سيامند حسين إبراهيم
الحوار المتمدن-العدد: 8073 - 2024 / 8 / 18 - 03:17
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
لكل عصر ثورته واختراعه وموضته ولكل مجال عصره الذهبي، في العصور الوسطى وحوالي العام ١٤٥٠ انتشرت حمى الاستكشاف في عموم القارة الأوروبية وخاصة في الدول القوية التي بدأت قوتها واقتصادها وحاجاتها تتسع أكثر من جغرافيتها وأصبحت نهمة لضم أراضي جديدة خصبة ووفيرة الكنوز وسهلة الاحتلال أكثر من الدول التي تقع جنوبي حوض المتوسط، وأما الحجة فكانت اكتشاف طريق مختصر للهند يلتف حول الأرض التي تأكدوا من كرويتها بناء على نظرية كوبرنيكوس، أما الوسيلة وواسطة الاستكشاف فكانت السفن الشراعية بأنواعها المختلفة كون الوجهة هي بحرية بحتة، ولأن الطريق كان مجهولا وطويلا لا يمكن التنبؤ بمدى الطريق او صعوبته لذا قامت دول كاسبانيا والبرتغال، وفرنسا وانكلترا وهولندا والدنمارك بتحديث أحواض صناعة السفن القديمة ونشرت عشرات الآلاف من أشجار الغابات الأوروبية من جوز وقيقب وسنديان وأرز وصنوبر حيث كان لكل نوع من هذه الأخشاب استعماله الخاص فالسنديان والجوز استعملوا في صنع هيكل السفينة لمتانته والأرز الألواح الخارجية لمقاومته الماء والصنوبر للداخل والزينة. قام المهندسون باختراع أنواع عديدة من السفن وتطويرها حسب الحاجة وحسب اكتشاف نقاط ضعفها وتطوير أجزاء من السفن إلى أن تحولت إلى قلاع متحركة أو قواعد بحرية متحركة، تحمل على متنها الجنود والسلاح والمؤن والمدافع الثقيلة وحتى الحيوانات كالاحصنة للركوب والأبقار من أجل الذبح. اعتمد البناء على تقليد شكل عظام السمكة عبر وضع عواميد كبرى اسفل السفينة وربطها سوياً بالمسامير وتعليقها ببعض عن طريق الثقوب والفراغات ثم تعليق عارضات خشبية كبيرة على العمود الفقري للسفينة بمسافات متساوية بشكل دقيق ثم غرز الصواري العملاقة داخل العمود الفقري وربطها بالعارضات الخشبية وتشكيل عدة طبقات في السفينة ثم كسوة هذه العارضات الخارجية بألواح خشبية منحوتة بشكل دقيق ومبللة من أجل الليونة ثم اكساء السفينة من الداخل والبدء بترصيف الطبقات الداخلية والخارجية مع صنع نوافذ المدافع ثم الوصول الى السطح وبناء الحصن الأمامي مع رأس السفينة والذي يكون من أقسى أنواع الخشب وذلك من أجل كسر أجسام السفن المحاربة حين الارتطام والتحام البحارة مع بحارة العدو، أما الحصن الخلفي فكان اعرض وأقوى ويحوي غرفة قائد السفينة والربان وفوقه عجلة القيادة والدفة معلقة في مؤخرة الحصن الخلفي وأما جدار السفينة فكان متر كامل من الخشب. المسامير المستعملة في بناء السفن كانت من أقوى المعادن والمصنوعة بشكل يدوي وأما الأخشاب فكانت تدهن بالزيوت من أجل عدم التعفن والتأكل وكان يتم صيانتها بشكل دوري في كل ميناء تصله. السفن كانت تجري بقوة الرياح والتي يتم تسخيرها عن طريق الأشرعة القماشية مستطيلة المعلقة على الصواري وأيضا على مقدمة السفينة من الأسفل وعلى جوانبها وفي مؤخرة السفينة وذلك للاستفادة من قوة الرياح في كل الاتجاهات وكانت الاشرعة تعلق بأعمدة طويلة ثابتة على الصوارية وأما الحبال فكانت غليظة ومتينة من أجود أنواع الخيوط ومدهونة بشمع العسل، أما الصواري ذاتها فكانت أبراج مهيبة ضخمة يصل طول بعضها الثلاثين متراً ويوجد في أعلاها استراحات مسورة بالخشب يجلس داخلها البحارة المراقبون للمحيط لتحذير طاقم السفينة من السفن المغيرة أو اكتشاف يابسة وأرضٍ ما، ارتفاع الصاري الضخم كان متوافقاً مع طول السفينة العملاقة وأهم واقوى السفن في تلك الحقبة هي سفينة الغليون وهو نموذج أوربي يعتبر من اقوى السفن كانت تتراوح اطوالها بين ٤٠ إلى ٧٠ متراً أو أكثر وعرضها من ١٠ إلى ١٥ متراً وارتفاعها أكثر من ٣٠ متراً حيث كانت سفن عملاقة جدا بأوزان هائلة لا تستطيع الدخول إلى الموانئ الصغيرة وكانت تحمل من ١٠٠ إلى ٤٠٠ بحار أو جندي، من مختلف الوظائف سواء (ربان، شراعيون، مراقبة، حرس، رماة مدافع، طباخون، عتالة، طبيب، منظفون) وكانت هذه السفن تحمل من ٨٠ إلى ١٣٦ مدفعاً من مدافع الحشوة والكرة الحديدية
