بلقاسم عمامي
الحوار المتمدن-العدد: 8265 - 2025 / 2 / 26 - 02:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مجدة "تشان"...
ما الذي يجعل الأفكار تتزاحم عليك...؟...كيف السبيل إلى فرزها في زمن ضاعت فيه كل مقاييس الفرز وتهاوت فيه المرجعيات...؟...كيف للعقل أن يحافظ على نقاوته وعلى صِدقيّته ونجاعته في زمن كل ما فيه يدعو إلى تغييبه ونفيه أو حتى إعدامه...؟....ما جدوى أن نعتدّ بعقولنا في زمن تخريب العقول، في زمن تمّت (فيه) محاصرة كل التطلعات والأفاق ومصادرة الأحلام...بل مصادرة مجرد التفكير فيها...؟...ما جدوى العقل إذا كنا سنملؤه بالقاذورات...؟...وما جدوى العقل حين نستخدمه فيما يسيء...فيما يؤخّر...فيما يؤبد هزائمنا وخنوعها...؟...وما العقل حين لم يعد يُفِيدنا في تغيير واقعنا والتخطيط لحياة أفضل مفعمة بالسعادة والحياة....؟...وما العقل إن لم نحكّمه في خلافاتنا وصراعاتنا...؟...وماذا سيميزنا عن بقية الكائنات إن تخلينا عن عقولنا أو سمحنا لغيرنا - كائن من يكون - أن يلغيها أو يشكّلها أو يوجّهها...؟...قيمتنا في عقولنا...نحميها ونُنمّيها...نرعاها ونعتز بها ونحول دونها ورغبات من يسعى إلى تخريبها...
تاهت الأفكار كلّها أو جلّها...تزاحمت وتدافعت والغربال ثقوبه واسعة تسمح بمرورها – كلّها أو جُلِّها - ما العمل...؟...سأتركها تتدفق...وسأترك مهمة الفرز للاتي سيتلقفنها وللذين سيتلقونها...فحجم المأساة يقلص من فاعلية كل فرز أو غربال...ومجدة هو عنوانها ووقودها...وهو أيضا شعلتها...
وكالنار في الهشيم، سرى خبر مفاده إن مجدة من بين عناصر الكومندوس الذين احتلوا مدينة قفصة ذات ليلة 27 جانفي من عام 1980...ثم قيل أنه اختفى، ربما ليلتحق بمدينة "المكناسي"...له فيها أصحاب وله فيها ظلم يريد أن يطهّر نفسه منه...وله فيها أرهاط لطالما ألحقوا به أذًى لا حدّ له.... وصل مجدة إلى مدينة "المكناسي"...مرّ من شرقها إلى غربها، ثم جنوبها وهو يحمل على أكتافه أعباء أسابيع وقهر زمن، وتحت عباءته أسلحة ومتفجرات وقطع إبادة ومؤونة تكفيه ليتسلطن في المدينة ويفرض شريعته إن أراد....ثم تسلل إلى أحد المنازل التي يعرف أهلها....كانت خالية من أصحابها....مكث هناك وحيدا....ثم طرق باب منزل مجاور وطلب من صاحبه استدعاء رفيق قديم "تقومج" في بلد مجاور...ومن ثمّ، سُلّم وحوكم وسُجن بردا وسلامة...وأُفْرج عليه بعد أن دفع من عمره ومن شبابه ومن أحلامه ما سوّاه بالأرض...
طال انتظار مجدة...اشتم رائحة غدر...غيّر موقع اختفائه حيث قفز إلى منزل مجاور....يعرف صاحبه..ولم يلبث العسكر أن طوّقوا المكان...كانوا يجهلون حركته الأخيرة ...وظلوا لليلة كاملة من ليالي فيفري الباردة يتمترسون ثم يزحفون باتجاه منزل خلا من أهله حتى طلع النهار وحان وقت الحساب...أرسل مجدة طلباته بواسطة صاحبة المنزل...طلبات بسيطة...لم يطلب طائرة تقلّه حيث يريد أو سيّارة مجهّزة بسائق خزانها مملوء بنزينا أو طلب فدية مثلا...لا..لا...طلب أن يتقدم للقائه معتمد المنطقة (ع.ع) و(ح.ن) رفيق والده في المقاومة المسلحة...والذي ساهم في إجرام الحاكم ضده...وأيضا من وشى به من أبناء الجهة...من بينهم اثنان من عصابة الحزب الدستوري بمدينة "المكناسي"...من الذين احترفوا "القوادة" مهنة والتلحيس وسيلة...لكن لا أحد من هؤلاء قبل بالمواجهة...
تمسك هو بطلباته التي أضاف إليها الإفراج عن والده "حمّة علي بن عامر" بعد أن بلغه خبر إيقافه...وهو المناضل والمقاوم والقائد والثائر الذي سجّل اسمه في تاريخ هذا الوطن السليب بامتياز...كيف لا وهو القائد الذي قهر عسكر العكري (فرانسا) في العديد من المواجهات في الجبال المحيطة بمدينة "المكناسي" وقفصة والقيروان و"فريڨيا" وغيرها...
