعتبرت مبحثه مضيعة وقت جعل الفلسفة تاريخيا تدور في ميتافيزيقا العقل التفكيري أن كل شيء في الانسان وكل شيء من أجله..
- ألغت البنيوية والفلسفات التي اعقبتها مبحث الابستمولوجيا (المعرفة) وازاحتها عن كرسي الفلسفة الاولى الى موقع الفلسفة الاخيرة او فلسفة اللاموقع المنسي. وتوّجت بدلا عن الابستمولوجيا فلسفة اللغة عروس الفلسفة الاولى التي يجب علينا الاهتمام بها. لقد شن الفلاسفة الاميركان مثل ريتشارد رورتي وسيلارز وسنتيانا وجون سيرل هجوما كاسحا على مبحث المعرفة بالفلسفة واعتبروها خرافة وهراء.
من المهم التذكير أن مبحث الابستمولوجيا المعرفة عاشت عصرها الذهبي على يد ديكارت في القرن السابع عشر الميلادي. حيث توجت بالفلسفة الاولى كما ذكرنا لكنها اخلت الطريق تماما لفلسفة اللغة بداية القرن العشرين وبلغت ذروتها منتص القرن العشرين. من الغريب ان نجد البنيوية التي اخترعت مبحث فلسفة اللغة هي التي انشغلت عنها وتركها لتتناولها التيارات الفلسفية الامريكية في طرقها مباحث فلسفية تقوم على ترابط فلسفة اللغة بالعقل والعلم وعلم الاجتماع وعلم النفس وغير ذلك من مباحث.
في حين بقي كل من فوكو والتوسير وجان لاكان ومرليبونتي وجيل ديلوز وهم اقطاب الفلسفة البنيوية تناولهم مباحث مقطوعة الصلة بمبحث فلسفة اللغة. فقد تناول فوكو السلطة والجنون وتناول لاكان هدم علم النفس الفرويدي كما قام التوسير بهجومه اللاذع على كتاب راس المال وعلى الماركسية عموما. وتناول جيل ديلوز قضايا الادب. باستثناء فيلسوف واحد هو رائد فلسفة البنيوية ليفي شتراوس المخضرم فقد بقي امينا لفلسفة اللغة واجرى حفريات انثروبولوجية اثنولوجية في تقصّيه نشأة اللغة وتطورها لدى الاقوام البدائية التي ليس لها تاريخا مدونا يمكن الاعتماد عليه ما جعله يزور بعض القبائل والاقوام البدائية التي لا تعرف عن الحضارة القائمة اليوم شيئا.
ثم نجد مهمّا الاشارة الى انه برغم اجماع الفلاسفة على ان سورين كيركجورد هو رائد الفلسفة الوجودية الحديثة الا اننا نجد المنطلقات الفلسفية الوجودية لدى كل من سارتر وهيدجر وهوسرل وياسبرز وجبرييل مارسيل وميرلوبونتي كانت اراؤهم الفلسفية الوجودية متشعبة ومتعشقة في مباحث عديدة منها تداخلها مع علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الجمال ومع فينامينالوجيا هوسرل وهورمنطيقا بول ريكور وصولا الى التطرف الذي جاء به جاك دريدا مؤكدا المقولة البنيوية كل شيء في اللغة وفي تعبير احد فلاسفة الاميركان ايضا اننا لا نجد عالما حقيقيا خارج ما تقوله اللغة.
مع نهاية عقد الستينيات من القرن العشرين بدأت الوجودية تحتضر لتدفن سريريا. ولم يكن لعوامل بدء الصحوة من الصدمة التي سببتها الحربين العالميتين الاولى والثانية اي تاثير في انحلال الوجودية فلسفيا مثما كانت هي الحافز التاريخي الاساس بنشئتها..
الوجودية والادب والفن
تجريد الفلسفة اللغوي وإن كان يلتقي مع لغة التعبير التجريدي في الاجناس الادبية من شعر وقص ورواية ونقد الا ان ذلك يبقي على انفصال تجريد تعبير لغة الفلسفة لا يلتقي تجريد لغة الاجناس الادبية في ثيمة الالتزام بمعناه الانساني السيسيولوجي قائما حضوريا عبر احقاب تاريخية من عصور تاريخ الفلسفة.
