هودا آدم
الحوار المتمدن-العدد: 7582 - 2023 / 4 / 15 - 08:53
المحور:
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
عند الصباح في كل يوم دراسي، كنت أصحى متأخرةً كعادتي الساعة السادسة والنصف. ألبس مريول المدرسة وجواربي الطويلة، وعلى مهلي أُمشّط شعري وأفتح أغنية فيروز (فيه أمل )، وأغني معها مُتمايلةً متناسيةً بؤس واقعي. كانت أمي تمرّ وتصرخ في وجهي وتقول لي: "في الصباح الناس يقرأون الدعاء وأنتِ تسمعين للفاسقات"!
كان هنالك أملٌ كبير يا فيروز في داخلي ينقذني من بؤس الصباح في بلدي ومن غربتي في بيتي وفي حضن أمي الذي اقتحمته غصبا عنها رغم قساوته. كان هنالك أملٌ كبير في معتقلي، في غرفتي الصغيرة. وفي كل مرة أفتح أغنية (فيه أمل)، تُقفِلها أمي بكلماتها التي تجعلني أركض خلف باص المدرسة هاربةً ممّا تبقّى من حديثها. لم تكن هذه معاناتي وحدي ففي مواقف الباصات كنت أراني حينما أرى فتيات الحي الهاربات من معتقلٍ إلى معتقلٍ آخر. يُلزِمُكِ أن تلبسي جوارب طويلة وعباءةً على الرأس وغطاءً كاملا لا تخرج منه حتى عينيكِ.
كنت أسترق السمع، كنت أراني في أحاديثهن عن أنفسهن وعن عائلاتهن، عن خنقة المكوث في المنزل طوال اليوم، عن منعهن حتى من زيارة بعضهن. نحن الفتيات الصغيرات اللاتي نجونا من زواج القاصرات، ولكن أمهاتنا وأخواتنا لم ينجون، أيقنت وقتها أنهم لم يوحّدوا فقط لوننا، بل وقصصنا وماضينا وحتى مستقبلنا لمن لا تتمرد على عاداتهم وأنظمتهم وشرائعهم.
كان صباحي يشبه كل شيء إلا الأمل يا فيروز. معاناتي أنا وفتيات الحي كانت بسبب أحلامنا البديهية حتى كبرنا وكل واحدة تزوّجت، متناسيات أحلامهن وكرّرن ماضي أمهاتهن.
أما أنا فصدّقت فيروز وركضت خلف الأمل وهربت من مجتمع وعادات ونظام لم أرَ نفسي فيه سوى طفلة غير عاقلة مسجونة في غرفة من أربع جدران. هربت حاملةً معي كل ذكرياتي وقضايانا أخبر بها كل من يظهر أمامي، أذكّره أن الواقع المرّ الذي تعيشه المرأة في السعودية لا زال موجودا، بل وبصور أبشع رغم كل ما يُروَّج بخلاف ذلك. لقد كنت أنا الوحيدة التي نجت من بين كل فتيات ذلك الحي.
#هودا_آدم (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