|
طالبان : ارهابنا الذي صدرناه / القسم الثالث
اسماعيل شاكر الرفاعي
الحوار المتمدن-العدد: 7011 - 2021 / 9 / 6 - 16:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
طالبان : الارهاب الذي صدرناه
الجزء الثالث
6 -
نجح الدعاة الفاطميون نجاحاً ملحوظاً في نشر مفهوم التأويل ، والعمل به كمنهج في فهم النصوص الدينية ( عن المستوى الثاني للخطاب : يمكن مراجعة الدكتور نصر حامد ابو زيد في كتابيه : مفهوم النص ، و ، نقد الفكر الديني ، حيث يفرق بين النص المقدس وبين خطاب البشر حول هذا النص ) كما ساعد هذا المفهوم بعض الدعاة الفاطميين الطموحين ، من الذين انشقوا عن التنظيم : على القيام بتأويل داخل التأويل الأصلي للفاطميين ، وتأسيس فرقهم الدينية المستقلة كالقرامطة والدروز والحشاشين . بالمقابل حافظ الجامع السني على الاستمرار بتدريس علوم القرآن والحديث واللغة والتاريخ والسيرة ، ولم يضم اليها شيئاً من موضوعات علوم "الاولين" ، فلم تنهب هذه العلوم عقول الطلاب ، وتذهب بها الى ما وراء المسموع والمقروء من موضوعات الحلقة الدراسية ، فتتشابه عليهم معاني " الامام " و " الخليفة " وتتلاشى الفوارق بينهما ، في الوقت الذي تريد العائلتان : العباسية والفاطمية ، بقاء الاختلافات بينهما واضحة للعيان ، ولهذا سعى كل فريق بحماسة الى اختيار منهج دراسي يختلف عن المنهج الدراسي للآخر ، لكي يصل الدارسون في الجامع العباسي الى نتائج مختلفة عن الدارسين في جامع الأزهر ، تقودهم الى تصورات مختلفة عما يجب ان يكون عليه : الخليفة ، وعما بجب ان يكون عليه : الإمام . ولهذا لم تنشغل حلقات الدروس السنية الا قليلاً بالمسائل التي اثارها المعتزلة كوحدة الذات والصفات ، وخلق القرآن ، والمنزلة بين المنزلتين ، والقضاء والقدر . أو فلنتحدث عن إجبارهم على التفكير بذاك من قبل الخليفة المأمون والمعتزلة ، لكن لفترة محدودة ، حوالي 35 عاماً ، هي فترة خلافة المأمون والمعتصم والواثق ثم انتهت على يد الخليفة المتوكل ، وبعدها تم الانغلاق على الذات ومنعت اي محاولة لفتح كوة او شباك لتجديد الهواء ولزيارة ضوء الشمس . لقد اعتاد الناس على ان يكون نظام الخلافة السياسي هو الذي يدير شأنهم العام ، وينظم علاقتهم بدول وشعوب الخارج ، ورغم الثورات والحروب الأهلية وتبدل العوائل القريشية الحاكمة ، فأن العرب والمسلمين لم يستطيعوا اكتشاف نظام سياسي جديد يحل محل نظام الخلافة العائلي . قرون من الزمن مرت على هذا النظام السياسي : من الخلافة الراشدة ، الى خلافة العائلة الأموية ، الى خلافة العائلة العباسية : اعتاد الناس فيها على نظام الخلافة . وكانوا ، من غير ان يستأثر النقاش حول الظاهر والباطن بوعيهم ، ينظرون الى شخص الخليفة كبشر مثلهم ، لكنه البشر صاحب القوة والسلطان والأملاك الكبيرة . انه يشبه شخصية : " المطعم الكاسي " بالنسبة الى فقراء العرب في العصر البدوي السابق للإسلام ، الذي كان ينقذ فقراء قبيلته من المسغبة والجوع بإطعامهم ، والخليفة في الاسلام وتواصلاً مع الموروث البدوي والإسلامي : يتصرف ببيت المال كما لو كان ملكه ، فيطعم من يشاء ، ويستر عري من يشاء ، ولا يستطيع وزير او فقيه سؤاله عن مناحي تصريف اموال بيت المال ، فهذا ليس واجبهما : واجب الوزير هو التنفيذ السريع لقراراته ، والثاني لأضفاء الشرعية على قراراته وسلوكه . من بامكانه ان يسأل الخليفة عما بدر منه من قول او صدر عنه من فعل ؟ علاقة الخليفة بمرؤوسيه علاقة تبعية : لا استقلال لأي منهم في قراره او في فتواه . ولا حق لهم في حوار الخليفة أو في مساءلته او نقاشه ، واجبهم متابعة أقوال الخليفة وتحليل قراراته ، وإصدار التعليمات من قبل الوزير في ضوء منها ، وان تكون فتوى الفقيه معبرة عما تضمنه كلام الخليفة وان تضفي الشرعية الدينية عليه . الخليفة هو سلطان الزمان الذي يمكن له ان يشبع الناس او ان يجعل بطونهم خاوية ، ويمكن له ان يكسوهم او ان يدعهم عراة . وفي هذه المسألة تحديداً : مسألة العلاقة بين الخليفة وبيت المال : لا يصح استخدام القياس الفقهي اذ لا يتمكن الفقهاء من العثور على قرينة يمكن الانطلاق منها في توضيح الطريقة المثلى الثابتة في تصرف الخليفة ببيت المال . وانا هنا لا اتحدث عن الأحكام الواضحة في القرآن عن الزكاة ، وعن الصدقات وعن الجزية ( يمكن بالنسبة لضريبة الخراج العودة الى اهم كتاب إسلامي في فقه الاقتصاد وهو كتاب : الخراج ، وكتاب الأموال ) فجميع أحكامها واضحة في القرآن ، ولا عن عام الربذة ( المجاعة ) وحكم السارق ، او عن المؤلفة قلوبهم في خلافة عمر بن الخطاب ، بل عما يمكن القياس عليه من موقف الخلفاء الراشدين من بيت المال ، أي من الغنيمة المصادرة بالقوة من الشعوب الاخرى والمكنوزة في اماكن خاصة . اذ يخلو الموقف منها من اي معيار ثابت او قاعدة . لقد اختلف تصرف الخلفاء الراشدين في الموقف من الغنيمة : بعضهم اطلق يده في التصرف فيها كعثمان ، فمنح منها الكثير الكثير لعشيرته من بني أمية ، وبعضهم امسك يده حد التجهم بوجه شقيقه وابنته كالإمام علي ، ووقف الشيخان منه موقفاً وسطاً ، وان منحا منه لبعض الصحابة ممن ارادا تألف قلوبهم ( الأجزاء الاولى من مؤلفات : الطبري والمسعودي وابن كثير التاريخية ) وسيف الخليفة هو الوحيد من بين سيوف الامة الذي يمكن ان يطيح بأي رأس من غير حساب ( لأنه بلغتنا الحديثة : فوق القانون ، أي غير خاضع لإحكام الشريعة الآلهية التي يدعي بانه حارس على تنفيذها ) . وقد ورث كل تلك الصلاحيات والقوة والغنى والعرش عن النبي ، كونه : ابن عمه ، وينتمي مثله الى قبيلة قريش ، اشرف قبائل العرب في اعتقادهم ، لكل ذلك يجب الامتثال لاوامره والتقيد بها ...
7 -
لقد صنعت الخلافة عالمها ؛ بما اطلق خلفاؤها من اوامر جهادية لافتتاح المزيد من اراضي شعوب البلدان ، لجلب المزيد من الغنائم ، والتمتع بنساء الشعوب المغلوبة . لكن العجيب في الامر : انه كلما توسعت رقعة الامبراطورية العباسية وازدادت الغنائم المسلوبة ، كلما تراجع حضور العرب كقواد للجيوش وكوزراء ، وقل وجودهم في مناصب ادارة الأمن والشرطة ، وفي معسكرات المرابطين على الحدود ، ونابت عنهم اقوام اسسوا داخل دولة الخلافة إمارات وسلطنات كالبويهيين والسلاجقة ثم تراجع دور الخليفة نفسه ، حتى فقدت الخلافة دور تعيين الخلفاء الذي اصبح بيد قواد جيوش المرتزقة الأتراك الذين ابتدأ استيرادهم من قبل الخليفة المأمون والمعتصم ، وتأوج حضورهم في دار الخلافة وبدأوا الاستيلاء على دار الخلافة في عهد المتوكل . العالم الذي صنعته الخلافة : عالم استهلاكي ، يرتفع بمستوى الانتاج فيه : الموظفون الحكوميون المسؤولون عن جباية الخراج ، وليس دار الخلافة ، فقرارات هؤلاء القاسية في رفع نسبة الضرائب سنوياً تضطر الفلاحين ( العلوج بلغة السلطات المستبدة الفاسدة والمتعالية على الشعوب المغلوبة ) الى الكدح في أراضيهم طوال ايام السنة ، ليتمكنوا من دفع الضرائب التي تفرضها عليهم سلطة خلافة الله في الارض ، كي ينفقها خلفاء الله في ارضه على : دور الحريم والمخنثين من الغلمان ، وبما كانوا يغدقونه من اعطيات ، وبما يقيمونه من حفلات انس وترفيه . وكلما ضعف الخلفاء ، كلما قامت في عالم الخلفاء الثورات والمعارضات المسلحة ، والثورات التي قامت ضد العباسيين تختلف عن ثورات ابناء الصحابة ، الطامحين الى ان يكونوا هم الخلفاء وليس الأمويين كالحسين بن