بن سالم الوكيلي
الحوار المتمدن-العدد: 8209 - 2025 / 1 / 1 - 01:53
المحور:
كتابات ساخرة
ها نحن نستقبل عاما جديدا، عام 2025، حيث تتجدد الآمال وتفتح أمامنا أبواب لمغامرات جديدة. ومع هذه البداية، أجد نفسي مضطرا لإلقاء خطاب اعتذار قد يبدو غريبا، لكنه يعكس تحولا جذريا في طريقة تفكيري. لقد كنت، وما زلت، كاتبا أدمنت السخرية، أستخدمها كسلاح لنقد كل شيء من حولي: السياسة، الاقتصاد، التكنولوجيا، وحتى الحياة اليومية. لكنني الآن أدرك أن السخرية ليست دائما الحل الأمثل، بل يمكن أن تكون مرآة مشروخة تعكس عيوبنا بشكل مضحك ولكن مؤلم.
أبدأ اعتذاري من السياسيين، هؤلاء الذين وصفتهم ذات يوم بـ"أبطال الهروب". كنت أراهم كفنانين في تفادي تحمل المسؤولية، متقنين لفن التملص. لكن يبدو أنني فشلت في رؤية الصورة الكاملة؛ الهروب من المسؤولية ليس مجرد مهارة، بل هو نظام متكامل يتقنه الجميع. لذا، أعتذر عن سخريتي السابقة، وأعدكم أن أكون أكثر تعاطفا مستقبلا. ربما سأصفكم بـ"رواد التظاهر بالإنتاجية"، فهو وصف أكثر دقة وأقل قسوة.
ثم تأتي فئة رجال الأعمال، الذين لم يسلموا من قلمي اللاذع. كنت أصفهم بـ"مخترعي الفشل"، لكنني الآن أدرك أن الفشل ليس دائما نهاية المطاف، بل يمكن أن يكون خطوة نحو النجاح. المشكلة ليست في الفشل، بل في قدرتهم العجيبة على تحويل الفشل إلى سلسلة متواصلة من الإخفاقات دون أن يتوقفوا. لذا، أهنئهم على هذا الإبداع المستدام، وأعترف بأن سخريتي منهم كانت قاسية.
أما عشاق التكنولوجيا، الذين طالما سخرت من إيمانهم بأن الأجهزة الذكية ستنقذ البشرية، فأنا مدين لهم باعتذار خاص. نعم، لقد كانت رؤيتهم صائبة إلى حد ما؛ التكنولوجيا غزت حياتنا وأصبحت جزءا لا يتجزأ منها. لكن في المقابل، أليس من المضحك أن الهواتف الذكية التي وعدنا بأنها ستجعل حياتنا أسهل، جعلت عقولنا أكثر تشتيتا؟ نحن الآن نعيش في عصر "الأجهزة الذكية التي تجعلنا أقل ذكاء". ربما كانت سخريتي منهم مبررة، ولكنني أعترف بأنها كانت سطحية.
وفي نهاية المطاف، أجد نفسي مضطرا للاعتذار من نفسي. لقد أضعت وقتا ثمينا في نقد الآخرين بدلا من التركيز على تحسين ذاتي. كان بإمكاني استثمار هذا الوقت في تعلم أشياء أكثر فائدة، كإتقان تحضير القهوة المثالية أو إيجاد طريقة للعمل من المنزل دون أن يتحول السرير إلى مكتب دائم.
عام 2025 ليس مجرد بداية جديدة، بل فرصة لإعادة التفكير في كل شيء. السخرية ليست خطيئة، لكنها تصبح كذلك عندما تتحول إلى أداة للإقصاء بدلا من الإصلاح. لذا، أعدكم أن أكون أكثر نضجا في كتاباتي الساخرة، وأن أستخدمها كوسيلة لإثارة التفكير بدلا من التهكم. وإن أخفقت في ذلك، فلا تترددوا في توجيه سهام السخرية نحوي، فأنا أستحق ذلك وأكثر.
دعونا نبدأ هذا العام بابتسامة، ونستفيد من أخطائنا السابقة، ونعد أنفسنا بأن نكون أفضل، ولو قليلا. سنة جديدة سعيدة، مليئة بالضحك والتأمل والتغيير الإيجابي، وإن لم تكن كذلك، فلنضحك على أنفسنا، فهذا أضعف الإيمان.
#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