|
الدولة القمعية ، القهرية ، الجبرية ، والمفترسة
سعيد الوجاني
كاتب ، محلل سياسي ، شاعر
(Oujjani Said)
الحوار المتمدن-العدد: 6923 - 2021 / 6 / 9 - 20:42
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لقد تعرضت هذه الدراسة التي كتبناها كحلقات ، في وقت سابق للتدمير من طرف المدير العام للبوليس السياسي La police politique ( DGST ) ، حيث ان لا علاقة للعناوين بالموضوعات . العنوان شكل ، والدراسة شكل آخر .. لان حسابي ، وبريدي الالكتروني ، وهاتفي مخترق من قبل البوليس السياسي .. خاصة وفي مرات كثيرة ، عندما أكون بصدد كتابة وتحرير مدونة ، او رأي ... اتعرض للتخريب Le sabotage للحيلولة دون نشر التدوينة ، او الرأي ... لأنني ومنذ منتصف التسعينات اتعرض لحضر من الكتابة والنشر داخل المغرب .. وقرار اسكات صوتي ، هو قرار لوزارة الداخلية .. وقد زاد قرار الحضر بشكل لا يطاق في عهد محمد السادس ... لذا قررت ان اجمع كل دراسات هذه الحلقات ، بعد مجهود في استرجاعها ، ونشرها كمادة عبارة عن كتاب بالموقع العربي التقدمي " الحوار المتمدن " ، رئتنا الوحيدة التي نتنفس منها ... وشكرا لهم مسبقا .. وحتى يمكن لطلاب العلوم السياسية ، وعلم السياسة ، وعلم الاجتماع السياسي ، والقانون الدستوري والأنظمة السياسية ، والقانون العام ، والمهتمين و المشتغلين بالشأن العام ، من استغلالها بما يفيدهم في ابحاثهم التي لها علاقة بالموضوع : " الدولة الأمنية القهرية الجبرية القامعة " 1 ) الدولة الامنية -- على هامش رسالة مستشار الملك السيد عباس الجراري : مؤخرا نشرت العديد من المواقع الالكترونية خبرا مفاده ، ان مستشار الملك السيد عباس الجراري ، حذّر من الحراك الشعبي الذي يعُمّ كل المغرب ، متوجسا من مخاطر تهدد النظام العام والاستقرار ، وموجها الانتقادات ، ومحملا المسؤولية الى (الأحزاب السياسية) ، والى (الحكومة) ، والى (المثقفين) ، و متناسيا ، او جاهلا ، او متجاهلا العنوان الحقيقي الذي كان عليه ان يوجه اليه خطابه ، وتحديد المسؤول الأول والأخير عن كل المشاكل التي يعرفها المغرب في كل الميادين ، من اجتماعية اكثر من متدهورة ،الى اقتصادية اكثر من مفلسة ، الى ديمقراطية صورية . فكيف للسيد المستشار ان يترك الذئب ويتحامل على الحمَلِ ، وكيف له ان يطلب من فاقد الشيء ان يعطيه . فهل السيد المستشار على دراية بطبيعة الوضع الداخلي ، وبالوضع الذي بلغته قضية الصحراء في المحافل الدولية . فإذا كان يعلم فتلك مصيبة ، وان كان يجهل فهي مصيبتان ، لكن لي اليقين ان السيد المستشار ، على دراية كاملة بالحقيقية ، لكن للأسف يراوغ لإبعاد المسؤولية عن السبب والمتسبب فيه ، وللتعويم والتضبيب ، يلجأ الى الحائط القصير الذي لا حول ولا قوة له . ولي ان أتساءل : من يحكم في المغرب ؟ من يسيطر على كل السلطات ، من تنفيذية ، وتشريعية ، وقضائية ، وباعتراف عبدالاله بنكيران لمّا كان وزيرا اولاً ؟ وبما ان السيد المستشار حمَّل الحمَل المسؤولية فالسؤال : هل هناك أحزاب بالمفهوم المتعارف عليه كونيا ، وهل هناك حكومة تشبه نظيراتها في الدول الاوربية ، وهل هناك مثقفون مرتبطون بالهمِّ القضية التي هي الوطن . 1 ) وبالرجوع الى الأحزاب والدور الدستوري الذي يجب ان تقوم به ، فانه تم افراغها من وظيفتها السياسية والأيديولوجية ، ولتتحول الى دكاكين تتسابق على ريع البرلمان والمقاعد الحكومية . حقيقة ان المخطط لتفريغ الأحزاب قد بدأ مع المؤتمر الاستثنائي في يناير 1975 ، بتوجيه من الحسن الثاني . نعم ، ذاك المؤتمر كان بهدف القطع مع ماضي الاتحاد الراديكالي ، بتحويل الحزب الى حزب ملكي يدور في فلك النظام لا خارجه ، وكان بهدف استعمال الحزب كحزب ( اشتراكي ) في مشروع إعادة الصحراء ، خاصة وان الحزب كانت له علاقات مع الأحزاب الاشتراكية الاوربية ، ولم تعد الآن ، كما كان الهدف وهو على الأمد الطويل ، تفتيت الحزب الى جماعات متناثرة هنا وهناك ، الى ان انتهى به الامر اليوم كعلامة تجارية في ملك ادريس لشكر الذي اصبح رافدا من روافد النظام ، لكنه رافد جاف لا مياه تجري فيه . كذلك الكل يتذكر حزب التحرر / التقدم والاشتراكية حتى وفاة علي يعته ، ويتذكر منظمة العمل الديمقراطي الشعبي التي تم بيعها بدون مزاد علني......لخ . فالسؤال : لماذا أصبحت الأحزاب فارغة وتحولت الى صدفيات وقشريات فارغة ؟ . من قتل الأحزاب وحوّلها الى اطلال يتباكى بعض النوستالجيون على ماضيها ؟ اعتقد ان الجواب واضح ، والسيد المستشار لا ولن يملك الجرأة على الإجابة . ونحن نقول ان المسؤول هو النظام ، نظام الشخص ، والزمرة الكمشة البوليسية الملتحفة به ، والتي زيّنت له كل شيء حين صورت له الواقع على غير حقيقته ، حتى يثبتوا ويغرسوا في نفسه فوبيا الشعب ليزداد ارتباطا بهم ، ممكنا إيّاهم من رقاب المغاربة ومصير المغرب ، الذي اصبح يعيش الازمة الكبرى ، وباعتراف رأس النظام الذي اعترف بفشل نموذجه التنموي ، وبما ان كل تنمية هي سياسة ، يكون رأس النظام قد اعترف بفشل نموذجه السياسي ، لكن للأسف لم يطرح أي بديل عن هذا الفشل ، اللهم ارسال احرار وشرفاء الشعب الى السجون بمحاضر بوليسية مزورة ، كما كنت ضحيتها انا كذلك فيما سبق . ان من مهزلة الأحزاب القشريات التي تلهت وراء الريع ، وبعد ان فقدت كل مكونات وأسباب وجودها ، هو حين رفضوا بالبرلمان التصويت على قانون التصريح بالممتلكات ، وصوتوا على تقاعدهم المريح ، في الوقت الذي دمروا تقاعد الموظفين المدنيين ، رغم ان الجهة التي ابتلعت التقاعد المدني معروفة ، لكن لا احد يملك الجرأة والشجاعة على ذكرها بالاسم . 2 ) اما عن تحميل الحكومة المسؤولية ، وهي حكومة الأحزاب التي شاركت في الانتخابات ، فالسؤال منذ متى كانت هذه تقرر في السياسة العامة للدولة ؟ فحتى الحكومة التي ترأسها الأستاذ عبدالله إبراهيم ، تم الانقلاب عليها حتى لا تلعب دورا رئيسيا في عملية استعادة الصحراء التي وافقت عليها اسبانيا ، وحتى لا تحسب عليها وتعتبر احدى اهم إنجازاتها التاريخية . فقبل اجراء الانتخابات ، تُنظم حملة انتخابية تشارك فيها الأحزاب ، وكل حزب يعِد منتخبيه ببرنامجه الحزبي الذي سيتولى تطبيقه ، فهو وعْد للناخبين . لكن بمجرد انتهاء العملية الانتخابية ، وعند تشكيل الحكومة بالطرق المعروفة ، حتى تغيب مباشرة برامج الأحزاب الانتخابية التي قد تعتبر نوعا من التعاقد مع المصوتين لصالحها ، وليحل محلها مباشرة برنامج الملك الذي تتنافس جميع الأحزاب في السبق ، ليحصل لها شرف تطبيقه . فإذا كانت هذه هي الحقيقة ، فالسؤال إذن . لماذا الأحزاب أصلا ، ولماذا الانتخابات ، ولماذا البرلمان ؟ فكان على رئيس الدولة ان يختصر كل هذه التكاليف ، والجهود ، والزمن في تشكيل حكومة هي حكومته ، التي يكون عدد الوزراء المنتمين اليها ، لا ينتمون الى الأحزاب التي شاركت في المسرحية كما هو الحال اليوم. فعندما تكون الحكومة تنفد برنامج الملك ، فلماذا يحملها مستشار الملك المسؤولية عن كارثة الاقتصاد ، وعطب الوضع الاجتماعي ، وغياب الديمقراطية ؟ فكان على السيد عباس الجراري ، ان يوجه خطابه الى العنوان الحقيقي الذي يتحكم صاحبه ، ومن خلال زمرته كمشته البوليسية في كل مفاصل الدولة والشأن العام ، وخاصة وانه اعترف بفشل نموذجه التنموي والسياسي وامام الملء . ان المسؤول الأول والأخير هو نظام الشخص ، والزمرة البوليسية المتنفذة ، وليس الحكومة الفاقدة للصلاحيات ، والتي لا تملك الاّ تطبيق برنامج القصر ، لا برنامجها الغير موجود أصلا . 3 ) وبالنسبة لتحميل ( المثقفين ) المسؤولية عن قتامة الوضع ، فالسؤال كذلك . من قتل المثقفين وحولهم الى وديعين ليّنين تعيش على ما تتفضل عليهم به الدولة من فتاة ؟ الثقافة والمثقف قضية ، وحين تغيب القضية يغيب المثقف ، ويتحول الى مجرد صُدفة فارغة تزمر للسلطة وللدولة ، بعد ان يكون قد قطع حبل السرة مع الشعب ومع البلد . فاين نحن من مثقفي الستينات والسبعينات وحتى النصف الأول من الثمانينات ؟ فمن قتل القضية ، ومنها قتل المثقف ؟ وباختصار من المسؤول عن قتل الأحزاب وقتل الحكومة وقتل المثقف ، قبل تحميلهم فشل مشروعات لا ناقة ولا جمل لهم بها ؟ لماذا يطلب مستشار الملك من فاقد الشيء ان يعطيه ؟ ان مستار الملك حين تساءل وهو يوجه خطابه الى غير عنوانه الحقيقي ، لم يسأل نفسه عن سبب خروج الشعب الى الشارع ، ولم يكلف نفسه عناء البحث عن المتسبب في التدهور العام للأوضاع ، كما لم يكلف نفسه عناء طرح السؤال عن الفشل في ملف الصحراء . ونحن نقول له . ان السبب هو الفساد المستشري على نطاق واسع في جميع المجالات ، انه الظلم والاعتداء على الناس بمحاضر بوليسية مزورة ، وادخالهم الى السجن ظلما . وهنا من يقف وراء الاعتداءات على الناس ، وانا كنت احد ضحاياها ، حين ادخلني كل من مستشار الملك فؤاد الهمة ، والوزير المنتدب في الداخلية السابق الشرقي ضريس ، والمدير العام للأمن عبداللطيف الحموشي ، ووزير الداخلية عبدالواحد لفتيت الى السجن بمحضر بوليسي مزور عشت كل اطواره من بدايتها الى نهايتها . وماذا عندما لم يكفيهم سلب حريتي وانتقلوا الى تحريض المجرمين للاعتداء عليّ في السجن ، وهذه جناية مكتملة الأركان ، بل وحسب ما صرح لي به الأستاذ المحامي طارق السباعي ، فقد ضغطوا على المحامين كي لا يترافعوا لصالحي في المرحلتين الابتدائية والاستئنافية . بل ان المحامي حسين غرتي صرح لي قائلا : { ان نائب وكيل الملك الذي رافع ضدي في المرحلة الابتدائية اعترف له قائلا " الغالبْ الله هادْ الشيّ راهْ جايْ من الفوقْ " وأضاف ان وزارة الداخلية ووزارة العدل ينسقان تدبير الملف بما يرمي بي في السجن ، والغريب انهم في كل اطوار المحاكمة ، المسرحية ، كانوا يضعون امام ايدي القاضي دراسات سياسية نشرتها بانتظام في الموقع الالكتروني – الحوار المتمدن ، وبحائطي الفيسبوكي . } . فهل ما تعرضت له من اعتداء وهي جناية لن اسكت عنه ، كان بأمر الملك صديق فؤاد الهمة ، ام حصل بمباركته ؟ . في نظام الشخص يغيب القانون بالمرة ، ويعوض تسيير الدولة فقط بقانون المَزاج ، وقانون ولوْ طارتْ معْزة ، وقانون عفا الله عمّا سلف . لكن في الدولة الديمقراطية ، دولة المؤسسات ، تكون السيادة فقط للقانون ، وللمساواة في تطبيق القانون ، ولعدم الإفلات من العقاب ، وممارسة المسؤولية بالمحاسبة . ان نظام الشخص والزمرة الكمشة الملتفة حوله ، هم السبب فيما يجري اليوم بالمغرب ، وهم من قتل الأحزاب ، وقتل الحكومة ، وقتل وشوّه المثقفين . وحتى نكون اكثر إلماما بنظام الشخص والزمرة ، وحتى نوضح ما يجب توضيحه للسيد المستشار الذي يجب عليه ، ومن المفروض فيه ، ان يقصد بخطابه العنوان الحقيقي ، وإنْ ملك الجرأة ، لأنها مهمة المستشار ، ان يخبر رأس النظام بما يجري ويدور ، لتحميله المسؤولية المباشرة التي يفرضها عليه وضعه القانوني ، سنحاول تحليل بنية النظام ومنه بنية الدولة ، على ضوء اعتراف رأس النظام بفشل نموذجه السياسي التنموي ، دون طرح البديل لهذا الفشل الذي هو سبب المسيرات الشعبية بكل ربوع المغرب ، والانتفاضات التي تحصل هنا وهناك . منذ استقلال " إيكس ليبان " ، وكل المهتمين بالشأن العام يطرحون الأسئلة المتوارثة حتى اليوم ، عن شكل الدولة الممسكة بيد واحدة لكل السلطات من تنفيذية ، وقضائية ، وتشريعية . لكن ورغم كثرة الأسئلة ، فان الأجوبة غالبا ما كانت مبهمة في أحيان ، و ضبابية في أخرى . فجميع المتدخلين يجمعون على ان بالمغرب دولتين ، دولة عميقة صاحبة السيادة والسلطان ، ودولة هجينة تمارس تنفيذ أوامر الدولة العميقة . لكن ما قيمة هذا الإخراج الخارج عن النص ، والمتعارض مع ما ينطق به الواقع الذي لا يرتفع . فمن خلال تحليل كل التطورات التي مر منها المغرب منذ سنة 1956 ، فإننا لا نجد شيئا يسمى بدولة عميقة ودولة غير عميقة ، بل ان ما نجده ، هو وجود نظام يسمونه مرة بالدولة العميقة ، ومرة بالمخزن . اما الحكومة فهي تلك التي تباشر تصريف الاعمال طبقا للخطط الاستراتيجية للنظام . فالحكومة هي حكومته التي يعينها بالطرق المعروفة ، وليس هي دولة ثانية الى جانب ما يطلقون عليه بالدولة العميقة . إذن هناك نظام يسيطر على الدولة ، وله حكومته التي يعينها بعد انتخابات ، لتزيين الواجهة امام الغرب العارف بحقيقية ديمقراطية النظام ، وحتى يستمر في ضمان عطاءات الدول المانحة ، و حتى يزين الواجهة ( الديمقراطية ) اللاّديمقراطية المفضوحة منذ زمان ، وحتى يتفادى الضغوط حول حقوق الانسان المهضومة ، ونزاع الصحراء الذي لا يزال مهددا للنظام بمخارج قد تكون قاضية .... ، وليس هناك ما يفيد بوجود دولتين ، إحداهما عميقة والأخرى غير عميقة . فمن يؤدي القسم عند تعيين أي حكومة ، هم وزراء الأحزاب الذين عينهم الملك ، وليس وزراء دولة أخرى توجد الى جانب الدولة العميقة . بل الملفت للنظر ، انه لم يسبق ان سمعنا قيام دولة الظل او حكومة الظل بأداء القسم ، ولم يسبق ان سمعنا بتعيين وزراء ، لا ينتسبون الى النظام الذين سيصبحون وزراء له ، اكثر منهم وزراء لأحزابهم التي تؤثث المشهد السياسي كما يرغب النظام في ذلك ، بل ابعد من ذلك ، فرغم ان الحكومات تتكون من وزراء ينتمون الى الأحزاب الملكية التي شاركت في الانتخابات ، الاّ ان أكثرية الوزراء هم غير منتممين للأحزاب ، وهم ما يطلق عليهم بوزراء ( السيادة ) ، ولنا ان نتساءل من جدوى تنظيم الانتخابات ، إذا كان عبدالاله بنكيران قد صرح بان فؤاد الهمة لعب دورا رئيسيا في تأثيث الحكومة ، وصرح علانية ان الذي يحكم ليس هو بنكيران ، بل الملك الذي يعاونه بنكيران ، ولا يشاركه الحكم . لكن التساؤل : من اين يملك الحاكم سلطة القهر ،والضبط ، والسيطرة على المجتمع ، أي منْ ماذا يستمد قوته الضاربة في قلب الدولة والمجتمع ؟ بالرجوع الى تتبع اصل المشروعية التي يحكم منها وبها النظام ، فإننا سنصطدم بحقيقية لا يجهلها الاّ من يفتقد حس التمييز والتدقيق المميز للدولة المغربية . ان هذه الحقيقية هي ثيوقراطية واوثوقراطية النظام ، الذي يرجع كل شيء الى السلطة البتريركية التي يبحث عنها الناس في مملكة الخوف والرعب . فبفضل الأبوية المفروضة على المجتمع المتخلف ، وبسبب خيانة ( النخبة ) التي تم رميها خارج اصوار توارگة ، وهي أبوية مسنودة بالتقاليد المرعية ، وبالتراث والعرف ، فان النظام يتصرف بالمزاج الذي يركز كل شيء على التقليد والمحافظة ، أي الطاعة " وأطيعوا أولي الامر منكم " . ومن ثم سنجد حتى ما يسمى بالدستور العصري ، وهو ممنوح ، يحيل الى الدين في ضبط المجتمع ، ومن ثم سيصبح الدستور هذا ، امتدادا لدستور عرفي يحكم به الحاكم بأمر الله ، الذي هو عقد البيعة الأبلغ والاقوى من الدستور الممنوح . ففي حالة التعارض بين الدستور الممنوح وبين عقد البيعة ، فحق الترجيح ، والاولوية ، والاسبقية يعطى لعقد البيعة ، لا للدستور الممنوح . إذن الحاكم يستعمل الإيحاء الديني في الدستور الممنوح ، ويستند على الدستور الديني غير المكتوب الذي هو عقد البيعة في السيطرة على الدولة ، وعلى المجتمع . وبالرجوع الى الدستور المستفتي عليه ، سنجد انه لا يكتفي فقط بتركيز كل السلطات بيد الحاكم ، بل يذهب الى ابعد من ذلك ، حين يعتبره الممثل الاسمى للامة ، وليس للشعب . واذا كان المبتغى من لفظ الامة الإحالة الى الدين ، فان اعتبار الحاكم في عقد البيعة اميرا ، وإماما ، وراعيا ، إضافة الى كيفية المراسيم المذلة في عيد العرش ، والخطاب الذي يوجهه الحاكم كأمير ، وإمام ، وراعي كبير الى ( ممثلي ) الامة في ثاني جمعة من كل شهر أكتوبر، ونوع اللباس المخزني الذي يرتديه ممثلو ( الامة ) ، يجعل من النظام السياسي المغربي نظاما فريدا لوحده في العالم ، أي نظاما مغلقا غير مفهوم وغير واضح المعالم . فالجمع بين الدستور الممنوح ذي الإيحاءات على الدين ، وكامتداد لعقد البيعة غير المكتوب ، هو ما خلق عند السياسيين والباحثين تضاربا في الخلط بين الدولة العميقة ( وهذه غير موجودة ) ، وبين الدولة غير العميقة ( وهذه كذلك غير موجودة ) ، لان ما هو موجود في الحالة الأولى هو النظام ، وما يوجد في الحالة الثانية هي حكومة نظام . فالحكومة هي حكومة الملك ، والمعارضة هي معارضته كذلك . إذن النظام وبخلاف ما يشاع ، هو من يقرر في السياسات ويرسمها ، وهو الذي يتحكم في بالعملية الاجتماعية ويسخرها لمصلحته ، وهو الذي يشرف بواسطة اجهزته البوليسية المختلفة ، على سير تطبيق السياسات تحت اشراف الحكومة التي بها وزراء يتبعون مباشرة القصر، و لا علاقة لهم بالأحزاب التي خاضت الانتخابات ، والتي هي كذلك احزاب ملكية . في مثل هذه الأنظمة الفريدة من نوعها في العالم ، والمثيرة للأسئلة المتعددة والمحرجة ، يصبح الحاكم ( الثيوقراطي ) ( الاثوقراطي ) حاكما بأمر الله ، لا بأمر الشعب الغير الموجود ، لان الموجود هم رعايا في ملك الراعي