الامام علي ، وزيد ابن علي بن الحسين وأولاد الزبير بن العوام وثورات التوابين والمختار الثقفي : انها ثورات في عالم يختلف عن عالم الخلفاء الأمويين ، في كونها ذات طابع قومي وان تزيت بزي الاسلام ، وان بعضها نحى منحى البعث الديني كثورة البابكية ( كتاب ؛ البابكية للدكتور حسين قاسم العزيز وكتاب : المأمون : الخليفة العالم .. محمد مصطفى هدارة ) كما تخلل عالم الخلفاء العباسيين بداية عصر التدوين : والتحول في نقل المعرفة العامة من إطارها الشفوي ( السند ؛ قال فلان عن فلان ) الى إطارها التحريري ومباشرة التأليف الذي تأسس عليه : خروج أسواق الوراقين الى العلن ، التي حركت ظاهرة جمع الحديث النبوي التي نحلوا من خلالها آلاف الأحاديث على النبي محمد ( اسقط البخاري الآلاف منها ) ، ورواة شعر وادب ، ألفوا الكثير من القصائد والأخبار واخترعوا لها شعراء وحوادث ، ونحاة مشغوفون بوضع قواعد للغة بعد شيوع اللحن ، وشعراء لم يشذ عن مذاهبهم في المدح والهجاء الا عمر بن ابي ربيعة المخزومي وابن الفارض ، وأبو نؤاس في خمرياته ، وبعض شعراء التصوف ، وقلة من الشعراء الذين تحدث عنهم طه حسين في كتابه الشيق : حديث الأربعاء ، وفلاسفة اذا استثنينا الرازي وابن الراوندي ، لا اضافة لديهم ولا ابداع في عالم الفلسفة ، سوى القول المكرور عن التوفيق بين الشريعة والعقل او بين العقل والنقل ، لكن تظل العبقرية الأخاذة في عالم الثقافة العباسي تعود الى سيبويه مكتشف أوزان الشعر العربي التقط حسه المرهب وجودها من نقرات الصفارين ...
8 -
هذا العالم الثقافي الذي صنعته العائلة العباسية ، لا يمكن فصله عن اعتقادهم الثابت ، بانهم الفرقة الناجية ، اذ لا احد من الفاعلين في الوسط الثقافي والاجتماعي أعلاه التي صنعت لنا ثقافة خاصة سنرثها جيلاً بعد آخر : يمكن له ان ينشط ، وان يبدع ويضيف ، اذا لم يكن يؤمن - بأن الخلفاء العباسيين ، أولاد عبد الله بن عباس ( حبر الامة ) الذي سرق بيت مال البصرة يوم كان والياً عليها من قبل : ابن عمه الخليفة علي بن ابي طالب - هم الفرقة الناجية الواردة في حديث النبي الشهير : " ستنقسم امتي الى 73 فرقة ، واحدة منها الناجية . " اعتقاد العباسيين هذا بأنهم الفرقة الناجية ، يشبه اعتقاد اليهود بانهم شعب الله المختار الذي رتب عليه اليهود حقين : دنيوي وآخروي ، يمنحهم في الدنيا فلسطين خالصة لهم ، لا شريك لهم فيها ، ويمنحهم في الآخرة : جنة عرضها السماوات والارض بالتعبير القرآني : خالصة لهم وحدها ، لا يشاركهم الخلود فيها اي شعب آخر . العباسيون تبنوا هذا الحديث المكذوب على محمد : كي يفوزوا بالجنة لوحدهم ، بعد ان فازوا في الدنيا بملك امبراطورية تضم دولاً هي الأغنى في عالم ذلك الزمان كمصر والعراق والشام وفارس . ينافسهم على هذا الفوز بخلافة الدنيا وبنعيم الآخرة : الفاطميون ( وينقسم المسلمون الآن بين مؤيد لاحتكار الجنة من قبل عائلة العباسيين ، او بين مؤيد لاحتكارها من قبل الفاطميين ، رغم انقراض كلا العائلتين ) الذين يرون بان الرسول يعنيهم هم في هذا الحديث ، فهم : الفرقة الناجية ، وليس العباسيين ، او اي ملة ونحلة دينية اخرى . انهم اولاد اصحاب الكساء ، واحفاد الرسول والإمام علي الذين لا يمكن للعباسيين ان ينافسونهم على شرف النسب والأصل والمحتد . سمى المفكر المغربي محمد عابد الجابري ، العالم الرسمي للثقافة العباسية : بالعقل البياني ، وسمى الثقافة الاخرى التي تسللت من امامة الفاطميين : بالعقل العرفاني ( وكان يمكن لمقاربته ان تكون اقرب للحقيقة لو استخدم تعبير المنهج ، بدلاً من العقل ، وحتى جورج طرابيشي في ردوده ونقضه لأطروحات الجابري لم يستخدم هذا التعبير ) ...