من مختلف الأحجام والأنواع سواء اكانت نحاسية او حديد او برونز وعلى مختلف انواعها من الهاون أو الكرات الصغيرة المضادة للافراد أو الكرات الحديدية الضخمة التي كانت تهدم جدران القلاع وتغرق السفن. أما داخل السفينة فكان مقسما بشكل هندسي دقيق من غرف نوم طويلة للبحارة إلى غرف الذخيرة والسلاح والمدافع إلى غرف المؤن والطعام إلى مستودعات الشحن وحتى في السفن الحربية كانت توجد سجون صغيرة للاسرى. أما المؤن فكانت عبارة عن طعام مجفف كالفواكه أو البسكوت أو اللحم المقدد مع الحبوب والبقوليات وذلك كي تصمد في الرحلات الطويلة أما أصعب شيء كان يمكن الحصول عليه والاحتفاظ به في وسط ذلك البحر هو (الماء العذب). مع تطور السفن الشراعية ازدادت الصواري عن ثلاث وأصبحت تُزين باجمل الالوان من زرقاء أو حمراء ثم مُذهبة مع وضع التماثيل الخشبية الجميلة في المقدمة كتماثيل حورية البحر أو رأس كبش أو حوت البحر ذو القرن أو تمثال ملك البلاد كما تم تعليق عشرات الفوانيس حول السفينة والتي كانت تضيء ليلاً وتعتمد على زيت كبد الحوت والدهون كوقود. هذه السفن العملاقة والتي كانت سرعتها تصل التسع عقد بحرية أي حوالي ١٥ كم في الساعة وأكثر اعتماداً على قوة الرياح هي الوسيلة التي استكشفت بها اوربا العالم وبدأت باستعمار أمريكا وتحويلها إلى مستعمرة كبرى مؤلفة من ثلاثة قارات وهي أمريكا الشمالية ودخلها الإنجليز والفرنسيون والايرلنديين بكثرة وجعلوها موطنهم وهي كندا وامريكا اليوم والقسم الآخر وهي أمريكا الوسطى الرابطة بين الجنوبية والشمالية وتبدأ من المكسيك رغم كونها شمالية ولكن كما الجنوبية قام الاسبان والبرتغال بغزوها ولليوم لغة سكانها واشكالهم ممزوجة بين اللاتينيين وشعوب أمريكا الجنوبية ويسمون اللاتينيين بالإضافة إلى الأفارقة الذين تم جلبهم كعبيد الى القارتين للعمل في حقول الذرة والقطن شمالا و الكاكاو والموز جنوباً، أما في الجانب الآخر فأصبحت هذه السفن تحكم المحيط الاطلسي بالكامل ولفت حول رأس الرجاء الصالح ووصلت الهند والهند الصينية ثم الصين وكوريا واحتلتها بالكامل. هذا التطور أدى إلى نشوب حروب بحرية كبرى راح ضحيتها عشرات الاف البشر والسفن وغرقت في أعماق المحيط في تنافس كبير على التجارة والذهب، (تؤكد اليونسكو بأنه هناك ٣ مليون سفينة غارقة في البحار منذ أن أخترع البشر السفن) ومن أكبر الكنوز الغارقة هي السفينة الاسبانية سان خوسيه وتعتبر اسطورة لأنها كانت تحمل معادن ثمينة واحجار كريمة تقدر ب ١٧ مليار دولار على عملة اليوم ( الكنز سبائك فضة وقطعا نقدية ذهبية وصناديق من الزمرد) وقد غرقت في عام ١٧٠٨ وغرقت بالقرب من مدينة قرطاجنة. وحملت "سان خوسيه" المسلحة بـ 64 مدفعا الكنوز التي تم جمعها في مستعمرات أمريكا الجنوبية، حيث كان الملك الإسباني فيليب الخامس بحاجة إلى المال لتمويل حرب الخلافة الإسبانية.
وفي 8 يونيو اصطدم الأسطول الإسباني بقيادة سفينة "سان خوسيه"، وكان يضم 3 سفن حربية و14 سفينة تجارية، بالأسطول الإنجليزي، وكانت أبرز سفنه مسلحة بـ70 مدفعا. وسقطت قذيفة أطلقتها المدفعية الإنجليزية في مخزن البارود للسفينة الإسبانية، ونتيجة للانفجار والحريق على متن السفينة، غرقت "سان خوسيه"، ولم ينج سوى 11 بحارا من أصل 600 بحار من أفراد الطاقم وهي أكبر بكثير من السفن التي ذكرناها أنفاً.
كاتب المقالة
#سيامند_حسين_إبراهيم (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