الكبير ، كما ان الحاكم وحده يصبح الممثل الاسمى للامة ، وليس للشعب . هنا يتحول الحاكم الأمير ، الامام ، والراعي الكبير ، الى فرد او شخص فوق الجميع ، ومهاب من الجميع ، واي معارضة له ، هي معارضة للدين ولله ، تسقط أصحابها في اتهامات الشرك ، والخروج عن طاعة ولي الامر ، حتى ولو كان طاغية ومستبد ، لان الله هو الذي أراده وفرضه على العالمين . في مثل هذه الأنظمة المكبلة بالتقاليد المرعية ، وبالطقوس التي تحيل على العصور الحجرية ، والفارضة للطاعة القسرية ، رغم ان الحاكم بأمر الله يبدو انه المستأثر الأول بمقاليد الحكم ، الاّ انه لا يستطيع ذلك ، الاّ إذا كان مسنودا بجماعة تأخذ شكل عصابة ، تتحكم في كل كبيرة وصغيرة بالإمارة ، او الدولة . ان هذه الكمشة من الافراد المحسوبة على رؤوس الأصابع ، هم المشرفون المباشرون على كل أجهزة الدولة البوليسية العلنية والسرية ، وهم لهم ارتباط وولاء مصطنع ليس للدولة ، بل لشخص الأمير ، الراعي ، والامام ، ولا علاقة لهم بالشعب ، الاّ بزرع فوبيا الشعب في نفس الأمير المضطرب ، قصد تخويفه ليزيد ارتباطا بهم ، ويستمر في تمكينهم من التحكم ، والاستفراد برقاب الشعب ، حتى يستمروا في نهبهم وتكديسهم للثروات بطرق غاية في الخسة والحقارة . ان مثل هذا الحاكم بأمر الله لا باسم الشعب ، والممثل للأمة لا للشعب ، والكمشة المنافقة الكاذبة المحيط به ، التي تزين له كل شيء على المقاس ، يصبح دورهم الحقيقي ، لا يختلف عن صفة رؤساء أجهزة بوليسية ، اكبر من صفتهم كرؤساء دولة او نظام . ، ولهذا تجدهم دائما يقلصون بنية الدولة وعملها ، ويختزلونها على مستوى بينة الأجهزة العسكرية ، والجدرمية ، والبوليسية المختلفة ، وعملها الضبطي القسري للمجتمع . وإذا كانت علاقاتهم بالمجتمع قائمة على صعيد ما ، فإنما هو صعيد القمع المكثف والمتواصل للمجتمع من جهة ، وصعيد نهبه وسرقته بطرق مختلفة كخدام الدولة ، وهو النهب الذي ينفخ جيوبهم من جهة ، ومن جهة يؤمن حسن سير آلة الأجهزة البوليسية المختلفة من جهة أخرى . في دولة ( ثيوقراطية ) و( اثوقراطية ) ، وبتريريكة ، وباتريمونيالية ، واوليغارشية ، وكمبرادورية كهذه ، يتحول الحكم من تعبير وطني حيال الخارج ، الى تعبير خارجي حيال الوطن ، وترتبط مصالح الزمرة الحاكمة ارتباطا إيجابيا بالخارج الامبريالي ، في حين تقطع الروابط الاجتماعية الإيجابية مع الداخل الوطني ، لتحل محلها روابط سلبية ذات طابع عدائي ، يتزايد يوما عن آخر ، ويقوم على اعتبار اية احتجاج يصدر عن الشعب ، او يصدر عن احد قطاعاته ، او شرائحه ، او فئاته ، او حتى من مجموعة افراد منه ، عملا معاديا ، ويكيفونه انه ضد الامام ، الراعي ، والأمير ، وعملا عدائيا ضد الله ، وضد الدين ، ومؤامرة لا بد من قمعها ، وان اقتضى الحال اغراقها في بحر من الدم . لان الارتباط والتشبث النفاقي بالأمير ، وبنظامه ، يجعل منهم وحوشا سادية ، مُكشرة عن عداوتها في كل وقت وحين . ان من مزايا هذه العدوانية المكشرة عن انيابها الصدأة ، لها إيجابية لا تشعر بها او لا تستشعرها ، وهي انها تلعب دورا إيجابيا لذا نفسية الشعب ، في خلق وعي ثوري يجعل أي تماس او احتكاك مع الدولة ولو كان بسيطا ، هو معركة حقيقية وصراع طبقي ، لان هذه الدولة القائمة على الغاء السياسة وعالمها الاجتماعي ، والمتحفزة لقمع أي تحرك مهما كان بسيطا ، هو معركة حقيقية يجب خوضها بكل الاشكال ، بحيث لا يمكن التعامل معها الا بأحد الشكلين : الخضوع او التمرد . وما دام الخضوع هو عدم القيام بأية نشاطات سياسية ، او اجتماعية ، او اقتصادية ...لخ ، خارج نشاط الدولة ، فان التمرد يبدأ باي شكل من اشكال هذه النشاطات . في مثل هذه الأنظمة الفريدة في العالم ، باسم خصوصية مفترى عليها ، وحيث الغياب الكلي للديمقراطية التي تبني كل شيء على الشفافية والمحاسبة ، يتم كل شيء بنقضيه ، حتى لا يفرض وجهه المتناقض مع طبيعة الدولة الغارقة في الاستبداد الشرقي . هكذا يتم تمييع مفهوم الشعب ، ومفهوم الديمقراطية بربطها بالأشخاص لا بالمؤسسات ، والقوانين الكونية ، وبالمقابل يزداد قمع وبطش آلة البوليس الجهنمية ، بأكذوبة ( بدعوى ) الدفاع عن الأمير الراعي ، والامام الذي هو فوق كل اعتبار . اما بالنسبة لتمييع مفهوم الشعب مع مفهوم الدولة المستبدة ووظيفتها ، فالشعب لم يعد تلك الكتل الجماهيرية العريضة الموزعة الى طبقات ، عاملة ، او فقيرة ، او حتى متوسطة ، بل صار تلك القاعدة الاجتماعية الضيقة ، المكونة من الرعايا التي تساند الدولة ( الاثوقراطية ) بحكم مصالحها الضيقة ، مضافا اليها الجهاز البوليسي بكل تفرعاته واشكاله ، الغارقة في الأساليب الفاشية المختلفة . وهنا ، فما دامت الدول المستبدة قد انقطعت عن ان تكون تعبيرا عن المجتمع ، فان المجتمع بدوره بأحراره ، وشرفائه ، يقلع عن ان يعتبر الدولة تعبيرا عنه . هكذا يحل " شعب الدولة " محل " شعب المجتمع " . وشعب الدولة هو تلك الشرائح التي تستطيع الدولة جرها الى صفها ، عن طريق إعادة توزيع الدخل الوطني ، او تلك التي تكلف بتنفيذ او تقرير سياسة الدولة الداخلية والخارجية . في رأس هذه الشرائح ، تأتي الكتل الكبيرة المجندة في الأجهزة البوليسية المقيتة ، او زمر من العاملين في الحياة الاقتصادية والإدارية . كما لا ننسى دور الحثالات ، والشمكرة المجندين وراء الأجهزة البوليسية ، من عيّاشة تأخذ أسماء مختلفة ، مثل إسم الراعي ، الامام والأمير ، وهي القاب تسيء اليه ،اكثر مما تنفعه في شيء ، كما ان الطبيعة التكوينية الجرمية لهؤلاء ، قد تكون غدا ، اهم خطر يهدد ويتهدد دولة الأمير ، الراعي ، والامام . فبهذه الصورة إذن تصبح الدولة البوليسية وليس المجتمع ، مركزا لفرز الشعب ( الأقلية )عن اعداءه (الأكثرية )، وتتحول القاعدة الجماهيرية العريضة التي هي الأغلبية الساحقة ، الى عدو للشعب ( الأقلية )، بينما تصير القلة القليلة المساندة للدول البوليسية هي الشعب ، الذي تتخذ القرارات والمراسيم ، وترسم السياسات لصالحه ، والذي تنظمه الدولة البوليسية ، وتعبئه من حولها ، وتتيح له ( حرية الحركة الاجتماعية (. . إن هذه الأنظمة المنغلقة التي تنعدم فيها الديمقراطية ، لا يكفيها تمييع مفهوم الشعب فقط ، بل من خلال هذا التمييع ، يتم تمييع مفهوم الديمقراطية ، لتصبح ديمقراطية اشخاص تسمى باسمهم ( الديمقراطية الحسنية ، الديمقراطية المحمدية ) ، وليس الديمقراطية بمفهومها الكوني المتعارف عليه عالميا وامميا . لقد غدت الديمقراطية في هكذا أنظمة ، عبارة عن اجراء تقوم به الدولة بخبرائها البوليسيين ، لتعزيز طابعها ( الشعبي ) ، أي الأقلية ، وكل عمل تقوم به لإحكام قبضتها على الشعب ( الأغلبية ) ، يمر عبر قنوات شكلية للتمثيل كما هو ملاحظ اليوم . إذا كان في الديمقراطية الحقيقية التمثيلية ، ان الشعب يختار ممثليه الى مختلف الهيئات ، لينوبوا عنه في مراقبة عمل الدولة ، او الاشتراك في رسم هذه او تلك من سياساتها ، فانه في ديمقراطية الأشخاص ، فان الدولة هي من تسمي ممثلين عن الشعب الذي ترغمه أجهزتها البوليسية على اختيارهم ، كي يحرم من إمكانية مراقبة عملها ، او الاشتراك في رسم هذه او تلك من سياساتها . ويكون هؤلاء الممثلون في الغالب من أوساط شعب الدولة ( الأقلية ) . فإذا حدث وكانت هناك قوى سياسية معارضة ، فان مهمة الديمقراطية تصبح تزوير إرادة الشعب ، كي ينجح ( ممثلو شعب الدولة ) بدلا عن ممثليه الحقيقيين . ان هذه الديمقراطية ، ديمقراطية الأشخاص ، تقنع بدورها كجهاز مهمته هي تنفيذ سياسة الدولة ، لإرضاء الحاكم بأمر الله ، لا بإمر الشعب ، وارضاء الكمشة البوليسية الضيقة المحيط به ، والتي توجهه بما يضمن مصالحها الشخصية والذاتية المتناقضة مع مصالح الشعب الأغلبية . وهو ما يجعل البلد معرضا لكل القلاقل ، والتهديدات ، والاضطرابات ،والهزات التي لا ولن تتوقف ، طالما ان الوضع على ما هو عليه . ان عمل المؤسسات التمثيلية في ديمقراطية الأشخاص المسماة باسمهم ، هي الموافقة على خطط الحاكم بأمر الله ، والزمرة الكمشة المحيط به ، التي تنافقه وتزين له واقع ينطق بخلاف ما يصور له من مشاهد اجتماعية مزرية ناطقة بما فيها . من هنا يتحول هذا ( النشاط الديمقراطي ) الى قيد على الشعب ، الأغلبية المطلقة ، فيغلق امامه إمكانات التحرك السياسي والاجتماعي الحقيقي ، ويزور ارادته ، لان اجهزته ليست سوى ملحقات بأجهزة الدولة البوليسية ، وليست