أحمد رباص
كاتب
(Ahmed Rabass)
الحوار المتمدن-العدد: 8265 - 2025 / 2 / 26 - 08:46
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تمثل منطلق هذا الجدل في تدوينة نشرتها على شكل صورة حسابي الشخصي وشاركتها عموم المستخدمين في عدة مجموعات، وهذا نصها:
"يتباكى العرب على أن كل ما يستعملونه في حياتهم اليومية من صنع دول أحنبية، غير عارفين أن ما أهل هذه الدول للإنتاج هو تغيير عقلياتهم".
الوحيد الذي تفاعل معي كتابيا على الشات كان أحد الأصدقاء الذي أدلى بتعليق قال فيه: "تغيير السلوك والعقليات لا ياتي من الأفكار". وحتى لا يقف النقاش عند هذا الحد، كتبت بدوري: "المهم تغيير العقليات بالوسيلة التي يراها العرب مناسبة..."
برهن المعلق الوحيد عن إرادة لا تلين في الذهاب بالجدل إلى منتهاه لما أضاف تعليقا جاء فيه: "العقليات تتغير بالأزمات مثل الحرب والركود الاقتصادي والآفات الطبيعية... يبقى الفكر ترفا لا يصل اليه عموم الناس".
استفزني صديقي المستخدم عندما اعتبر الفكر ترفا، وإن أجاز لي كما لنفسه الانتقال من الحديث عن العقلية إلى الخوض في شجون الفكر، ما دام أن لا فكر بدون عقل ولا عقل بدون فكر. لذلك قلت له: الفكر له دور مهم في إحداث التغيير.. أحيلك إلى كارل ماركس الذي استطاع تلاميذه قلب الأوضاع في روسيا القيصرية وفي غيرها من الأماكن..."
كدليل على إلتزامه بمواصلة النقاش، كتب يقول: "كارل ماركس وإنجلز وتروتسكي وكل المعارضين السياسيين الروس عاشوا لمدة طويلة في لندن و علينا ألا ننسى السياق التاريخي للإمبراطوريات وحروبها في ما بينها."
بعيدا عن أي تحيز للذاتية، أضفت تعليقا قلت فيه: "وحتى تعرف أهمية وظيفة العقل (التفكير) في بناء الحضارة دعني أشير عليك بما وقع من انحطاط مريع للعرب مباشرة بعد تهميش العقل وصعود أعدائه من أالشاعرة والسلفيبن الذين أعطوا أولوية للنقل على حساب العقل.. ولماذا يعتبر المؤرخون أن منطلق الحضارة الغربية تمثل عندهم في اليونان القديمة التي تميزت بظهور وازدهار التفكير الفلسفي؟.."
وبعد أن بخس الفكر ها هو يعود إلى تقدير قيمته من خلال هذا التعليق: أستاذي الفاضل، لا أختلف معك في ان للفكر دورا في رقي الأمم، لكن المحرك الأساسي للتاريخ ليس الفكر بل جدلية مادية بين الشعوب. فما ابتكر اللقاح إلا لأن الطاعون حصد الملايين من الأرواح و لم توجد امريكا الا بعد قتل عشرات الملايين من الهنود الحمر . ولا تقوم حضارة الا على انقاض حضارة سابقة."
ربما طمعا في تعميق النقاش وتكثير الفائدة من تتبعه، تجشمت عناء البحث عن نص فلسفي يقدر الفكر حق قدره، فكانت هذه المحاولة.
في سنة 1934، صدر لموريس بلونديل كتاب بعنوان "مسؤوليات الفكر وإمكان إنحازه". مؤلف الكتاب فيلسوف فرنسي معاصر، كاثوليكي النزعة، ولد في مدينة ديجون يوم ثاني يناير سنة 1864، وتوفي في أكس-إن-بروفانس يوم 4 يونيو سنة 1949.