جيء بوالده الشيخ الرهينة الذي كان رهن الإيقاف والتنكيل والإذلال منذ ورود اسم مجدة ضمن العناصر المسلّحة التي احتلّت مدينة قفصة...تكلم الملازم المفاوض مع مجدة وأعلمه بصدور أمر من القيادة العامة للقوات المسلحة العسكرية بتفجير المنزل بمن فيه وبما حوله...وأنه يستطيع فقط التواصل مع والده...ثم سلّم مضخم الصوت لوالده...آه ما أقساك يا وطني وما أقسى قلبك عمّن مات حبا في هواك ودفع من عمره و"أهديت" له مناسبة يبدي فيها تضحيته بفلذة كبده، أو يضحي الثاني بنفسه طاعة لوالده...
خاطب "حمة علي بن عامر" مجدة ابنه بألم لا يحتمل: ليش جاي للمكناسي يا مجدة وليدي...؟...رد مجدة: حبّيت نكون بين أهلي وناسي...رد والده: تعبوني في جرتك يا وليدي...هو لم يتعود على سماع كلمة "يا وليدي"...ارتعشت يداه واختلج جسده وغشت ضبابة عينيه...ثم أردف والده: هيا يا ولدي سلّم سلاحك وارتاح...ما عادش عندي باش نطاوڨ لحْباس..
"حمة علي بن عامر" بهيئته وهدوئه وقامته المديدة رغم أيام البهذلة والإيقاف...ورغم طول المشوار الذي قطعه في حياته إما ثائرا أو سجينا أو حتى منبوذا في وطن كان من بين من نحت صورته الجديدة ومن يحقّ لهم أن بفخروا عندما يقولون "خرّجنا فرانسا"، ورغم ما عاناه من غبن وظلم ونكران للجميل في حين ينعم "قادة" غيره ودونه شجاعة ومآثر بالامتيازات والهناشير الفلاحية والأبواب المفتوحة، حتى الذين كانوا - ولا يزالون - يتقاضون جرايات من داخلية فرنسا تراهم ينفشون ريشهم كالطواويس في شوارع "المكناسي"...وحتى "الڨومية" (أي القوادة عيون المعمّر والمراقب والخليفة) وسبحان من غيّر ملفاتهم وزوّر التاريخ وزيّف الحقائق فصاروا مقاومين ومن وجوه القوم، وأصبحوا أصحاب حقٍّ، يقفون في الصفوف الأمامية حاملين أوسمة الاستقلال بعد أن أخْفوْا أوسمة المحتل - ربما إلى حين –
و"حمة علي بن عامر" أُعِزّه وأقدّره...وهذه المشاعر امتزجت بالإعجاب والتقديس لكل الذين هبّوا إلى الجبال والأزقة ليحرروا وطنهم مثل الدغباجي ومثل ميلود الرداوي ومثل البشير بن سديرة وعمّي عمر العمامي (العريف أول بالحرس) شهيد بنزرت...وأيضا مثل الفاضل ساسي ورؤوف الساكري الذين استشهدوا ذات جانفي 84 من أجل الخبز الأسمر...أما معزّة "حمة علي بن عامر" وتقديري له فقد نشآ ذات أكتوبر من عام 1969 ليلة هاجمت فيها السيول مدينة "المكناسي" فغرقت في الماء والوحل بسبب كارثة فيضانات غير مسبوقة...إذ كان لوجوده صدفة في بيتنا وبجانب والدي دور حاسم في القبض على الحياة...
في 8 فيفري من سنه 80 - ذلك اليوم المريع - خطّ مجدة آخر فصول انهزامه...كان يدرك ذلك...لا شيء كان يبرر عودته إلى مدينة "المكناسي"...هو قال..."فيها أهلي وناسي"...بين "ناسي والمكناسي" هو التضعيف بعد التعريف بمدينة "المكناسي" التي جُبلت على النسيان...قدرها النسيان...ومن كثرة ما نُسِيت ونسُوها، أصبحت هي بنفسها تجلد ذاتها وأبناءها بسياط النسيان...ومجدة أراد أن ينتهيَ بين أهله وناسه...هم ذواتهم الذين نبذوه وطاردوه وباعوه بأبخس الأثمان...هم ذواتهم الذين فجّروا مأساته مذ كان طفلا فحرموه من دفء حضن والده "حمة علي بن عامر" حين نكّلوا به وجعلوه يبيت ويُصبح تحت سياط الجلاد ونقمة الأقزام الذين تعملقوا في حضوره هو وأمثاله من رموز فترة مقاومة فرنسا والذين يحلو لهم أن يسموهم "فلاڨة" (فيما معناه قطّاع طرق)...
