|
رد شرف الراقصة
منى نوال حلمى
الحوار المتمدن-العدد: 7605 - 2023 / 5 / 8 - 20:29
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
رد شرف المرأة الراقصة -----------------------------------------------------------------
ايمانى بالرقص ، هو ايمانى بالحرية نفسها . على قناعة تامة ، أن الانسان الذى يرقص امرأة أو رجلا ، من الصعب اخضاعه . شعب يرقص ، شعب لا يُستعبد . حين نرقص ، نتحول الى عصافير ، من المستحيل أسرها فى أٌقفاص ولو كانت من ذهب . بالرقص ، يكتمل الانسان ، حيث العقل ، والعاطفة ، والجسد ، فى التحام وتناغم ، وحيث يمتزج الماضى ، مع الحاضر ، مع الحلم ، فى لوحة تعبيرية مبدعة ، تمتع وتأسر العقول والقلوب . قبل اللغة والكلام والكتابة وازراعة ، رقص الانسان معبرا عن كل مشاعره واحتياجاته . تقول الراقصة الروسية الشهيرة ، أنا بافلوفا 12 فبراير 1881- 23 يناير 1931 ، " الراقصة ترقص لأن الدم يرقص فى عروقها ". وهذا التعبير بشكل آخر ، كما أفهمه ، أن الرقص يحول الجسد كله الى " فن ". أما ايزادورا دنكن 26 مايو 1877 - 14 سبتمبر 1927 ، التى تربعت على عرش الرقص فى أميركا ، تقول : " جاءتنى فكرة الرقص والحركة الأولى ، بالتأكيد من ايقع الأمواج ، حيث وُلدت على شاطئ البحر .. وأنا أرقص لأن هناك ما لا أستطيع قوله ". أتذكر أول قصة حب فى حياتى ، بدأت بالرقص ثلاث ساعات متتالية بدون توقف . وأعجز تماما عن مصادقة انسان لا يجيد السباحة والرقص . من تجربتى الشخصية مع السباحة التى أمارسها يوميا على مدار العام ، منذ ثلاثين عاما ، أن السباحة هى رقص على الماء وفى الماء ومع الماء . لا أثق بانسان امرأة أو رجلا ، لا يستطيع الرقص . واختصر الشاعر والممثل والمسرحى الفرنسى موليير 15 يناير 1622 - 17 فبراير 1673 ، القصية فى كلماته : " ألسنا نصف الانسان الذى فشل بأنه قد اتخذ الخطوة الخاطئة ؟ . وهل الخطوة الخاطئة شئ آخر غير عدم اجادة الرقص ؟ ؟. أعتقد أن أصعب الأزمات ، ومختلف المشاكل ، يمكن تجاوزها بالرقص . وبالتأكيد فان الطلاق " يقع " ، والزواج " يتعثر " ، لأن الزوجة والزوج ، يعجزان عن الرقص معا فى تناغم . " يقع " ، و " يتعثر " ، كلاهما من أبجدية الرقص . والعلاقة الحميمة بين المرأة والرجل ، ما هى الا " رقصة " أو رقصات متوالية من الشغف والدهشة والعاطفة ، فيها كشف للذات واستعادتها والاكتمال بها . وهاهو كعادته فى التهكم الذى يدل على فلسفة عميقة ، يقول الممثل الكوميدى فنان الضحك وسرعة البديهة الأميركى ، جروتشو ماركس 2 أكتوبر 1890 - 19 أغسطس 1977 : " ان الزوجات اناس يشعرون أنهم لا يرقصون بالقدر الكافى ". وأعتقد أن كثيرين مثلى ، لا يتذكرون شيئا من فيلم زوربا اليونانى ، الا رقصة زوربا للممثل المكسيكى الأميركى ، لأنتونى كوين 21 أبريل 1915 - 3 يونيو 2001، على موسيقى ميكيس ثيودوراكس 29 يوليو 1925 - 2 سبتمبر 2021 . لكن فى بلادنا ، لا نحترم الرقص ، ونزدرى الراقصات بشكل خاص . واحد اعلامى شاهدته ، وسمعته فى قناة فضائية ، يقول بالحرف الواحد : " بصراحة أى واحدة بتشتغل رقاصة هى فى ُعرف العاهرة ، لأنها تعرض جسمها العارى ، وتتحرك حركات اباحية تثير شهوات الرجال ". ما شهوات الرجال ، هذه التى ورانا ورانا فى كل مكان ، تعطل تقدمنا الحضارى والأخلاقى ، يثيرها مجرد وجود المرأة ، حتى لو متغطية كلها ؟؟. لا يعرف الرجال كيف