طالبان : ارهابنا الذي صدرناه
#اسماعيل_شاكر_الرفاعي (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
طالبان : الارهاب الذي صدرناه ، الجزء الثاني
-
طالبان : الأرهاب الذي صدرناه : الجزء الأول
-
الزعيم والقطيع
-
عاشوراء وميلان كونديرا والبصل
-
لبنان / بيروت
-
انا اقف الى جانب ايران
-
لو كان الفقر رجلاً لقتلته
-
عن شبهة : الحوار الاستراتيجي
-
تونس : البرلمانية ليست هي الديمقراطية
-
حول الاتفاقية العراقية اللبنانية
-
التفجيرات ثقافة اسلامية أصيلة وغير مجلوبة
-
حكومة الكاظمي : صفر حقيقة
-
عن حلم مقتدى الصدر
-
الجزء الرابع من مقال : موقفي ككوزموبوليتيني من حرب حماس والل
...
-
موقفي ككوزموبوليتي من حرب اليمين الفلسطيني والاسرائيلي / الج
...
-
الجزء الثاني من مقال : موقفي ككوزموبوليتي من حرب الليكود وحم
...
-
موقفي ككوزموبوليتي من حرب : الليكود وحماس ( 1 )
-
6 من 7 من مقالنا : السياسة والحب
-
5 من 7 من مقالنا : السياسة والحب
-
مع من سأعيد ، مع السنة أم مع الشيعة
المزيد.....
-
بمن فيهم مجرمون.. السلفادور تستقبل مهجرين وسجناء أمريكيين في
...
-
المدعية العامة في نيويورك تتحدى ترامب
-
أ ب: الصين تعلن فرض رسوم إضافية على العديد من المنتجات الأمر
...
-
نتنياهو يمدد زيارته إلى واشنطن
-
لابيد: وقف إطلاق النار لن يسقط حكومة نتنياهو
-
هزة أرضية بقوة 6.2 درجة في إندونيسيا
-
القناة -12- الإسرائيلية: 6 إصابات بعملية إطلاق للنار قرب حاج
...
-
فضيحة تهز فرنسا.. اتهام طبيب بالاعتداء الجنسي على 299 طفلا ت
...
-
ترامب عن دور ماسك في الإدارة: موظف خاص بصلاحيات محدودة
-
السودان.. القوة المشتركة تتصدى لهجوم عنيف من -الدعم السريع-
...
المزيد.....
-
الخروج للنهار (كتاب الموتى)
/ شريف الصيفي
-
قراءة في الحال والأداء الوطني خلال العدوان الإسرائيلي وحرب ا
...
/ صلاح محمد عبد العاطي
-
لبنان: أزمة غذاء في ظل الحرب والاستغلال الرأسمالي
/ غسان مكارم
-
إرادة الشعوب ستسقط مشروع الشرق الأوسط الجديد الصهيو- أمريكي-
...
/ محمد حسن خليل
-
المجلد العشرون - دراسات ومقالات- منشورة بين عامي 2023 و 2024
/ غازي الصوراني
-
المجلد الثامن عشر - دراسات ومقالات - منشورة عام 2021
/ غازي الصوراني
-
المجلد السابع عشر - دراسات ومقالات- منشورة عام 2020
/ غازي الصوراني
-
المجلد السادس عشر " دراسات ومقالات" منشورة بين عامي 2015 و
...
/ غازي الصوراني
-
دراسات ومقالات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع - المجلد
...
/ غازي الصوراني
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
المزيد.....
|