أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - سورية ملونة وليست ألواناً














المزيد.....


سورية ملونة وليست ألواناً


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 8265 - 2025 / 2 / 26 - 09:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تحت ضغط الزيادة في مستوى حضور "الوعي بالذات" بين الجماعات الأهلية في الحياة العامة السورية، نتيجة ممارسات سياسية وأمنية تمييزية مارسها النظام السابق لعقود، وتستمر ممارستها بعد سقوطه على يد جماعات إسلامية، يكثر الكلام عن ضرورة تمثيل كل الألوان السورية في الجيش والأمن والحكومة واللجان والمؤتمرات ... الخ، لمنع سيطرة لون واحد.
إذا كان لا يخفى الانشغال الوطني الصادق وراء هذا الكلام في هذه الفترة التأسيسية من تاريخ سوريا، فمن الواضح أيضاً أنه كلام يضمر فكرة رديئة عن السوريين، وهذه الفكرة تنطوي على قدر كبير من الحقيقة للأسف، مفادها أن السوريين غير مندمجين في وطنيتهم بالقدر الكافي الذي يجعلهم، في الوظيفة العامة، مخلصين للونهم السوري أولاً. المسؤول السوري، بصرف النظر عن اللون "الخاص" الذي ولد عليه، يستطيع، إذا أراد، أن يجعل هواه وانحيازاته غير الوطنية فوق تمثيل القانون والدولة "العامة"، ونادراً ما يَنظر المسؤول إلى بقية السوريين على أنهم مواطنين، بل على أنهم "ملونون" بالأحرى، وهكذا فإن مواطنيتهم وحقوقهم تنقص وتزيد بحسب ألوانهم، دون أن يجدوا وسيلة "نظامية" لرد حقوقهم المهدورة.
لا تصعب ملاحظة أن الكلام عن مشاركة الألوان، ينبع من إدراك هشاشة الوطنية السورية في الحياة العامة، وما يمكن أن تقود إليه من خشية أن يمارس المسؤول تمييزاً ضد ما لا يروق له من الألوان. على هذا يكون الكلام عن الألوان وضرورة تمثيلها، انطلاقاً من الحرص على أن تكون سوريا لكل السوريين، هو الكلام الوطني الذي يأخذ في الحسبان كل "الجماعات" أو "المكونات" أو "الألوان" السورية. غير أن هذا "الحل" يزيد في الواقع من الهشاشة الوطنية بدلاً من أن يعالجها.
الاحتجاج على غلبة لون سوري في مواقع المسؤولية، ينطلق من الفكرة السابقة نفسها، أي إنه نقد يقرّ بغلبة اللون الخاص في دخيلة السوري، على اللون السوري العام، في ممارسته الوظيفة العامة. لا ريب أن هذه مشكلة تحتاج إلى علاج، ولكن لا ينبغي النظر إلى المشكلة على أنها عطب يخص السوريين أنفسهم، بل على أنها علة في "النظام السياسي" الذي يحكمهم ويتيح للفرد في موقع المسؤولية تغليب "لونه" على العمومية السورية، حين يشاء. التسليم بالنظام السياسي الذي تغلب فيه الخصوصية الأهلية على العمومية الوطنية، يجعل الحل "الوطني" هو توزيع الألوان على مواقع المسؤولية، كي يتاح لكل لون التمتع بتمييزه الخاص في الوظائف العامة، وهذا سبيل إلى تفكك وطني مستدام.
ما يجعل سورية لكل السوريين لا يكون في "تلوين" المناصب، بل في توفر الإرادة الكافية لفرض آلية رقابة تلزم المسؤول باحترام اللون السوري فوق كل لون، وفي التعامل مع السوريين على أنهم مواطنين مجردين، أمام الدولة والقانون، من أي خصوصيات، تحت طائلة المحاسبة الجدية. النظام السياسي هو المسؤول الأول عن فتح الطريق أمام الخصوصيات كي تمارس ذاتها في التمييز بين الناس بناء على "ألوانهم". ذلك أن من يمارسون وظيفة عامة يحملون في رأسهم تصوراً يصنعه، بصورة صريحة أو مخفية، النظام السياسي الذي يخدمون فيه، فيجعل سلوكهم في الوظيفة تمييزياً حين يدركون أن النظام يستبطن التمييز وأن سلوكهم التمييزي غير الوطني في وظائفهم لا يليه أي مساءلة، بل قد يزيد من رصيدهم في النظام، بحسب جهة التمييز الذي يمارسونه. يصح ذلك إلى الحد الذي يمكن القول معه إن سلوك المسؤول في الوظيفة العامة هو الكاشف لما يحرص النظام السياسي على إخفائه وعلى التظاهر بعكسه في العلن.
فقط قدرة كل مواطن سوري على محاسبة المسؤول الذي لا يمتلك من الوطنية السورية، ولا من الإحساس بالمسؤولية، ولا من الضمير، ما يجعله يحترم مواطنية السوري باستقلال عن "لونه"، هو ما يرفع قيمة الهوية السورية وما يصنع الوطنية السورية، وهذه مسؤولية النظام السياسي بالدرجة الأولى، ومسؤولية النخب الوطنية في التصدي الجريء لكل معاملة تمييزيه في الحياة العامة. لا تكون سوريا لكل السوريين إلا حين يكون كل مسؤول سوري في أي موقع كان، ملزماً بقوة القانون والإعلام وكل أشكال الاعتراض والمحاسبة القانونية الممكنة، على معاملة كل السوريين على قدم المساواة. في البلدان الديموقراطية يطال القانون المعاملة التمييزية حتى في الشركات الخاصة.
رد الظلم الذي يقع على "لون" سوري ما في أي وقت، هو شأن وطني عام وليس شأن هذا اللون وحده. ضعف تضامن الألوان فيما بينها، وغياب النظر إلى الظلم على أنه شأن عام حتى لو كان "خاصاً" بلون معين أو فئة معينة، هو من مؤشرات تضعضع الوطنية، ويشكل هذا أرضية لنشوء استبداد تمييزي يحمل في داخله كل الشرور المتخيلة من التمييز "اللوني" حتى الإفقار العام وصولاً إلى الاستعداد للإبادة. كل تجاوز أو ظلم، حتى لو كان ضحيته فرداً واحداً، ينطوي على تجاوز وظلم عامين، والتضامن مع الضحية، حتى لو كانت فرداً، ينطوي على حماية للمجتمع ككل ولكل فرد فيه.
الكلام عن مشاركة الألوان ينطلق من خشية وطنية كما قلنا، ولكنه مع ذلك لا يأخذ في الحسبان أمرين هامين، الأول هو أن الألوان غير قابلة للتمثيل أصلاً، وأن "التلوين" المنشود هو في الحقيقة إضاعة للحقوق وليس حماية لها، ذلك أن "الأنظمة الملونة" غالباً ما تكرس مصالح "طغمة ملونة" تزعم أنها ممثلة للألوان، أكان ذلك وفق صيغة دستورية رسمية أو وفق صيغة مخفية غير رسمية. والأمر الثاني هو أنه لا توجد مصالح متسقة لكل لون سوري على حدة، كي تتم حمايتها، الكلام عن مصالح لون لا تعني سوى فتح باب تمييزات غير وطنية. والحال أن سورية لوحة بألوان متدرجة ومتعددة ولا يمكن فهمها و"تمثيلها" على أنها ألوان متراصفة ومتفاصلة.
التمثيل القائم على عمومية سورية، والمسنود بإرادة سياسية صادقة وبقوانين ملزمة لا تسمح للمسؤول مهما علت مرتبته بالتجاوز على الوطنية السورية، إضافة إلى الحضور النشط للإعلام المستقل بالمتابعة والنقد، هو وحده ما يمكن أن يضع سوريا على طريق الوحدة الداخلية الفعلية.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخطر الجاري الذي يهدد مستقبل سوريا
- درس علوي في سورية يجدر تأمله
- مخاطر الانتقال إلى سوريا جديدة
- عن مظاهرات السوريين العلويين
- هل انتصرت الثورة في سوريا؟
- الموالون وتلاشي نظام الأسد
- عن سورية والتطورات الأخيرة
- نزوع الضحية إلى السيطرة
- انتصارات إسرائيل الخاسرة
- عن اللوثة الطائفية في سوريا
- التكيّف مع الاحتلال
- تحول حزب الله من المقاومة إلى الردع
- نحن والاحتجاجات في إسرائيل
- عن انقسام عقيم يلازم السوريين
- أفكار في النقاش السوري العام
- سأبقى أذكر ذلك المساء المختلف في السجن
- غزة، التنافر بين الحق وتمثيله
- دروس قاسية تنتظر الفرنسيين
- القضاء الدولي، مقايضة شعوب بأفراد
- لا تقاطع مخبراً في السجن