ناجمة عن اختيار حر طوعي تقوم به الإرادة الشعبية الحقيقية . فإذا ما اخذنا بعين الاعتبار الصلاحيات والسلطات المطلقة لأجهزة الدولة البوليسية المختلفة ، والصلاحيات الضيقة لهذه المؤسسات التمثيلية( البرلمان ) ، ادركنا ان الهامش الشكلي المتاح لها ، لا قيمة له في الواقع ، لان وظيفتها هي إقرار ما هو مقرر سلفا ، ولا سلطة لها حتى على تنفيذ ما تقرره . انها بهذا المعنى ، ليست سوى محطة من محطات عمل أجهزة الدولة الاستخباراتية ، الهدف منها تسهيل سير عملها ، وليس مراقبتها او كبح جماحها . ان الدولة البوليسية ، دولة الشخص ، الذي مكّن ، وقدم الدولة والشعب على طبق من ذهب ، للشلة الزمرة ، والكمشة المتسلطة بمباركة الحاكم بأمر الله ، معتقدا ومتوهما انها تحميه ، وتحمي مصالحه الاقتصادية ، وفي ظروف غياب ، او قمع الجمهور الشعبي الحقيقي المنظم ، وإحكام الرقابة التامة ، رقابة الكمشة الزمرة على المجتمع ، تتحول هذه الدولة البوليسية من آلة تسيير المصالح العامة ، الى تحالف قطاع الطرق تجمعهم مصالحهم الخاصة ، وتبرز بداخلها مراكز للقوى ، تضع نفسها فوق القانون ، والنظام ، والمصلحة العامة ، وتطور آليات عمل جديدة ، وفق الهدف الذي تسعى اليه ، وهو ربط استمرارها من عدمه برضا الحاكم بأمر الله عليها ، وربطه بمواصفات النشاط الذي تقوم به ،ه ، والقطاع الاجتماعي او السياسي الذي تنشط بداخله . هكذا يصبح في الدولة البوليسية ، التي تتكون من عدة أجهزة بوليسية بسبب الفوبيا ، والاضطراب النفسي الذي يحيل الى أزمات أسر عاقبها التاريخ وعاقبتها الشعوب ، ان يصبح لكل جهاز قمعي فاشي رئيس فوق القانون يشبه سلوكه ، وأسلوب تفكيره ، وبشكل اصطناعي ، سلوك وتفكير زعيم البلاد ، فتكون صلاحياته مطلقة ، لا تخضع لأي رقابة من تحت ، فيتحول جهازه او مؤسسته ،الى اقطاع شخصي له ، يفعل به ما شاء ، إذا كان ذلك لا يتعارض تعارضا جذريا ، مع مصالح زعماء الزمر والشلة الأقوى في القطاعات والمؤسسات الأخرى . فيسقط مفهوم الدولة ودورها ، وينهار النظام العام ، وتصبح الجماهير والشعب فريسة لكل أنواع النهب والامتهان ، وتتعرض لسائر ضروب الذل والقمع والافقار . ففي وضع كهذا تنهار قيم العمل والإنتاج ، ويتدهور الاقتصاد الوطني ، ويسد افق المستقبل في وجه الأجيال الصاعدة ، وتشرع المشاكل الاجتماعية في كسب طابع جديد يمزق وحدة المجتمع ، بدل ان يطورها ، ويرسخ وجود الدولة بدل ان يهدده ، وترتد الجماهير والشعب عن الهموم السياسية العامة ، الى هموم ذات طابع يومي عارض ، او ذات طابع اقتصادي عفوي ، فتضيع اللحمة بين الطبقات والفئات المحرومة ، في حين يرتع حزب الدولة ( الأجهزة البوليسية الفاشية ، الشرطة ، الدرك ، الجيش ، السلطة .....لخ ) في بحر من البحبوحة و ( الديمقراطية ) ، تاركا للشعب العادي ، الأكثرية الحقيقية ، الخوف على لقمة الخبز ، وعلى المصير الشخصي غير المضمون ، وعلى المستقبل اللاّمستقبل . إذن السؤال الذي نطرح على مستشار الملك السيد عباس الجراري الآن . هل عرفت العنوان الحقيقي الذي كان عليك ان توجه له التأنيب والمسؤولية عمّا يجري اليوم بالمغرب ؟ ومن المسؤول عن قتل الأحزاب ، والنقابات ، والجمعيات الجادة ؟ ومن المسؤول عن قتل المثقفين الذي حوّلهم الى لاهتين وراء فتاة مائدة إفطار السلطة ؟ ومن قتل الديمقراطية – الحكومة – الانتخابات ؟ ومن المسؤول عن ادخال الناس بمحاضر بوليسية مزورة الى السجن ؟ فهل عرفت الآن العنوان ؟
2 ) الدولة البوليسية دولة تخريب : كيف تتحول دولة الشخص الواحد ، عندما يهبها على طبق من ذهب الى الزّمرة ، الكمشة البوليسية ، التي تتحكم بالقمع والقهر في رقاب الشعب ، وفي الاستحواذ الغير المشروع على الثروة والامتيازات بحجة ( خدام الدولة ) المفروشة ، وكيف تتمدد وسط الدولة بالسيطرة على المجتمع ، من خلال تثبيت فوبيا الشعب في ذهن الأمير الامام المرتبك والمضطرب ، حتى يستمر في تمكينها من المغرب والمغاربة ، اعتقادا منه انها تحميه ، في حين انها تأكل الثوم من فمه . الدولة البوليسية التي لا علاقة لها بالتنمية ، ولا بالمشروعات العامة ، فبعد ان تُحوّل الدولة والمجتمع الى التخابر ، والقمع ، والترهيب ، فإنها تصبح دولة تخريب لا دولة تنمية ، ومن ثم فهي تشبه مضخة تسقط ما ينتجه الشعب في الداخل ، وقمعا يسكب في جوفها ما تتسوّله في الخارج ، فهي بذلك حالة نوعية خاصة في وضعنا المغربي بشكل خاص والعربي بشكل عام . فهي على سبيل المثال ، تتحدث كل الوقت عن التنمية ، ومصادرها ، وتراكم رؤوس الأموال ، وخططها ....لخ ، لكنها في الحقيقة لم تحدث أي تبدل في بنية علاقاتها مع السوق الدولية كعلاقات تبعية . بل بالعكس ، لقد وطدتها الى اضعاف ما كانت عليه قبل خمسين سنة خلت ، ومع ذلك لا تنقطع عن الكلام عن التنمية الغير الموجودة أصلا . اما كيف تحدث التنمية فعلا ، فذلك امر يدل عليه العجز التجاري المُزمن ، ومديونية الدولة الداخلية والخارجية ، والتضخم النقدي الزاحف ، وتدهور ، إن لم نقل انهيار الزراعية عند الشعب ، وتعاظم طابع الاقتصاد كاقتصاد أحادي المنتوج ، وتزايد الهجرة من القرية الى المدينة ، والفقر الذي يسحق الشعب ، وبلغ درجة فظيعة في كل قطاع ، ووصل حتى الى صفوف الطبقة الوسطى ، والشرائح المرتفعة منها . ومع ذلك فإن هذه البنية الجلية للمجتمع ، التي أساسها احتلال السلطة السياسية بمختلف الأجهزة البوليسية الفاشية ، وليس العمل والإنتاج ، لم تنجم عن برامج تنموية قامت على قلب هياكل العلاقات الاجتماعية والطبقية لصالح مجتمع جديد ، هو المجتمع الصناعي البرجوازي ، بل نجمت ببساطة شديدة عن دخول علاقات رأسمالية ملجومة ومشوهة ، الى كل مكان من المجتمع ، فجاءت معها بالفعل التدميري والتخريبي للرأسمالية ، وتركت الجوانب الثورية والتقدمية منها . ومن هيمنة هذا النمط من الدولة البوليسية التي تعتبر دول نهب في الداخل ، وتسول في الخارج ، فهي لا تصلح الى إقامة أي مشروع تنموي كبير ، والى حدوث تبدل في العلاقات الاجتماعية القديمة هنا او هناك ، لتتحرر على اثره الجماهير من سلطة العمل الزراعي في البادية ، و التي يقدف بها هذا الوضع الى المدن حيث لا تجد امامها ، وفي انتظارها سوى أجهزة الدولة البوليسية المختلفة ، والجدرمة ، والإدارة البيروقراطية ، نظرا لعدم وجود تنمية صناعية تستطيع استيعابها ، وامتصاص طاقاتها . إن هذا النمط المهزوز من التنمية ، هو اكبر دليل على ان المجتمع يضعف بقدر ما تتقوى الدولة البوليسية ، وعلى ان جميع الاقنية الاجتماعية صارت مرتبة ، بحيث تصب في النهاية في مصالح الزمرة ، الكمشة البوليسية الفاشية . ان المفاجئة التي تجهلها العصابة البوليسية المسيطرة ، والمتحكمة في رقاب الشعب والدولة ، هو ان هذا الانصباب الكلي في مستنقع الدولة البوليسية ، حتما سيفجرها من الداخل ، لأنه يجر اليها التناقضات الاجتماعية والسياسية ، مع الكتل الاجتماعية المختلفة التي تدخل صفوفها ، وهذا يعزز بدوره تدهورها ، وانهيار عملها ، وتعاظم حق المجتمع عليها ، كما هو ملاحظ اليوم في مسيرات الشعب المختلفة ، وفي الاحتجاجات التي تعم كل المغرب ، بقراه ، ومداشره ، ومدنه كبيرها وصغيرها . في نمط ( تنمية ) اللاّتنمية كهذا ، يرتفع الى اعلى ، عشرات الذئاب باسم ( خدام الدولة ) ( وزير الداخلية عبدالوافي لفتيت الذي استولى على ارض بمنطقة من اغلى المناطق بالرباط ، مساحتها حوالي 3900 متر مربع ، بثمن 350 درهما للمتر المربع ، في حين ان ثمنها الحقيقي هو 6000 درهما للمتر . فكم مليار جنى بطرق غير مشروعية ؟ ) ، وينزل الى اسفل ملايين المغاربة كغنم . على ان ارتباط الذئاب بالسوق الرأسمالية الملجومة يبقى كبيرا ، الى درجة ان نمط استهلاكهم ، يعوضها عن خساراتها للمجتمع الذي تحتقره وتذله ، والذي تنخفض قدرته الشرائية بشكل يهدد بالطوفان . على ان الدول البوليسية كهذه ، تتصف بأمر هام ، فهي دولة لا ديمقراطية ، قمعية ، ناهبة ، توتاليتارية ، حيث لا تبقى فقط في العاصمة والمدن الكبرى ، بل تمد جهازها البوليسي الى كل مكان من البلاد وذلك : 1 ) حتى تنهب وتفترس المجتمع نهبا وافتراسا شاملين ، فهي يجب ان تكون موجودة في كل توصيفاته . 