كان يوما لا ككل الأيام...يوما عنوانه البهْتة واليأس والقنوط والإحباط...يوما عنوانه الهزيمة والاستسلام...أحاسيس انتابت كل أهالي "المكناسي"...قلّة قليلة هم من أظهروا ابتهاجهم بوقوع الأسد في الشرك، ولكنهم قلة لا يًعتدّ بعددهم ولا بوزنهم...فلا شرف ولا مكانة لهم عند أهالي "المكناسي"...قلّة من المتزلفين و"القوّادة" الذين لا يتركون فرصة تمرّ دون إظهار ولائهم وركوعهم للحاكم أو لأولئك الذين يعيشون على بقايا موائد المعتمد...أما البقية...الأغلبية الصامتة أو الهامسة تلميحا أو حتى تصريحا - رغم اختلاف تقويماتهم– فقد ساءهم أن يرَوْا شبلا من ذاك الأسد يسقط خائرا مستسلما دون مقاومة....هذا الإحساس الذي انتابهم، امتزج بالمرارة واليأس...ربما كانوا يأملون من مجدة أن يظلّ رمزا ثائرا ينير لهم السبيل...لم يصدّقوا أن ما يشاهدونه ويشهدون عليه هو نهاية مطاف ونهاية درب سلكه مجدة في مواجهة العدو الصهيوني انطلاقا من الأراضي المحتلة بفلسطين إلى جنوب لبنان مرورا بالحبس الجديد في تونس وصولا إلى هذه الـهوّة السحيقة...نهاية درب شديد الانحدار...ومجدة نفسه لم يكن يأمل أفضل مما كان...هو يدرك طينة البعض من أهل "المكناسي" ويعرف أكثر من غيره غدرهم ونفاقهم...لقد خبر عجزهم وخوفهم...لذلك فربما كان وقع المصيبة عليه أهون....
لقد كان ذلك اليوم بالنسبة له المحطة الأخيرة دون بلوغ الهدف...ودون تحقيق أي مطمح...ودون إنجاز أي مهمة من المهمات والطموحات والأهداف التي لطالما سطّرها وحلم بها لإسعاد أبناء هذا الوطن...فما الذي حدث...؟...وما الذي تغيّر حتى يؤول الحال إلى هذا الدرك...؟...هل ضاعت السبل بين الخطوط والدوائر...؟...أم طالت الطريق ووعرت وصار آخرها بعيد المنال فاستعجل النهاية....نهايته هو...لا نهاية الطريق...؟... أكان يمكن أن يحتمل أكثر...؟...أكان بمقدوره أن ينتهيَ نهاية أكثر بطوليةً...نهاية تحمل في طياتها تحديا أكبر للأقزام ومضمونا أوضح للأجيال الصاعدة...نهاية فيها تأسيس لنهج مناضل ينخرط فيه الشباب العاطل وأبناء المدارس والمعاهد والكليات...والناس المحرومون فيرفعون عن أكتافهم ثقل المحن ويمسحون عن وجوههم غبار القهر والرضوخ والهوان...؟...مجدة كان يعرف كل ذلك وكان يجد نفسه مندفعا نحو حتفه...لكن أهالي "المكناسي" في ذلك اليوم هالتهم تلك النهاية المأساوية لبطل يستحق تتويجا أفضل...
ء**************************************ء
• حكم على مجدة (عبد المجيد الساكري) بالإعدام بتاريخ 27 مارس 1980...وتمّ التنفيذ بتاريخ 17 أفريل 1980
• "تشان"...الاسم الحركي لمجدة....تبنّاه تكريما لأستاذه الياباني الذي تبناه وعلّمه فنون القتال اليابانية (الأيكيدو...الكاراتي...)
ء*******************************ء
• صورتان لن تمحى من ذهني مهما طال الزمان:
1- صورة القبض على عبد المجيد الساكري في مدينتي المكناسي (كنت حاضرا وشاهدا)...ووالده "حمّة علي بن عامر" (قائد في المقاومة التونسية ضد الاستعمار الفرنسي) وهو يخاطب "مجدة" بمضخّم الصوت ويقول له "سلم نقسك وما تتسببش في كارثة في المكناسي"...وعبد المجيد يخرج مرفوع الرأس والحاضرات والحاضرين يصفقن/ون وينادين/ون باسمه...هو اللي قضّى أفضل سنوات عمره مقاوما ومناضلا في الثورة الفلسطينية ضد الصهيونية....
2- الصورة الثانية هي نتيجة خروجنا في مظاهرات طلابية في صفاقس تنديدا بتدخل فرنسا بالعسكر والطيران....تم القبض على مجموعة عددها 25 طالبا في منطقة الشرطة بباب بحر بقينا 13 فقط لمدة 17 يوما...ليتمّ ترحيلنا يوم 3 مارس لثكنة بوشوشة ومنها مباشرة لثكنة سوق الجمعة/مكثر (تجنيد قسري) أين بقينا طيلة فترة التدريب (شهرين ونصف) ومنها تم ترحيلنا إلى قبلي ليتم تقسيمنا على مجموعتين واحدة في الفوار والثانية في رجيم معتوق لمدة تسعة شهور ونصف...وكنت في المجموعة الثانية....
#بلقاسم_عمامي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