الاجناس الادبية وإن كانت ايضا تجريدا لغويا لكنها مقارنة مع تجريد لغة الفلسفة في التعبير تصبح الاجناس الادبية التزاما واقعيا في حياة الانسان حتى وإن طغى المخيال الادبي اللاشعوري على لغة الاجناس الادبية خاصة بالشعر. تجريد تعبير اللغة فلسفيا تجريد منطقي في مرجعية وصاية العقل والشعورعليه. بخلاف تجريد لغة الاجناس الادبية الذي هو تعبير لغة اللاشعور الخيالي متداخلة مع احساسات الواقع المادي الانساني وغير الانساني في الطبيعة.
وفي ضروب الثقافة الغربية الاجنبية عموما جاءت ردة الفعل المتطرفة على صعيد المروق على فنون عصر النهضة في البداية التي غادرت اعمال عمالقتها ليوناردوا دافنشي ومايكل انجلو, رافاييل, غويا, وفان كوخ وماتيس ومانيه وغيرهم من الذين استهوتهم رغبة كسر جميع انواع المحددات المحذورة التي تجعل من اللوحات الفنية استنساخا فوتغرافيا للواقع الذي يماليء توجه اللاهوت الديني في خدمة الطبقات الارستقراطية التي كانت تتطّير من مفهوم ان يكون الادب والفن للعامة من الناس وتحارب هذا التوجه بضراوة في رشوة الطبقة الارستقراطية والملوك غالبية الادباء والفنانين في العصور الوسطى وعصر النهضة.. كي يكون جل اهتمامهم تنفيذ رغائب الطبقات الارستقراطية والغنيّة المتنفذة.
فكان أن ظهر تبشير كاندنسكي في التجريد الفني التجريدي إيغالا غير مسوّغ في دفن رغبة ان يكون الفن في خدمة العامة فظهرت السريالية الفنية في الرسم لدى بيكاسو وسلفادور دالي وآخرين غيرهما متماهية مع تجريدية الشعر من خلال تحطيم النسق اللغوي الدارج التي كان تزعمها اندريه بريتون في مقولته الشهيرة القصيدة الشعرية يجب ان تكون حطاما للعقل.. واصدر بيانا يبشر به ان كتابة الشعر ورسوم اللوحات الفنية يجب ان تخضع لسطوة تداعيات اللاشعور. ورفعت شعارفن المفهوم التجريدي.
الاتجاه الثاني الذي قاده منهج الالتزام الادبي عندنا عربيا فقد ابتلعها الموروث العربي المستمد من مرجعية وصاية الاحزاب السياسية وهيمنة رجال الدين الرافض لكل تجديد يطال اي منحى بالحياة ونكاد نقول اليوم انه لازال الموروث ذي الخصائص الهوياتية العربية الراضخ تحت الهيمنة الحزبية المتدينة سياسيا يعيش قابعا في جوف الحوت الذي أعقبه قيء يونس حيّا من جوفها بعد ثلاثة ايام.
الالتزام وتنحية الابستمولوجيا فلسفيا
الى هذا الحد يمكن تمرير هذا الهوس باسم التجديد على الصعيد الفلسفي في نظرية المعنى والتحول اللغوي وعلوم اللسانيات التي انبثقت بدايات القرن العشرين وبلغت اوجها منتصف ذلك القرن, لكنما كيف يمكننا تمرير وجوب ربط الفلسفة بالعلم او ربط الفلسفة بالرياضيات او ربط الفلسفة بالمنطق وعلوم الطبيعة والفيزياء التي ترى في حضور العقل هو ان نجعل من تجريد الفلسفة بلا معنى لغوي يعني انعدام امتلاكها مقبولية فكرية تداولية تلقى الاستقبالية الشعبية التي تفتقدها؟
وإن كانت هذه الطروحات الطوباوية فاشله وأن افتراض نجاحها الفلسفي لم يكن ليلغي حقيقة ثيمة الالتزام بالنسبة للفلسفة ليست اكثر من مطالبة تعجيزية لا تقبلها الفلسفة نفسها فهي رازحة تحت وطأة حقيقة الفلسفة للنخبة الاكاديمية والقراء وتلامذة الجامعات من النوابغ وبعض الفلاسفة الفرنسيين والاوربيين قاطبة.. الفلسفة تعبير مافوق اللغة. (شرحت في مقال منشور لي مصطلح ما فوق اللغة بالفلسفة الغربية واجريت عليه اسقاطا عربيا على واقع لغة القران الكريم ولغة الشعر وتطورهما على يد العبقري اللغوي الخليل بن احمد الفراهيدي ت 75 هجرية. المقال متوفر على كوكل.).