يقول بلونديل في التقديم* الذي خص به الطبعة الأولى لكتابه: تابعنا حتى الآن، كمتفرجين بسطاء، التطور الإيقاعي للفكر، بما فيه من عفوية، باعتباره قوة من قوى الطبيعة، وكدافع مقيد أو حتى قاهر. عندما تحدثنا عن ميل، أو طموح، أو جهد نحو الوحدة، أو خطوة نحو غاية مرغوب فيها ضمنياً، بدأ وكأن الأمر كان يتعلق باستعارات أنثروبومورفية، وبتأويلات ذاتية لا تتدخل إلا بعد وقوع الحدث لإلقاء ضوء اصطناعي على قصة ظللنا غرباء عنها، دون أن نهتم بها من قبل، ودون أن نضطر بعد ذلك إلى الدخول في الدراما والتزام صف الممثلين. لكن ها نحن نقترب من المشهد حيث لا نظهر، مثل إحدى شخصيات موليير، إلا في الفصل الثالث، إنما لدور تم إعداده بعناية، ومنتظر للغاية، وحاسم للغاية! لقد تحركنا، حتى عندما لم نكن بعد ظاهرين هناك".
كلما كانت هناك نقطة في التطور الطبيعي، المصيري إذا جاز التعبير، للفكر، حيث يجد هذا الفكر التأملي، الموضوع عنوة في حيازة شروط العقل، الحرية بالتالي، نفسه في وضع مستعدا للتدخل في إعداد تاريخه الخاص، في تعديل وسائله، في البحث عن غاياته المباشرة أو النهائية وملاحقتها. يضع يده في يد مستشاره (باللاتينية في النص).
انطلاقا من هذه وجهة النظر الجديدة والأكثر تفهما، ربما سيستطيع الفكر دمج كل ما سبق تقدمه على نحو غامض، المستنير والمصادق عليه من الآن؛ لكنه سوف يتجه على الأخص، وهو أقل سلبية وأقل تلقيا بشكل خالص، إلى أن يكون عليه الاستعداد (ضمن الأطر التي يبدو أنه يخضع لها، رغم أنها في عمقها تستجيب لاحتياجاته الجوهرية) لمبادراته الواضحة أو لأخطاء توجهه.
هكذا ـ ندرك هذا مسبقا، وسوف نصبح أكثر وعياً به ـ يبدأ الفكر، الذي يكون في البداية أسيراً في حضن الطبيعة كما في مصفوفة مظلمة حيث يتم إعداده لحياة النور، بالتشكل والخضوع، حتى في ما لديه بالفعل من نشاط. مع ذلك، بواسطة تطوره ذاته، ينبثق من التيار الذي دحرجه داخله حيث يستمر في أخذ الدعم والحركة، لكن لإدراك الأفق، دراسة المحيط، تجنب الشعاب المرجانية، والاتجاه نحو بر الأمان.
لكن قبل أن ندرس مساره ونتابع رحلته، يفرض إجراء تحقيق حذر ذاته علينا؛ طالما أن الجانب الذي يهمنا النظر منه إليه لم يلاحظ إلا قليلا وطالما أنه من الصعب جدًا دراسته بطريقة منهجية. يجب علينا إذن توضيح التمشيات التي أدت إلى التدخل في القرارات الذكية. علينا التأمل في الأسباب السرية التي أدت إلى ظهور هذا الشكل أو الوظيفة الجديدة لهذا الفكر المتحرر؛ علينا إذن أن نجعل الناس يفهمون الصراعات، المخاطر، والمسؤوليات التي تولدها هذه الفوضى التي أدت إلى نشوء ملحمة الفكر في مرحلة الحمل بأصل العالم، وهي الدراما التي يتعين علينا دراسة منعطفاتها وتعقيداتها، قبل ومن أجل قيادتها إلى نتيجتها المأساوية أو السامية.
إذا كان بعض القراء قد فوجئوا وحتى صدموا بالمفارقة الأولية لفكر كوني، يعمل بشكل غامض من خلال ثنائية تنشأ مع ذلك من بحث لا يقهر عن وحدة هاربة دوما، فإننا ربما - حتى لو انتهى بهم الأمر إلى الموافقة على بعض وجهات النظر المفتوحة أمامهم سابقا - سوف ندهشهم مرة أخرى بأن اقتراح عليهم، ليس فقط داخل الكون ولكن في الجزء الأكثر حميمية من الفكر نفسه، معارضة سرية، صدع لا يمكن علاجه بشكل أكبر لأنه في نفس اللحظة التي جاءت فيها فكرة الله لتجمع حوافها، بدا الجرح بعيدا عن الشفاء، أعمق وأكثر فتكًا لآمالنا في حل سلمي.