يضبطون ويحكمون ويربون شهواتهم ، ومع ذلك يستعلون على النساء ، يسرقون حقوقهن، ويغتصبون كرامتهن ، ويذبحون انسانيتهن علنا ، فى وضح النهار ، بدم بارد . كيف نقبل هذه الأوضاع ؟؟. أغلب الناس ، نساء ورجالا . مثل هذا الاعلامى ، لا يجدون مانعا للاستمتاع بعرض الراقصة ، ورشاقة جسدها . لكنها أخلاقيا ، مُدانة . وعرفنا رجالا تزوجن من راقصات ، على شرط أن تترك الواحدة منهن الرقص ، لأنه ماض غير مشرف . موقف يفضح تناقضاتنا الأخلاقية ، والثقافية ، والحضارية ، التى تثير الاشمئزاز ، وتوضح لماذا نحن فى بلادنا ، نعانى من الأخلاق المنحدرة ، والفضيلة الهشة ، والنفوس الغارقة فى الفصام ، والكذب ، والسِرية ، والموروثات العفنة . لا نرى فى جسد الراقصة الا لعبة مدنسة ، تثير شهوات الرجال ، وتحرض على الانحلال الأخلاقى . مع أن الشهوات والانحلال ، فى " عين " المتفرج ، وليس فى جسد الراقصة ، التى تزاول واحدة من المهمات الفنية الابداعية ، الأخرى ، مثل الِغناء ، أو التمثيل ، أو كتابة الشِعر ، أو العزف على احدى الآلات الموسيقية ، أو النحت ، أو التصوير ، أو الاخراج السينمائى . سمعت واحدا من كبار المشايخ والدعاة وأشهرهم ، يقول أن الرقص حرام لأنه يخرب البيوت . فالرجل تتفجر شهوته ، وهو يتفرج على الراقصة الفاتنة التى تتلوى بحركات الجسد ، فيذهب الى البيت متعشما أن تفعل زوجته مثل الراقصة ، وطبعا مراته متعرفش ، فتبدأ المشاحنات والمشاجرات والنفور ، وبعده ينخرب البيت . أقول لهذا الشيخ وغيره ، ألم تسمع بالمثل الصوفى الذى يقول : يحترمك الله عندما تعمل ، لكنه يحبك عندما ترقص ". اذن ، الحل ، هو اعادة تأديب ، وتهذيب ، وتربية ، شهوات وغرائز الرجال ، الذين " يبحلقون " ، فى جسد المرأة الراقصة ، بحلقة " شهوانية " ، غير فنية ، لا تعيب الراقصة ، بل تعيبهم هم . هناك رجال ، يستمتعون بالرقص الشرقى ، استمتاعا ، فنيا ، راقيا ، لوجه الفن ، مثلما يستمتعون ، بندوة فكرية ، أو أمسية شعرية ، أو متحف يعرض اللوحات الفنية ، أو مسرحية أو فيلم . ولا يجئ فى خيالهم ، أية شهوات جنسية ، مكبوتة أو غير مكبوتة . مثل هؤلاء الرجال ينطبق عليهم قول جورج برنارد شو 26 يوليو 1856 - 2 نوفمبر 1950 : " الفضيلة ليست فقط ألا ترتكب الرذائل ولكن ألا تشتهيها أيضا ". هذا الانحراف والتناقض ، صنعته الثقافة الذكورية ، المتحفزة دائما لادانة المرأة " الضحية " . وليس ادانة الرجل " الجانى " . خاصة لو كان جسد المرأة " متورطا " . بالصدفة وعلى الانترنت ، وجدت رجلا عربيا يقول ، أن أروع الحكم التى قرأها هى أن " الرقص نقص ". فى كل المهن ، يوجد الفاسد . مثلا ، وجود صحفيات فاسدات ، لا يجعلنا نحتقر كل الصحفيات أو مهنة الصحافة . والطبيبات الفاسدات ، لا يقودنا الى ازدراء كل الطبيبات أو مهنة الطب . واذا حكمنا بالعقل والعدل ، نجد أن فساد راقصة ، أهون بكثير من فساد صحفية تبيع قلمها ، وتضلل الحقيقة ، وأقل ضررا من فساد طبيبة قد تودى بحياة اانسان أو تصيبه بعاهة مستديمة أو تنهب فلوسه بتعاطى أدوية واجراء جراحات لا يحتاجها . أوليست السياسة ، كما يصفها علنا الجميع حتى المشتغلين بها ، " لعبة قذرة " ، لآنها مهنة المصالح وليس المبادئ ؟؟. فى مهرجان القاهرة السينمائى الدولى ، الذى من المفترض أن تكون له نظرة مختلفة ، عن الرقص الشرقى ، أحد الفنون التى أثرت السينما المصرية منذ بداياتها ، نجده يتجاهل فن الرقص الشرقى . لماذا لا تُخصص جائزة مصرية سنوية فى المهرجانات ، والاحتفالات الفنية باسم الراقصات الرائدات " شفيقة القبطية " ، " بديعة مصابنى " ، " تحية كاريوكا " ، " سامية جمال " ، " نعيمة عاكف " ، " فريدة فهمى " ، " هاجر حمدى " ، " ببا عز الدين " ، نبوية مصطفى " ، وغيرهن ؟؟. هؤلاء صنعن بصمتهن الخاصة ، فى الرقص الشرقى . وكن من أهم عوامل نجاح ، وجاذبية ، الأفلام الغنائية الاستعراضية ، المصرية ، فى الثلاثينات والأربعينيات ، والخمسينات ، من القرن الماضى . مثلا شفيقة القبطية ، وضعت أساس الرقص الشرقى . وبديعة مصابنى ، وهبت ما تملك من مال ، لانشاء كازينو " بديعة مصابنى " التاريخى الشهير المرموق ، لاكتشاف المواهب الفنية وتشغيلها حتى النجومية . و" تحية كاريوكا " ، الى جانب رقصاتها التى أسرت العقول والقلوب ، كان لها مواقف وطنية لم يقم بها أى أحد ، ممنْ يشتمون الراقصات . كما أنشأت فرقة مسرحية باسمها ، قدمت مسرحيات من أجرأ المسرح السياسى المصرى والعربى . راقصة مثل " سامية جمال " ، كانت صورتها الفاتنة السمراء ، ترسم على علب الشوكولاتة ، وأخذت لقب راقصة مصر الرسمية ، فى عهد الملك فاروق . أما " فريدة فهمى " فعرفناها نجمة مع فرقة رضا ، التى لفت العالم باستعراضات صفق لها الجمهور ، منبهرا بالابداع المصرى . وهناك راقصات مصريات ، تبنين مشروعات خاصة بهن ، لتدريب الفتيات على الرقص الشرقى المصرى ، وحمايته من الانقراض ، أمام الراقصات الوافدات من آسيا ، اللائى يرقصن الرقص الشرقى بطريقتهن الخاصة المختلفة عن الطريقة المصرية . وفى أماكن مختلفة من العالم ، هناك مدارس ، ومراكز متخصصة ، لتدريس الرقص الشرقى المصرى ، الذى يعامل بازدراء فى وطنه . واليوم العالمى للرقص ، فات منذ أيام فى 29 أبريل ، ولم نحتفى به فى بلادنا ، تم تأسيسه اعترافا بأهمية الرقص ، ورسالته الفنية النبيلة . تم اختيار هذا التاريخ ، لأنه يوافق ميلاد أشهر راقص ومصمم رقص فرنسى وأستاذ باليه عالمى ، جان جورج نوفير" 29 أبريل 1727 - 15 أكتوبر 1810 . لقد بدأ احتفالا برقص الباليه ، ثم أخذ يحتفى بالرقصات الكثيرة المتنوعة ، من مختلف العالم ، والتى تميزالشعوب المختلفة ، على كوكب الأرض . أتذكر قول الشاعر الأميركى ، ادوين دينبى 4 فبراير 1903 - 12 يوليو 1983 " هناك القليل من الجنون فى الرقص ، الذى يجعل الجميع على ما يُرام ". ان كل شئ فى الكون يرقص على ايقاعات مختلفة . وأعتقد ومن تجربتى الشخصية أيضا ، أن الاضطرابات العضوية والنفسية ، تنشأ عندما لا يكون هناك انسجام بين جسدنا وجسد الكون . فى بلادنا ، لم نتأسس على احترام وحب اأجسادنا ورعايتها والاستماع اليها . نشأنا على الخوف من أجسادنا ، واعتبار الجسد خطيئة ، وعار ، وسجن لا نتحرر منه الا بالموت . وأنا أصدق الفيلسوف نيتشه 15 أكتوبر 1844 - 25 أغسطس 1900 ، حين قال : " استمع الى جسدك ". وقال أيضا : " علينا أن نفكر فى الأيام التى لم نرقص فيها على الأقل ولو مرة واحدة ". فى مصر و العالم ، اصبح علاج الأمراض النفسية بالرقص والموسيقى ، يعطى نتائج ايجابية مبهرة . " لغة الجسد " تساعد محققى الجرائم فى كشف الجانى ، وهل يضلل جهاز كشف الكذب ، من خلال متابعة وتأمل لغة جسده . كل شئ يكذب الا الجسد . وهذه حقيقة واحدة كافية ، لأن ننحنى تبجيلا للجسد ، فى عالم مصنوع من أنسجة الكذب .