2 ) ولكي تقمع الشعب قمعا شاملا ، يجب ان تكون حاضرة في كل زواياه . إذا كان النهب والقمع يوحد غالبية الشعب ضدها ، فإنها يجب ان تضطهد هذه الغالبية ، وإذا كان القمع والنهب يستنفر المجتمع ، فيجب ان تَكْبته ، حيثُ هو قائم فعلاً ، أي من قاعدته العريضة ، صعودا الى صفوف الشرائح العليا . ففي الحالتين يجب ان تكون سياستها شاملة ، وان يكون وجودها شاملا . فممارسة السياسة الشاملة ، تعني ان وجود الدولة البوليسية هو وجود " اجتماعي " ، يمتد الى سائر نقاط الرقعة الاجتماعية ، ولكن ليس بوصفها رقعة للمجتمع ، بل بوصفها رقعة للدولة فقط . ان هذه السياسة الشاملة تلحق الأذى بكل من يقيم تماسا معها من الطبقات ، والفئات ، والشرائح الاجتماعية ، ولأنها دولة توتاليتارية ، شاملة وشمولية ، فإنها تطرح القضايا المعلقة بما يوطد تفوقها على المجتمع الذي ليس هو مجتمعها ، فتصير مسألة في أهمية المسألة الزراعية مثلا ، عنصرا من عناصر نهب الزراعة ، وليست أداة حل مشاكل الفلاحين والشعب ، ونفس الشيء نلاحظه في التجارة ، والاقتصاد .. لخ ، وبذلك تتحول القضايا الوطنية المؤجلة الى قيد على الوطن ، بدل ان تكون أداة من أدوات تحرره . فكيف توظف الدول البوليسية القضايا الوطنية ضد مصالح الشعب ؟ 3 ) حين توظف الدولة القامعة القضايا الوطنية ضد مصالح الشعب -- الصحراء المغربية -- : رأينا في الجزأين أعلاه . كيف تتناقض الدول القامعة ، مع الدولة الديمقراطية ، وكيف وهي الخاوية الوفاض ، لا تتعامل الاّ بالقمع ، للجْم أصوات الاحرار والشرفاء فاضحي الفساد ، وليِّ وتجفيف أقلام المثقفين المُعرّين والفاضحين لفسادها، وكيف بعقليتها الانتهازية والوصولية ، وتكوينها النفسي المريض ، تصبح عالة على البلد ، حيث تتحول الى دولة هدم وتخريب ، لا الى دولة بناء وتشييد . في الجزء الثالث هذا ، سنحلل ونعالج دور الدولة القامعة الوحيد ، في الحفاظ على ذاتها المفروضة بقوة القهر ، والبطش ، والاذلال ، حتى تستمر في استبدادها وطغيانها ، وتستمر في نهبها للمال العام بطرق غاية في الخسة والنذالة . ان أي تفسير تعتمده الدولة القامعة للتناقضات الأساسية التي تنخر المجتمع ، لا يعدو الاّ ان يكون تفسيرا بوليسيا ، مبنيّ على الاخبار الكاذبة التي تعطي للواقع وصفا ، ليس هو الوصف الحقيقي الذي يجسده في الواقع . بل حتى التاريخ تفسره الدولة القامعة تفسيرا بوليسيا ، لإضفاء هالة ومشروعية ، على طقوس غريبة عن منطق الدولة الحديثة . فما دام ان رأس النظام ، اعتقادا منه انها تحميه ، وتضمن مصالحه الاقتصادية المتنوعة والمختلفة ، قد مكنها من الدولة ، والمجتمع ، والشعب .. فشراسة وعدوانية الدولة القامعة في تزايد ، لدرجة انها تحوّل النظام كنظام ، الى مملكة يطغى عليها الرعب والخوف . ان القاعدة الوحيدة التي تتأسس عليها ، هي قاعدة بوْلسة المجتمع والدولة ، بخلق فوبيا الشعب في نفسية الحاكم ، وهي قاعدة مقيتة وضعيفة الحجة ، لأنها تحمل في طياتها أسباب هلاكها . وبالرجوع الى التاريخ ، فالمصير الحتمي لأية دولة بوليسية هو السقوط . وبالرجوع الى الماضي القريب ، سنجد ان النظام لا يترك اية فرصة انتعاش ، الاّ واستعملها لتمديد بقاءه . فالكل يعرف الوضع الخطير الذي كان يتهدد اصل النظام طيلة الستينات والسبعينات ، وبداية الثمانينات . والكل يتذكر اصل الصراع الاجتماعي / الطبقي الذي عرفه المغرب ، حيث كانت كل الحركات الجذرية ، تستهدف رأس النظام لا جوانبه . كما ان الكل يتذكر محاولات الجيش للإطاحة بالنظام في محاولتين انقلابيتين ( 1971 و 1972 ) ، كما يتذكر المحاولة الفاشلة للجنرال احمد الدليمي بتنسيق مع عسكر الجزائر . وحتى يخرج النظام من دائرة الخطر التي كانت تلف عنقه ، وجد ضالته في قضية الصحراء ، لقلب المعادلة الطاغية التي كانت تضبط العمل السياسي ، وهي استعمال الصحراء في استدراج المعارضة الجذرية الى صفه ، وفي اشغال الجيش بما يبعد عنه خطر أي انقلاب . ان احسن مثال ساطع على الطريقة التي توظفها الدولة البوليسية ، لتأبيد ديمومتها واستمرارها ، رغم تناقضها الصارخ مع المجتمع المسيطرة عليه بآلة البوليس القمعية ، تبقى القضايا الوطنية التي تثير إحساسا مفرطا لدى الشعب المغربي ، خاصة في وسط فقراءه ، وفي وسط برجوازيته الصغيرة ، وما فوق الصغيرة . فحين تنجح الدولة القامعة ولو مؤقتا ، في توظيف القضايا الوطنية ، ضد مصالح الشعب ، والجماهير التي تطالب بالديمقراطية ، والعدل والمساواة ، وعدم الإفلات من العقاب ، وربط المسؤولية بالمحاسبة ، واستعمال مثل هذه القضايا لاستمرار الدولة اللاّديمقراطية في مواصلة استبدادها وطغيانها ، فان التوظيف الحقيقي لمثل هذه القضايا ، تعالجه الدولة القامعة ديماغوجيا ، كمشكلة حكم ونظام ، وليس كمشكلة وطنية تثويرية تهم الوطن والتاريخ ، و كامتداد متواصل لمختلف نضالات الشعب المغربي ، في الدفاع عن وحدته الترابية والجماهيرية . بادئ ذي بدء ، عندما كان هناك نهوض شعبي وثوري يعم كل المغرب ، من شماله الى جنوبه ، وكان وضع النظام الملكي على شفا حفرة ، ويطل على الهاوية ، لم يتردد الحسن الثاني في ان يطلب من الاستعمار الاسباني عدم الانسحاب من الصحراء ، ورجاهم للبقاء فيها ، حتى لا تحسب عملية استرجاع الصحراء ، على الحكومة التي ترأسها الأستاذ عبدالله إبراهيم ، ومنه على حزب " الاتحاد الوطني للقوات الشعبية " . لكن الإطاحة والانقلاب على حكومة عبدالله إبراهيم ، وبعد ظهور الفوسفاط ، وطفح منسوب الثروة السمكية بالصحراء ، حتى تراجعت اسبانيا الاستعمارية عن قرارها بالانسحاب من الصحراء ، وأصبحت الصحراء بكل تناقضاتها ، تفعل فعلتها في بنية النظام السياسي المغربي ، وفي ترتيب وتحديد نوع العلاقات السياسية بين دول الجوار . هكذا سنجد ان الصحراء ، ظلت واستمرت تلوح بنفس الخطر على اصل النظام ، مهددة إياه بالسقوط في كل فترة وحين ، وخاصة وان جميع السلالات التي حكمت المغرب قد جاءت من الصحراء ، وسقطت كذلك من الصحراء ، والحسن الثاني حين طرح قضية الصحراء بارتباطها بالحكم ، وليس كقضية تحرير وطني ، يكون بذلك قد زاد في نسبة الخطر الذي تمثله الصحراء على النظام ، ويكون بذلك قد فشل في اغلاق باب الصحراء الذي يتحكم لوحده في بقاء السلاللة في الحكم ، او في سقوطها وتعويضها بسلالة أخرى ، لكن هذه المرة ان حصل السقوط ، فلن يعوض بسلالة جديدة ، بل سيعوض بما تقرره واشنطن ، لندن ، مدريد ، باريس وتل ابيب . فلو نجد انقلاب الجنرال احمد الدليمي ، او نجح انقلاب 1971 وانقلاب 1972 ، فهل كان سيأتي بسلالة غير السلالة التي سقطت الى الحكم ؟ . هكذا سنجد ان الحسن الثاني عندما طرح في أوساط السبعينات الموضوع مجدداً ، فهو طرحه من منظور توطيد الحكم بعد سلسلة الانقلابات العسكرية ، والانتفاضات الجماهيرية والشعبية ، وليس من منظار حل مشكلة وطنية ، أي انها اعتبرت أداة لتقوية مواقع الملكية والاقطاع المرتبط بها ، وباباً تتسلل منه موازين القوى الغربية الجديدة ، بدل ان تطرح في اطار استراتيجية تحررية ، جوهرها معاداة التبعية الى الخارج ، وبالتالي الاستناد الى برنامج تطويري في الداخل ، يعتمد على أوسع قاعدة شعبية تحررية عريضة . والحقيقة ان هذأ الطرح ، أفقد القضية وجهها الوطني الأصيل ، الذي كان لها في فترة النهوض الشعبي التحرري ، فحولها بطريقة رديئة ، الى قناة صرف للتناقض الداخلي ، بين الشعب وبين النظام المستند الى الاقطاع . وبديهي ان التكتيك الذي رُسم لمعركة كهذه ، العدو الأساسي فيها هو الشعب ، وليس الاستعمار ، ولا الامبريالية ، كان يعمل على تطويلها بدل حلها ، وعلى تشعيبها بدل حصرها وحسمها . كما كان ولا يزال يقوم على دمجها في اطار السياسة الامبريالية ( مجلس الامن ) ، بدل انتزاعها وانتشالها من هذا الاطار ، ولهذا بالذات بدأت المشكلة دولية ، ولا تزال كذلك الى اليوم ، دون ان تأخذ حتى الآن طابعها الوطني الغالب . هكذا ، وان تعمقنا كمثقفين في التحليل وفي علمية المعالجة ، ورجعنا الى التاريخ الكاشف والفاضح لكل الأدوار الخائنة واللاّوطنية ، كالاعتراف بالجمهورية الصحراوية ، لوجدنا ان خطط القوى الخارجية كانت منذ هزيمة قرطاجة على روما ، تقوم على أسس قلما تغيرت ، وإن كان قد أصابها بعض التطوير ، منها : 1 ) الاستيلاء على رؤوس الجسور على الشاطئ ، وتحويلها الى مراكز تحشد لتكون قادرة على قمع الداخل ، ولتستمر كمراكز للنهب لداخل كذلك . 2 ) ادخال وتوطيد سلطة الاقطاع في كل بلاد المغرب . 3 ) افتعال الاقتتال والتناقض بين مكونات الشعب في الداخل ، وبين مكونات دول الشمال الافريقي . 