هذا هو التحدي الذي يواجهه البحث والذي يفرض نفسه علينا بالضرورة من خلال الجهد المتماسك لكل فكر مخلص لضوئه الخاص، لكنه يتطلب تدخلاً من جانبنا. ذلك أنه إذا نشأ فينا هذا التكوين الحتمي لتفكير مضطرب ومحرر، حتى بدون علمنا وضد إرادتنا، فإن هذه الحرية، ابنة الضرورة الظاهرة، ليست ضرورية؛ تصبح أما للخيارات المستنيرة، الطوعية، المنسوبة إلى مسؤوليتنا؛ فها هو، إذن، مبدأ النور الجديد والحاسم للمصير الأسمى للروح.
سيتعين علينا الذهاب إلى أبعد من ذلك. فإذا ظل فكرنا معمولا باستمرار، مثل العالم وأكثر من العالم كله، من قبل ولادة - مجهضة دائمًا - للوحدة، فسوف تنشأ لنا بالضرورة مشكلة أمام فجوة الخطإ التي لن نتمكن أبدا من ملئها أو سبر غورها: هل من المعقول، إذا لم ننجز فكرنا أبدا، أن يكون هناك مع ذلك فكر خالص وكامل، فكر في حد ذاته، "فكر الفكر" الذي سيكون الواقع ذاته والكمال المطلق للروح؟ ألا نرى أن حل هذه الصعوبة العظمى هي مع ذلك الجواب الوحيد القادر على تقديم حل للغزنا؟ لكن ألا ينبغي لنا أيضا أن نبحث عن الكيفية التي يمكننا بها، دون افتراض، أن نعالج مثل هذا المسألة، على الأقل للإشارة إلى أي مدى - مهما تمكنت من الظهور غير قابلة للحل لنا وبنا - تكون مع ذلك قابلة للتصور وقمينة بالإشارة إلى الظروف التي من شأنها أن تجعل الحل ممكنا؟
سوف نرى لاحقا أن صلابة أو حتى إمكانية معارفنا الجزئية أو الحقائق الثانوية تتوقف على مثل هذه المسألة المطروحة ضمناً وهذا الحل المتوقع افتراضيًا؛ لأنه إذا لم تكن هناك علاقة بين الأشكال الأكثر بدائية للفكر، للوجود وللفعل، فإن أفهوم الحقيقة، فكرة الوجود، دافع التطلع الروحي سيكونون غير مفهومين بشكل جذري، وغير قابلين للتحقيق، ومن المستحيل تصورهم وملاحقتهم. ولكن مهمتنا الحالية أكثر محدودية؛ ومن المهم أولاً تغطية المراحل الوسطى للطريق دون فجوة أو انقطاع.
ما يتعين علينا فهمه في الوقت الحاضر هو حقيقة التعايش الواضح في داخلنا بين شكلين غير متجانسين من الأفكار المشتركة. لا شك أنها كانت دائما أكثر أو أقل تمييزا؛ لكن يبقى أن نوضح من أين تأتي، كيف تخلق بتطورها الحتمي مشكلة تثير وتسائل مسؤوليتنا. ومنذ ذلك الحين أصبحت فكرة الحرية نفسها مدمجة في حياة الفكر الواعي بذاته حقًا والمعقول لأجل ذاته.
لكن هناك مخاطر تظهر أيضا؛ يصبح التعليم والتقويم ضروريين حتى يتوافق نظام الخيارات الحرة مع نظام الحقائق الباقية والتناسقات الجوهرية. بهذا الشرط فقط تسهم أفكارنا قيد الصيرورة في ما يمكننا أن نسميه المعقولية والخيرية الجوهرية للفكر الكامل، كما يجب أن نتصوره بشكل مثالي ونسعى إليه حقا. إنما بفضل هذا الاستقامة في تفكيرنا الشخصي للغاية، سنكون قادرين على مقاربة مسألة الفكر الخالص، قضية معرفة ما إذا كان هناك مطلق للتفكير، كمال قائم بشكل معقول وذكي، حيث يتحد الوجود والتفكير والفعل ويكونون متحدين ومتميزين، في تبادلية بين الواقع والحقيقة والمحبة المكونبن (بكسر وتشديد الواو).
------------------------------------------------------------
(*) https://classiques.uqam.ca/classiques/blondel_maurice/pensee_tome_2/pensee_tome_2_perspectives.html
#أحمد_رباص (هاشتاغ)
Ahmed_Rabass#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