بن سالم الوكيلي
الحوار المتمدن-العدد: 8209 - 2025 / 1 / 1 - 22:14
المحور:
كتابات ساخرة
في قرية كرمة بن سالم، تلك البقعة الصغيرة التي تتشابك فيها البساطة مع العبث، انطلقت واحدة من أغرب الحكايات التي يمكن أن تروى عن الشباب ومغامراتهم. القصة بدأت عندما اجتمعنا نحن الثلاثة: أنا، المرحوم أحمد المصباحي، ورفيقنا المصطفى المرابط، المعروف باسم "بونجا"، لنخطط لمغامرة جديدة لا هدف لها سوى كسر رتابة الأيام.
كان عمي أحمد قداش، رجلا بسيطا بالكاد يوفر قوت يومه، يملك ديكا روميا اعتاد أن يتجول بحرية بين أشجار التين الشوكي المحيطة بمنزل المرحوم عمي الهادي المصباحي. الديك لم يكن يعلم أنه على وشك أن يصبح بطلا لمغامرة عبثية تحمل كل تناقضات شبابنا. لم تكن الفكرة مدفوعة بالجوع أو الحاجة، بل بشيء أعمق وأكثر عبثية: البحث عن الإثارة في حياتنا الهادئة.
خططنا للعملية وكأننا نخطط لسرقة كنز. جلسنا نرسم سيناريوهات محتملة، نراقب تحركات الديك بين التين الشوكي، ونفكر في كيفية القبض عليه دون أن نصاب بأشواك النباتات المحيطة. وفي ليلة من ليالي الصيف، حيث كان القمر غائبا، انطلقنا في مهمتنا. تسللنا بصمت، حتى أمسكنا الديك بعد مطاردة قصيرة لكنها مليئة بالإثارة. كان الديك يصرخ احتجاجا، وكأنما يدرك المصير الذي ينتظره.
بعد نجاح العملية، اجتمعنا حول النار، وبدأنا طهي الديك الرومي. كانت وليمة لم نحلم بمثلها، أكلنا بشراهة وكأننا لم نتذوق طعاما في حياتنا. وبينما كنا نضحك ونتبادل الحديث، بدأت أسئلة تطفو على السطح: ماذا لو اكتشف عمي أحمد الأمر؟ وهل كانت هذه المغامرة تستحق المخاطرة؟
في الأيام التالية، لاحظ عمي أحمد اختفاء الديك. بدأ البحث عنه، وبدأنا نحن في التظاهر بالمساعدة كأننا محققون محترفون. لكن سرعان ما بدأ الشك يحيط بنا، خاصة حين لم نستطع إخفاء ابتساماتنا كلما ذكر الديك. وفي لحظة درامية حاسمة، قرر بونجا الاعتراف. وقف أمام عمي أحمد وقال بكل براءة: "عمي، نحن من أخذ الديك وأكلناه".
على عكس توقعاتنا، لم يغضب عمي أحمد. بل ابتسم وقال: "كنت أبحث عنكم لأخبركم أن الديك كان مريضا جدا، ولم أكن أتوقع أنه سيعيش طويلا!"، وكأنما يمنحنا مخرجا مشرفا من مغامرتنا العبثية.
لكن القصة لم تنته هنا. بعد فترة قصيرة، تغيرت حياة عمي أحمد بشكل كبير. بفضل صفقة غير متوقعة، تحسنت أوضاعه المالية، ولم يعد بحاجة إلى الديك أو حتى إلى الغرامة التي كنا مستعدين لدفعها كتعويض. بل أصبح هو الآخر شريكا في مغامراتنا المستقبلية، وكأن هذا الحادث قد عمق صداقتنا معه.
ما تبقى من القصة هو ذكرى عبثية محفورة في الذاكرة. "ديك رومي بين التين الشوكي" ليست مجرد حكاية عن شقاوة شباب أو جريمة لم تكتمل، بل درس في الصداقة، التسامح، وعبثية الحياة. ربما كان الديك ضحية بريئة، وربما كنا نحن المذنبين، لكن المؤكد أن تلك الليلة صنعت قصة لا تُنسى عن شباب كرمة بن سالم وحبهم للحياة بكل جنونها وسذاجتها.
#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