4 ) ربط شرائح اجتماعية من المغرب بالمصالح الخارجية ، إما عن طريق المركز الاجتماعي ، او عن طريق لغة القوة الخارجية ، او عن طريق اعتناق دياناتها ، وهذان يتيحان الدخول في جهاز ادارتها ، والتمتع بقسم من الامتيازات المتاحة لها . باختصار ، فإن هذه الشروط والاسس المعتمدة على التجزئة السياسية ، والنظام الاقطاعي ، والارتباط بالخارج الذي يصاحبه اكبر قدر من التناقض بين الوحدات السياسية في الداخل ، لا يزال الاستعمار والامبريالية يعتمدها ، مع بعض التطوير الذي أصاب الدولة بشكل خاص . في شروط كهذه ، تتحول اية مشكلة الى مادة متفجرة بين الكيانات السياسية ، خاصة حين تحل في اطار اللعب الخارجي ، وتُفصل عن مقوماتها الذاتية التي تجعلها عنصرا من عناصر تقوية الداخلي ضد الخارجي . في هذا الاطار ، عملت الرجعية المغربية ، ولا تزال تعمل ، لحل مشكلة الصحراء التي تلقي بظلال و بسحب قوية ، قد تتحول الى طوفان مهددة لأصل الحكم ( الجمهورية ) ، لا الى ضفافه ( الملكية البرلمانية ) ، أي لتعقيد الوضع ليس فقط بالصحراء ، بل بكل منطقة شمال افريقيا ، و يزيد الامر سوءاً انّ هذه السياسة الرجعية ، فرضت نفسها حتى الآن على كل الأحزاب السياسية ، التي كانت تحمل تصورا مغايرا لها ، وتناضل وفق برنامج يختلف عنها . وإذا كانت تلك الأحزاب ، منها من انقرض ، ومنها من تحول الى صدفة فارغة ، ومنها ورغم ضعفه البيّن والواضح ، قد اصبح يردد أسطوانة النظام من قضية الصحراء ، ويبصم بالأصبع العشرة على كل خطوات النظام ، وقراراته وانْ كانت متناقضة عن بعضها ( مرة المغرب في صحراءه والصحراء في مغربها ) ، ومرة ( الدعوة الى الاستفتاء وتقرير المصير ) ، ومرة ( قبول اتفاق الاطار رغم خطورته ، ثم رفضه ) ، ومرة ( الاستفتاء التأكيدي غير الموجود في القانون الدولي ) ، ومرة ( الحكم الذاتي ) ، ومرة ( الجهوية الموسعة الاختصاصات بعد فشل حل الحكم الذاتي ) ، ومرة ( الاعتراف بالجمهورية الصحراوية ) ، فان ما يؤسف له ، ان قضية الصحراء المغربية قد اختصرت ومُسخت الى مستوى فظيع ، انصب بأسره على المسألة التالية : الصحراء مغربية ، ويجب ان ندعم جهود الحكم للحفاظ عليها ( الحزب الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي ) ، بينما المسألة هي في الحقيقة التالية : الصحراء مغربية ، وعربية ، و امازيغية ، فيجب ان تتحول المعركة من اجل استردادها ، الى معركة لإضعاف الاقطاع ، وسلطته ، واستبداده ، وطغيانه ، واسقاطه ، مع اسقاط كل مشاكل المنطقة المرتبطة بنزاع الصحراء . إن أحداً لا يشك بان الصحراء هي جزء من المغرب ، وانها مغربية عبر كل التاريخ والعصور ، لكن الشكوك تدور حول تحول هذه القضية الوطنية الهامة ، من رافعة بأيدي قوى التغيير والديمقراطية الحقيقية ، الى أداة بيد النظام والاقطاع والقوى الامبريالية المساندة لهما في ذبح والتنكيل بالشعب ، وبقواه من الحركة الوطنية والتقدمية والثورية . فكيف انعكس صراع ونزاع الصحراء على شعوب ودول المنطقة ؟ موضوع الحلقة المقبلة .
4 ) انعكاسات قضية الصحراء على دول الشمال الافريقي : بالرجوع الى مخلفات قضية الصحراء ، على منطقة شمال افريقيا ، وبالضبط منذ سنة 1975 ، سنجد ان السياسية التي مارسها النظام المغربي في الصحراء مرت بثلاث مراحل متواصلة : --- مرحلة أولى دولية ، وضعت فيها أسس المشكلة بالاتفاق بين النظام وبين القوى الخارجية ، خاصة الاسبانية والفرنسية . --- مرحلة ثانية داخلية ، فرضت فيها الاستراتيجية الخارجية – الداخلية ، أي النظام على القوى السياسية الداخلية ، واستخدمت لترتيب أوضاع الحكم الذي كان مهددا بالسقوط . --- مرحلة ثالثة لا نزال فيها ، تعود المشكلة من جديد لتبرز في اطار الصراع الدولي ، والاستراتيجيات الخارجية ، ولكن على أرضية داخلية المبادرة فيها بيد النظام . في المرحلة الثانية ، كان النظام يتحدث طوال الوقت ، عن مشكلة وطنية لا يمكن ان يقبل حلا لها الاّ في اطار الاندماج الوطني المغربي . والآن وفي المرحلة الجديدة ، تطرح القضية مجددا كقضية لا بد ان تتضمن تسويات و حلولا وسطى ، بحجة المتغيرات الدولية ، وموازين القوى الجديدة ، وبرغم ان الدول الكبرى دخلت الى ساحة الصراع من باب الصحراء الذي يرى النظام الآن ، انه باب لا ولن يغلق الاّ بموافقة الخارج ، أي ان الجانب الوطني من المشكلة صار محلاً للعب السياسي ، وللأخذ والعطاء ( الاعتراف بالجمهورية الصحراوية من خلال الاعتراف بالقانون الأساسي للاتحاد الافريقي ) ، والجلوس الى جانب الجمهورية في لقاء الاتحادين الأوربي – الافريقي ، والجلوس معها جوارا بالاتحاد الافريقي . يقتضي الانصاف والإخلاص للحقيقة ان نقول هنا ، ان هذه السياسة ، ما كانت قابلة للتنفيذ بالطريقة التي نفذت بها ، لولا الدور السلبي الذي لعبه الطرح الانفصالي بمختلف مكوناته ، الذي شكل خدمة كبيرة لمصالح النظام والاقطاع . لقد كان على ما يسمى بجبهة البوليساريو ، ان تعتبر نفسها جزءا من حركة الشعب المغربي المعارضة ، وان تطالب بالتالي بمغرب ديمقراطي ، بدل ان تتلاعب بأخطار دولة كاركوزية " اشتراكية – ديمقراطية " ، تفتقر لسائر المقومات التي تجعل من كيان سياسي كيانا سياسيا بالأصل . ان الجزائر دفعت ثمنا كبيرا لسياستها المغلوطة ، وستدفع ثمنا اكثر ان هي واصلتها ، لان التهديد بالتقسيم ، يهددها كذلك اكثر من تقسيم المغرب الذي يتهدده التقسيم . واعتقد ان الفرصة لا تزال متاحة لصالح مغرب الشعوب ، لا لصالح مغرب الأنظمة . وان كانت تتناقص بمرور كل يوم ، ليقلب المشكلة الى مشكلة نضالية مغربية عامة ، ذات بعد عربي امازيغي واضح ، لا تربح منه الامبريالية الدولية او الاقطاعية المغربية ، بل تعيد طرح الأوراق من جديد ، لتصبح أساسا لفرز داخلي على نطاق كل شمال افريقيا ، ولاسترداد نقل الاستراتيجية الثورية التي وضع المقاومون الثوريون اللبنات الأولى لحرية الشعوب وطرد المستعمر ، والتي ستمكننا من طرد بقاياه والقوى التي حلت محله . ، وعلى راسها البرجوازية الكمبرادورية والاقطاع ، وتوحيد شعوبنا على أسس تحررية وتقدمية ، تشكل مركزا من مرتكزات نهضة شعوبنا العربية الامازيغية .، وردا على الانهيار الحاصل في مختلف الأقطار . لقد آن لنا ان ندرك ان خطط الامبريالية متشعبة ومتعددة ، وان تمزيق الوطن العربي وبعده تمزيق شمال افريقيا ، واثارة النعرات والتناقضات المحلية والوطنية ، وتدبير الحروب بين اقطاره ، هو الهدف الثابت للقوى الامبريالية وصنائعها ، وان الرد لا يكون بالانجرار الى هذه الحروب والتمزقات من موقف إقليمي " تقدمي " ، بل هو في وضع استراتيجية مضادة شاملة ، تحشد من حولها الطاقات الشعبية في كل الأقطار ، وتخوض معركتها موحدة على صعيد المغرب كله ، كما تعرف متى تخوض هذه المعركة ومتى تتفاداها ، متى تتقدم ومتى تتراجع ، متى تقبل التحدي ومتى تتحاشاه . وغني عن القول ، ان موقفا كهذا ، يتجاوز الانحياز لهذه القوة او تلك ، لأنه قائم على الانحياز للشعب الواحد في الأقطار المختلفة ، ويهرب من المكاسب الإقليمية الصغيرة والتافهة ، لأنه ينتظر في النهاية الحصاد الوافر الكبير ، ولأنه مؤسس على نموذج للعلاقة مع الشعب ، ويختلف جذريا عن النموذج السائد في البلدان الرجعية . نموذج يستطيع في نفس الوقت اقناع الجماهير والشعب ، بتفوقه وتقدمه ، ولا يعمل بنفس آليات الأنظمة الرجعية ، لكنه يتستر بحملة من الشعارات " التقدمية " التي لا يرى احد أي انعكاس لها في الواقع الحي واليومي . اننا نلح على ضرورة بداية كهذه ، لان الاحداث تفتح عيوننا على اتساع دائرة التردي ، وعلى تفجير الامبريالية بما تبقّى من علاقات بين بلدان المنطقة ، وليس على عصر الصراعات وتحجيمها . وإذا كان هناك من يظن انه يستطيع بمجرد مرور الوقت التخلص من مشكلة كان موقفه فيها مؤسسا على الغلط ، فانه سيجابه بعد حين مشكلة أخرى موقفه فيها مؤسس على غلط مماثل ، وهكذا دواليك حتى نصل الى وضع لا يعرف حقيقته الاّ الله . ان ما حدث لمشكل الصحراء ، يعطي صورة جد واضحة عن مستوى القوى التي انخرطت فيها : الامبريالية ، والرجعية ، والحركات الوطنية ، مع العلم اننا لا نريد ان نضيع الوقت طويلا في الحديث عن مستوى الحركات الوطنية ( الاتحاد الوطني للقوات الشعبية )( الاختيار الثوري ) ، وطريقتها في إدارة هذه المسألة ، لان ذلك واضح للعيان ولكل عين بصير . وعلى كل حال ، فان ما يهمنا من هذا التحليل ، هو دراسة الجوانب الخفية التي طرحت فيها قضية الصحراء المغربية ، والاطار العام الذي وضعت فيه ، وعن نمط الدولة بخصوصياته المتباينة من بلد الى آخر . وإذا كانت الدولة المغربية ، قد اضفت على نفسها طابعا ( قوميا ) من خلال حرب أكتوبر في سنة 1973 ، فإنها حاولت ان تضفي على نفسها طابعا ( وطنيا ) من خلال مشكلة الصحراء ، ومع ان الاحداث اثبتت ان عينها لم تكن على وحدة الوطن ( سبتة ومليلية والجزر الجعفرية ) ، بل على ترسيخ وضعها الداخلي بإثارة قضية كانت تجمدها عن قصد ، لان الأخطاء الخطيرة التي ارتكبتها أحزاب الحركة الوطنيية قد ساعدتها على تحقيق هدفها الأساسي هذا . ومهما يكن من امر ، فان المخرج من الازمة الراهنة مرتبط بوعي الحركة التقدمية الوطنية لسياستها المغلوطة ، وبإيجاد بدائل لها ، لان النظام لا يعقل ان يبدل سياسة استفاد منها . 