بعد منتصف القرن العشرين تسّيدت فلسفة اللغة مكانة الفلسفة الاولى. وتلتها عشرات الاتجاهات الفلسفية التي قامت على اهمية مراجعة تصحيح تاريخ الفلسفة بضوء تصحيح تاريخ اللغة التضليلي معرفيا في نظرية المعنى وفي علوم اللسانيات ما نتج عنه تشعب تيارات فلسفية جعلت من التفكير في مسالة الالتزام بالفلسفة سذاجة لا يقبلها عصر ما بعد الحداثة الذي كفر بكل ايقونة ثابتة وردت بتاريخ الفلسفة الملازم للحداثة مثل اللغة, الذات , السرديات الموروثة في الدين والماركسية والتاريخ, العقل الخ الخ. واعتبرتها جميعها ضروب من ميتافيزيقا التفكير.
كما برزت لنا فلسفات عديدة قامت بتعميق الشرخ الفاصل بين الفلسفة والالتزام في ابسط معانيه ابرزها الفلسفات الفرنسية فقط مثل تاويلية بول ريكور وتفكيكية جاك دريدا وعدمية فانتيمو. اعقبهم العشرات من الفلاسفة الاميركان امثال ريتشارد رورتي ,جون سيرل, سيلارز, سانتيانا, نعوم جومسكي , فريدريك سكينر, وكارناب , وفينجشتين المحسوب على فلسفة بيرتراند راسل الانجليزي قبل احترابهما الابيض بينهما بعد نيل فينجشتين شهادة الدكتوراه في فلسفة اللغة تحت اشراف راسل واصراره الحفاظ على وصيّة جاتلوب فريجة قوله من العار على فلسفة اللغة وجوب تضييع فرصة دمج الايقونات القارة الفلسفة واللغة والرياضيات والمنطق في توليفة واحدة رأى كلا من فينجشتين وجورج مور وفلاسفة امريكان لا حصر لهم ان راسل يهذي بهذا التعجيز الفلسفي ليقابلهم هو بالرد ان الفلسفة الاميريكية البراجماتية نذلة وخسيسة.. الفلاسفة الذين رأوا بعد خلاص الفلسفة من هيمنة الابستمولوجيا (المعرفة) السيدة الاولى بالفلسفة بعد منتصف القرن العشرين بعد تتويج الفلسفة لفلسفة اللغة عروس التفلسف.
على امتداد تاريخ ثلاثة قرون فلسفية تحت تأثير من ديكارت في القرن السابع عشر. ودخول العالم بعدها في سلسلة من التطورات التاريخية التي بدأت في نهضة ايطاليا القرن السادس عشر لتنتشر باشكال علمية ودينية ومعرفية لا سابق لها اوربيا سميت بعصر النهضة الحديثة.
بمجيء عصر ما بعد الحداثة التي تبنت بداياتها الاولى الفلسفة البنيوية التي كانت ثورة هوجاء على كل ما جاءت به الحداثة وعصر الانوار من اعلاء قيمة الذات الانسانية ونيل كرامتها وتنحية تدخلات رجال الدين بالعلم. اول فيلسوف سويسري فتح ابواب فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ونظرية المعنى هو دي سوسيرفي بدايات الفلسفة البنيوية بعمالقة فلاسفتها مثل شتراوس وفوكو والتوسير ولاكان ورولان بارت وجيل ديلوز وميرليبونتي.