المزيد.....




- مصور يرصد طائر طوقان يستمتع بالاستحمام تحت زخات المطر
- مقتل 46 شخصا على الأقل في تحطم طائرة عسكرية سودانية
- مسؤولو الصحة في غزة: 6 أطفال توفوا بسبب انخفاض حرارة الجسم
- الأردن.. تداول فيديو استقبال الملك عبدالله لأحمد الشرع بالمط ...
- لواء سابق بالجيش المصري يرد على مقترح إدارة مصر لغزة مقابل إ ...
- طيار يتجنب كارثة بعد أن تفاجأ عند هبوطه بطائرة قادمة باتجاهه ...
- -غزة ترامب-.. الرئيس الأمريكي يوضح رؤيته لغزة المستقبل من خل ...
- تأجيل الإطلاق التجاري الأول لصاروخ Ariane 6 الأوروبي
- الملك الأردني يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع
- أبعاد زيارة لافروف إلى طهران


المزيد.....

- الخروج للنهار (كتاب الموتى) / شريف الصيفي
- قراءة في الحال والأداء الوطني خلال العدوان الإسرائيلي وحرب ا ... / صلاح محمد عبد العاطي
- لبنان: أزمة غذاء في ظل الحرب والاستغلال الرأسمالي / غسان مكارم
- إرادة الشعوب ستسقط مشروع الشرق الأوسط الجديد الصهيو- أمريكي- ... / محمد حسن خليل
- المجلد العشرون - دراسات ومقالات- منشورة بين عامي 2023 و 2024 / غازي الصوراني
- المجلد الثامن عشر - دراسات ومقالات - منشورة عام 2021 / غازي الصوراني
- المجلد السابع عشر - دراسات ومقالات- منشورة عام 2020 / غازي الصوراني
- المجلد السادس عشر " دراسات ومقالات" منشورة بين عامي 2015 و ... / غازي الصوراني
- دراسات ومقالات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع - المجلد ... / غازي الصوراني
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - سورية ملونة وليست ألواناً