#منى_نوال_حلمى (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التنميط والبرمجة لافتعال الفرح فى الأعياد
-
لا أحد يحب الفقراء الا أمهاتهم
-
حتى - فساتينى التى أهملتها - فرحت بى وأنا أكتب لذكرى ميلاده
...
-
كانت أمى .. قصيدة فى يوم ذكرى الرحيل الثانية
-
الصفقة .. أخيرا قررت قصيدتان
-
رجل أحبه اسمه - عادل خيرى - النجم اللامع رغم الجحود والنسيان
-
8 مارس والبيعة الفاسدة
-
رائحة العُهر المرخص ... خمس قصائد
-
الكهنوت الذى يمشى مختالا فى طرقات الدولة المدنية
-
رجل .... أربع قصائد
-
يا منْ تتسلق الجبال .. لك الاختيار ....... قصيدتان
-
ليلة فالنتين ... قصيدة
-
- مى - أختى لم تنجبها أمى وشبيهتى الى حد الأسى والمرارة
-
اعادة فهم العاطفة .. أرقى ما نملك
-
يا أنت .. ماذا أريد منك .. امرأة البحر ...... ثلاث قصائد
-
لست امرأة الأبد .... خمس قصائد
-
30 يناير اغتيال - غاندى - : الحقيقة تبقى حقيقة حتى لو لم يؤم
...
-
هو لا يتكلم وأنا لا أعود ... قصة قصيرة
-
امنحينى قليلا من الوقت ... قصيدة
-
الشخصيات المبدعة - محميات طبيعية -
المزيد.....
-
-45 ساعة من الفوضى-: مصادر تكشف لـCNN كواليس إلغاء قرار ترام
...
-
مستشار ترامب: يجب على مصر والأردن أن تقترحا حلا بديلا لنقل س
...
-
-الطريق سيكون طويلا جدا- لإعادة بناء غزة من الصفر
-
إدارة ترمب تسحب 50 مليون دولار استخدمت لـ-الواقي الذكري- في
...
-
أميركا نقلت صواريخ -باتريوت- من إسرائيل إلى أوكرانيا
-
-الشيوخ- الأميركي يعرقل مشروع قانون يعاقب -الجنائية الدولية-
...
-
مقتل العشرات بتدافع في مهرجان هندوسي ضخم بالهند
-
ترمب يأمر بتقييد إجراءات عمليات التحول الجنسي للقاصرين
-
دفع أميركي باتجاه وقف هجوم حركة -أم 23- على شرق الكونغو
-
توقيف رجل يشتبه في تخطيطه لقتل مسؤولين في إدارة ترمب
المزيد.....
-
حوار مع صديقي الشات (ج ب ت)
/ أحمد التاوتي
-
قتل الأب عند دوستويفسكي
/ محمود الصباغ
-
العلاقة التاريخية والمفاهيمية لترابط وتعاضد عالم الفيزياء وا
...
/ محمد احمد الغريب عبدربه
-
تداولية المسؤولية الأخلاقية
/ زهير الخويلدي
-
كتاب رينيه ديكارت، خطاب حول المنهج
/ زهير الخويلدي
-
معالجة القضايا الاجتماعية بواسطة المقاربات العلمية
/ زهير الخويلدي
-
الثقافة تحجب المعنى أومعضلة الترجمة في البلاد العربية الإسلا
...
/ قاسم المحبشي
-
الفلسفة القديمة وفلسفة العصور الوسطى ( الاقطاعية )والفلسفة ا
...
/ غازي الصوراني
-
حقوق الإنسان من سقراط إلى ماركس
/ محمد الهلالي
-
حقوق الإنسان من منظور نقدي
/ محمد الهلالي وخديجة رياضي
المزيد.....
|