الفلسفة البنيوية بجميع فلاسفتها الفرنسيين والالمان و ايدهم الفلاسفة الانكليز والاميركان اجماعهم ان ضياع عصور من تاريخ الفلسفة في تضليل العقل هو مراوغة اللغة في التعبيرعن المعنى. وبعد ان وجدت الفلسفة البنيوية انها كانت البادئة في ايصال فلسفة اللغة وتيهان علوم اللسانيات في طريق مسدود لجأت مرغمة التزام طروحات ما بعد الحداثة في انكار الوجود الزائف الذي نعيشه ونكرانها منجزات العلم التي ادخلت الانسان في نوع من هيمنة الالة والذكاء الصناعي والسبرانية والذرة والروبوت الالي, والتمرد على نزعة الحداثة في رفض تمجيد الذات والانسان ولم يسلم العقل ايضا من السخرية منه..
الهوامش:
1. المذاهب الوجودية من كيركجورد الى جان بول سارتر /ريجيس جوليفيه/ ترجمة فؤاد كامل ص75
2. نفسه ص78
3. نفسه ص 78 ايضا



#علي_محمد_اليوسف (هاشتاغ)       Ali_M.alyousif#          



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قطوعات فلسفية مختارة
- الماهية والموجود في الفلسفة الوجودية
- نقد قضايا فلسفية معاصرة
- قطوعات فلسفية :عرض تحليلي نقدي
- التحول اللغوي ونظرية المعنى
- شيء عن فلسفة اللغة
- كينونة الموجود في الفلسفة الوجودية
- جبرييل مارسيل الوجود الانساني بين الذات والجسم
- افكار وجودية عرض نقدي
- لماذا اصبح الايمان بالله ضرورة!؟
- المعرفة المعطى الفطري والخبرة المكتسبة
- الوعي والخيال
- الوعي بين النفس والوجود (1)
- الارادة الوعي القصدي والموضوع
- القوانين الطبيعية والانسان
- قراءة في رواية معطف احفاد السيد غوغول
- مالبرانش وحدة الوجود والايمان
- شوبنهاور وبؤس الفلسفة
- تحقيق الوجود بالتفكير
- اثنتان وثلاثون شذرة فلسفية


المزيد.....




- بعد تقبيله رأس مقاتلي القسام، الأسير الإسرائيلي المحرر يرفض ...
- إغلاق قاعدة عسكرية أمريكية في إيطاليا بسبب -حادث أمني-
- تونس ـ اتهامات للسلطة بتسييس الأحكام في ظل قضاء -مُكَّبل-
- وزير الخارجية العراقي يعلن توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات ا ...
- وزير الطاقة الروسي: اجتماع اللجنة -العراقية-الروسية- العاشر ...
- شاهد ماذا اكتشفت الشرطة الكولومبية داخل رأس المحتجز
- سلام في ختام جلسة الثقة للحكومة اللبنانية: أكدنا على حق لبن ...
- تواصل التصعيد.. برلمان الجزائر يعلن -التعليق الفوري- لعلاقات ...
- حفتر يلتقي ماكرون في الإليزيه لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا
- مصر تشن هجوما حادا على إسرائيل بسبب -اعتدائها- على سوريا


المزيد.....

- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ
- حوار مع صديقي الشات (ج ب ت) / أحمد التاوتي
- قتل الأب عند دوستويفسكي / محمود الصباغ
- العلاقة التاريخية والمفاهيمية لترابط وتعاضد عالم الفيزياء وا ... / محمد احمد الغريب عبدربه
- تداولية المسؤولية الأخلاقية / زهير الخويلدي
- كتاب رينيه ديكارت، خطاب حول المنهج / زهير الخويلدي
- معالجة القضايا الاجتماعية بواسطة المقاربات العلمية / زهير الخويلدي
- الثقافة تحجب المعنى أومعضلة الترجمة في البلاد العربية الإسلا ... / قاسم المحبشي
- الفلسفة القديمة وفلسفة العصور الوسطى ( الاقطاعية )والفلسفة ا ... / غازي الصوراني
- حقوق الإنسان من سقراط إلى ماركس / محمد الهلالي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي محمد اليوسف - كيركجورد ونيتشة في الفلسفة الوجودية