5 ) ما العمل في وضع مزري كالذي نحن فيه عربيا ومحليا ودوليا : بادئ ذي بدأ ، لا بد من الإقرار بان الوضع الخاص بنا ، ما كان ليصل الى حيث هو ، لو ان القوى التقدمية ، والديمقراطية ، والوطنية الحقيقية ، عرفت كيف تربط سياساتها ، وتنظيماتها ، ووضعها الداخلي العام في صلاته مع الأوضاع العربية والدولية . ان التطور الذي شهده العالم العربي ومنطقة شمال افريقيا ، مثل الارتداد المحلي لكل نظام ، كان سيفعل فعله فينا ، ولكن ليس محتما ان يكون هذا الفعل بالاتجاه الذي حدث ، وبالشدة التي حصلت . ان أساس العيب كامن في القوى الديمقراطية ، والتقدمية ، والوطنية الحقيقية ، وفي وضعها الذاتي ، وتفاعله مع محيطه الموضوعي ، المحلي والعربي ، ومن ثم الدولي . وإذا كانت المراجعة مطلوبة الآن ، فإنما هي مطلوبة في اتجاهين : 1 ) وعي النواقص الذاتية أولا ، والاستعداد لإجراء مراجعة شاملة وموضوعية ، يتجرد فيها الجميع من الحساسيات والقضايا الصغيرة ، مقابل ابداء اكبر قدر ممكن من الاستعداد لنقد كل التجارب السابقة ، وما تم إنجازه في اطار التراكم النضالي الذي عرفته الساحة منذ خمسين سنة والى اليوم ، وإلاّ سيتحول الجميع الى بطّائيين يؤمنون بجبرية لا ترد ب " الموضوعي " متناسين انهم جزءا منه . 2 ) وعي التجربة الموضوعية التي عاشها الجميع ، وكانت المبادرة فيها خارج ايدي الجميع ، والاستعداد الحقيقي بأن تعاد التجربة ، ولكن ليس على طريق التكرار ، بل على طريقة إعادة التأسيس ، مع الاخذ بعين الاعتبار بالقوى السياسية الجديدة العقائدية التي أصبحت تتصدر الساحة ، فالإقصاء كممارسة ، وخدمة للاستراتيجية ، هو مرفوض . ان التاريخ ليس سوى عمليات إعادة تأسيس متصلة ، بحيث يُؤخذ من الماضي احسن ما فيه ، ليتم إرساء حاضرا قادرا على الامتداد نحو المستقبل ، دون ان يقف عند حدود نقل التجربة ، وانما يتجاوزها ، الى دمج التجربة المنقودة ( النقد ) ، في سياق نظري وعملي ، يستطيع الإمساك مجددا بالمبادرة ، وتطويرها على كل الأصعدة ، نحو اجراء التغيير المنشود ، في الذات ، وفي الظروف الموضوعية ذاتها . في الظرف المشخص الذي نعيش فيه ، نرى ان يتبلور هذا النشاط حول القضايا التالية : 1 ) الاتجاه الحاسم والجذري نحو الشعب ، بقصد إعادة احياء المجتمع ، كمجتمع سياسيا ، وبلورة سياسة خاصة به مستقلة عن الاقطاع ومناقضة له ، حيث يجب ان تكون كذلك . ان الصورة التي عرضنا في الحلقات السابقة ، لآليات عمل الدولة البوليسية ، لا تترك مجالا للشك ، في ان هذه قد تحولت اكثر فاكثر الى مركز أساسي للحياة السياسية بوجه عام ، لأنها هي المتصرفة بالثروات ، والمالكة لقسم أساسي من وسائل الإنتاج ، وهي المشرفة على التراكم ، وعلى توزيع الدخل الوطني بما يتحكم في اللوبيات ، وخلق ( النخب ) التي لا تملك غير التصفيق لإنجازات الدولة البوليسية هذه . ان هذا الوضع الغير مقبول بتاتا ، كان سيكون مقبولا فقط في حالتين : ا – لو كانت الدولة البوليسية ممثلة لمصالح الشعب والمجتمع . ب -- لو كانت تمة حركة سياسية اجتماعية ناشطة ، قادرة على موازنة دور الدولة الطاغي اقتصاديا وطبقيا ( الكمبرادور ) . ان السياسة التي تقوم على الاستيلاء على الدولة عن طريق الرضوخ لسياساتها ، والدخول في لعبة مصالحها ، والتي تحني رأسها اكثر فاكثر امام العواصف التي تهب من فوق ، فهي قمينة بتحويل الأحزاب ( السياسية ) الى تجمعات مصالح ، لا شأن لها في حياة الشعب ، وبتدمير الدور الشعبي المنشود ، الذي تسعى الدولة البوليسية بالأساس الى تدميره . وصورة اليوم التي تعيشها بلادنا ، ناطقة بما فيها . تترتب على سياسة كهذه وضعية لا تنقد ما يمكن انتقاده ، ريثما تمر الظروف الصعبة والعصيبة ، بل انها سياسة تُضيّع ما يجب الحفاظ عليه وتطويره . فإلى ذلك ، فإن سياسة كهذه تعزز دور الدولة البوليسية المحولة الى مركز للحياة السياسية ، بدل ان تضعفه ، فتسد افق الاحتمالات امام الشعب ، وتضعه في مركز حرج ، جوهره التسابق نحو التزلف ، والتودد ، وخطب ود ورضى الدولة البوليسية وزبانيتها ، او التخلي تماما عن أي نشاط سياسي او نشاط عام . ان تأسيس الحركة السياسية الشعبية ضرورة لا بد منها ، لان وجود ، مجرد وجود ، القوى السياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة ، صار مربوطا به . وحتى لا نتيه في الاطناب ، فان أي حزب يفتقر الى قاعدة شعبية حقيقية ، واعية ، ومقاتلة ، لن يستطيع الوقوف بوجه الدولة البوليسية التي تمارس الحداثة المعطوبة ، لمسخ وتمييع الشعب والمجتمع ، فكيف سيستطيع بالأحرى قيادة المجتمع والانتقال الى الهجوم المضاد ؟ ان هذه المسألة ، مسألة مجابهة الدولة البوليسية ، والطبقات الاقطاعية المساندة لها ، بأوسع الجماهير الشعبية ، لا يجوز ان تفلت من الوعي لحظة واحدة ، إذا كان المناضلون التقدميون والديمقراطيون يريدون ممارسة السياسة الثورية بمعناها الحقيقي ، أي بوصفها تعبيرا عن مصالح مجتمع معين ، وجماهيره المنتجة والمضطهدة ، حيال اية قوة تحول دون وصوله الى مصالحه . والحقيقة الجلية للعيان ، أن ما حل بالأحزاب الوطنية خصوصا ، والأحزاب العربية عموما ، لم يكن سببه تناقص حجمها او تزايده ، ولا علاقتها بالدولة البوليسية أساسا ، بل كمُنَ سببه دوما في علاقاتها مع الجماهير الشعبية التي أدى انقطاعها عنها ، الى تقليصها حينا ، والى وقوعها في اغراء وكمائن مسايرة سياسة الدولة البوليسية في اغلب الأحيان ( الصحراء ) . وهذا ما ابعدها عن الشعب ، ودفعها بالتالي الى حلقة مفرغة دفعتها الى الدوران اكثر فاكثر في فلك القوى السائدة ، الا وهي الدولة البوليسية السائدة التي وصفنا ملامحها في دراساتنا السابقة في الحلقات الأربع الفائتة . 6 ) بعد الخطاب الملكي الذي حرره عملاء الدولة البوليسية ، تبقى طريق واحدة للمعالجة : الخطاب الذي القاه الملك محمد السادس مؤخرا ، وهو خطاب امني بامتياز ، ومن تحرير عملاء الدولة البوليسية الذين يجهدون في الاستمرار في بسط أيديهم ، وجبروتهم ، واستبدادهم ، وطغيانهم على المغرب وعلى الشعب ، هو خطاب خطير . ولنا ان نتساءل ، كيف للملك ان ينعت المعارضة بالأوصاف السلبية ، من عدمية وسلبية ..لخ ، وهو الذي حاول جاهدا وغير موفق ان يتظاهر بملك ( الفقراء ) وبالملك ( الحداثي ) ، و( الديمقراطي ) ، في حين ان خطابه الذي حرره عملاء الدولة البوليسية ، وهو خطاب صادم ، ستكون له تبعات سياسية قد تكون لها انعكاسات سلبية على النسيج الاجتماعي الوطني ، تعيد بنا الى سنوات الستينات ، والسبعينات ، والثمانينات ، وحتى التسعينات من القرن الماضي . والسؤال الذي اود طرحه : هل الملك الذي كان يقرأ الخطاب ، كان واعيا ومدركا بمضمون الخطاب ، ام انه كان يقرأ دون ادراك خطورة ما كان يقرأ ، وهنا فانه سيكون قد سقط في فخ من يزينون له القبح ، ويوصفون له الواقع عكس منطوقه و حقيقته ، ومن ثم يكونون قد نجحوا في خلق هوّة بينه وبين الشعب ، وهي هوّة موجودة منذ ستة عشر سنة ، انما اليوم أعلنت صراحة عن وجهها الذي كان خفيا ، وبينه وبين المعارضة التي تزين وجه النظام اللاديمقراطية امام الدول المانحة ، وامام منظمات حقوق الانسان الأممية المختلفة . نحن كنا نساير ونتابع كل ما يجري ببلدنا في مجال الشأن العام ، وكنا قد ادركنا منذ بداية ما يسمى ب( العهد الجديد ) ، انه ليس هناك ( عهد جديد ) ، بل هناك استمرار ومواصلة لنفس النظام ، انما بميكانيزمات جديدة ، ووجوه جديدة ، لان النظام السياسي في المغرب يتطور ولا يتغير . وللتدليل على صحة تحليلنا ، يكفي الرجوع الى الدستور الممنوح الذي يركز كل السلط بيد الملك ، ويعتبره الممثل الاسمى للامة ، وليس للشعب . فهل نسمي نظاما ما بالنظام الديمقراطي ، إذا كان يختزل الدولة في شخص الحاكم ، ويختزل شخص الحاكم في الدولة " انا الدولة ، الدولة انا " ؟ . بل اخطر من ذلك ، ان السلطات الواسعة للملك ، ليست هي التي ينص عليها الدستور الممنوح ، بل هي تلك السلطات الاستثنائية التي يمنحها عقد البيعة غير المكتوب ، لرئيس الدولة ليس كملك ، بل كإمام ، وراعي كبير و أمير ، وهو ما يجعل العمل السياسي ، وممارسة الشأن ببلادنا توصم بالعقم ، وباسكيزوفريينيا " ( اصالة ) ليست بأصالة و ( حداثة ) ليست بحداثة " . وإذا كان من ميزات الأنظمة الديمقراطية الحقيقية ، خلو وفراغ سجونها من كافة المعتقلين السياسيين ، ومعتقلي الرأي ، والمعتقلين النقابيين ، ومعتقلي فاضحي الفساد بملفات بوليسية مطبوخة على المقاص ، ومعتقلي الحركة الطلابية .....لخ ، فانه بإجراء مقارنة بسيطة بين ( عهدين ) عهد الحسن الثاني ، و(عهد ) محمد السادس ، سنجد ان نسبة المعتقلين في عهد الأخير ، اكثر بكثير من تلك التي عرفها ( عهد ) الحسن الثاني . فكم بلغ عدد المسجونين بين ( عهدين ) ، ( العهد ) الأول استغرق ثمانية وثلاثين سنة ، وكانت هناك احداث سياسة ضخمة ، و ( العهد ) الثاني استغرق تسعة عشر سنة ، رغم ان الوضع السياسي كان يختلف بين ( العهدين ) . عندما جاء محمد السادس ، تظاهر بانه ملك لل ( فقراء ) ، و رسخ ما سمي إذاك ب ( المفهوم الجديد للسلطة ) ، وبدأ يرسل إشارات إيجابية نحو بناء الدولة الديمقراطية ، والمساواة ، وحقوق الانسان ...لخ. . ان هذا التحول اللاّتحول ، كان يخفي توجس وخيبة الجماعة التي أصبحت مصالحها مهددة ، هذا إذا افترضنا جدلا ، ان تلك الإشارات وبداية التحولات كانت حقيقية ، ولم تكن مجرد خدعة حتى يتمكن النظام من الوقوف على رجليه ، ويتجاوز الاخطار التي كان تحدق به ، وينجح في اقناع الشعب بان الملك ملك الشعب ، وليس ملك اصدقاءه ، وملك المحيطين به من الجماعات الاقطاعية ، والبرجوازية الكمبرادورية . لكن اين نحن من كل تلك المظاهر الخادعة والخدّاعة ؟ . لقد انقلب كل شيء رأسا على عقب منذ النصف الأول من 2003 ، فتراجعت شعارات ( العهد الجديد ) ، والمفهوم ( الجديد للسلطة ) و ( ملك الفقراء ) ، واصبح تجبر وتغول الدولة البوليسية ظاهرا ومتجليا بشكل ناطق بما فيه ، وعوض الديمقراطية ساد الاستبداد والطغيان ، وعوض الحرية تم ملئ السجون بخيرة أبناء الشعب المغربي ، وعوض التركيز على كفاءة أبناء الشعب في تدبير الشأن العام ، تم تسليم البلاد الى أصدقاء الملك ورفاقه ، والى المقربين منه ، وعلى رأسهم فؤاد الهمة ، ومن كان يحيط به من أمثال مستشاره السابق الوزير المنتدب في الداخلية المدعو الشرقي ضريس ، المدير العام للبوليس المدعو عبداللطيف الحموشي ، والى وزير الداخلية الفاسد المدعو عبدالوافي لفتيت الذي لا يزال يمارس اعتداءه الاجرامي عليّ ....لخ . هكذا تبخر كل شيء في رمشة عين ، وليس بين عشية وضحاها ، واصبح البوليس يسيطر على كل شيء ، فتغول بسبب صديق الملك حتى على الجيش ، والدرك ، والقوات المساعدة ، بعد ابعاد العديد من الضباط الذين كانوا لا يعيرونه ادنى اهتمام ، ويكفي الرجوع الى مراسيم تقديم فؤاد الهمة شخصيا مستشاره المدعو الشرقي ضريس الى الملك عند تعيينه على رأس المديرية العامة للأمن الوطني ، ليتضح المقلب المفضوح في السيطرة على الأجهزة الأمنية ، وكيف تم تعيين المدعو عبداللطيف الحموشي على رأس المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بعد ابعاد عميل الجنرال حميدو لعنيگري احمد حراري ، وكيف تم تعيينه مديرا عاما للمديرية العامة للأمن الوطني بعد ابعاد بوشعيب الرميل لأسباب معروفة ، وكيف تم ابعاد الجنرال لعنگري عن المفتشية العامة للقوات المساعدة ...لخ ، الى ان انتهى كل شيء في الدولة بيد فؤاد الهمة . ان خطاب الملك الاخير بوصفه أكثرية الشعب باوصاف قدحية ، وهو الذي يكان يجب ان يكون محايدا ، وان يكون بحق ملك الجميع ، لا ملك فئة دون اخرى ، قد عرى عن الحقيقة التي كانت جلية منذ توليه الحكم ، ويكون بهذا الخطاب قد دفن تحت التراب ، جميع الشعارات التي تغنى بها رموز الدولة البوليسية ، وهي شعارات كانت براقة خادعة ، نجحت في تدويخ حتى اصحاب الملكية البرلمانية على الطريقة المغربية ( الاشتراكي الموحد والطليعة ). لقد دفن الملك شعار ( الديمقراطية المحمدية ) باصداره اوصافا قدحية في حق المعارضة ، وفي حق جزء كبير من الشعب ، ودفن شعار ( ملك الفقراء ) بتضخم ثورته منذ تسعة عشر سنة ، ودفن ( المفهوم الجديد للسلطة ) حين تغولت وتجبرت الدولة البوليسية التي احكمت قبضتها على الدولة وعلى الشعب ، ودفن ( الحرية ) بتكديسه السجون بالمعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي ، ومعتقلي فاضحي الفساد . امام هذا الوضع الجديد / القديم ، لنا ان نتساءل عن الاجراءات الضبطية القادمة التي تحضر لها الدولة البوليسية ، التي وجدت الطريق بخطاب الملك ، مسوغا ومشرعا لاتخاذ تدابير جزرية ستمس في الجوهر الحقوق والحريات ، وستحول المغرب الى مملكة خوف ورعب ، داخلها مفقود ، وخارجها مولود . لا يمكن التفاؤل بالآتي الذي لن يكون غير مزيدا من الجبر ، والضغط والقمع ، وتوغلا في الاستبداد والطغيان ، كآخر سلاح ومخرج تجربه الدولة البوليسية في مواجهة وعي الشعب المغربي المتقدم ، وفرملة الاحتجاجات الشعبية التي تنبع هنا وهناك على طول ارجاء الوطن . فهل سيحقق القمع ما خفقت في تحقيقه الدولة البوليسية ، في مجال ضبط المجتمع ، والتحكم في كل مفاصيله ، وصولا الى تركيعه بالكامل ؟ بداية ما كان للدولة ان تتحرك بهذا الشكل العدواني ، لو لم تفرغ كل الكائنات الزئبقية من مضامينها التي تلاشت منذ سنة 1999 ، تاريخ تولي محمد السادس الملك . فالبرجوع الى التاريخ القريب ، سنجد ان جميع الهبّات والانتفاضات التي قام بها الشعب المغربي ، في سنة 1965 و 1981 و 1984 و 1990 و 20 فبراير ..لخ ، كانت وراءها احزاب رغم انها اصلاحية وليس ثورية ، فقد ضَمِنتْ ومكنّت من التفاعل مع نبض الشارع الذي يغلي كطنجرة فوق النار . لذا ما ان ترفع دعوى الاضراب عام ، او لاحتجاج ، او لمسيرة ، حتى يلبي الشعب المغربي طلب الدعوة لتصحيح الوضع المختل او للاحتجاج ، رغم ان تلك الدعوات في اصلها لم تكن ثورية ، بل كانت كمتنفس لاعادة رسم الخريطة ، وبناء شكل ثاني من العلاقات بين النظام وبين الاحزاب التي تقف وراء دعوات الاحتجاجات ( الانتخابات وعدد المقاعد ). الآن وبعد افراغ كل الاحزاب حتى من نفحتها الاصلاحية ، وتحولها الى روافد لدا النظام ، وهي روافد جافة لا ماء يسري فيها ، وبعد ان اصبحت الساحة فارغة من المعارضة القوية ، حتى وجد النظام الذي قتل الاحزاب ، الفرصة سانحة لاعادة ضبط الوضع ، والتحكم في كل المفاصل ، بما يذيب اية معارضة جادة ، وبما يجعل البوليس يتحكمون في الدولة ، ومنها في الشعب . ان هذا التحول الخطير الذي يؤشر للاستبداد والطغيان ، وسيادة الرأي الواحد الاوحد ، رأي الدولة البوليسية ، لا يعني ان هذه الدولة قوية ، بل هو تعبير صادق وحقيقي ، عن موت الاحزاب ، ومنها موت السياسة ، وانتعاش العياشة ، والخرافة ، واساطير الاولين ، والتقاليد المرعية . ان الشيء الناطق بما فيه ، وهو شيء ملموس ومشاهد ، ان اعتماد الدولة البوليسة على القمع والزجر ، وطبخ المحاضر البوليسية المزورة لرمي احرار وشرفاء الشعب في السجون ، هو دليل واعتراف صارخ بضعف الدولة البوليسية التي استفاذت من فراغ الساحة ، وخيانة النخبة التي اشترتها ، وبعد ان قضت منها وثرها ، رمتها خارج اصوار " تْوارْگة " ، تجر الخيبة والانكسار ، والتهميش والإهمال ، بعد شعورها بالمقلب الذي سقطت فيها عن طيب خاطرها . وإذا كانت الدولة البوليسية تبرع في القمع والبطش ، وهي إجراءات فاشلة ، خاصة في الظرف الذي نعيش فيه اليوم ، حيث اصبح التأثير الدولي في القضايا الوطنية يعتمد على مجالات حقوق الانسان ، وهناك مثال الضغوط الخارجية في ملف الصحراء ، فان إجراءات الدولة البوليسية ، أضحت تقزّز الرأي العام الحقوقي الدولي ، اكثر مما تقزّز المشتغلين بمادة " حقوق الانسان " بالمغرب . ولا غرابة حين تكون الاحتجاجات الشعبية ، باسم الدفاع عن الحريات ، والمساواة ، والمطالبة بدولة الحق والقانون ، وبالدولة الديمقراطية التي تربط المسؤولية بالمحاسبة ، وتحارب كل اشكال ومظاهر الفساد ا، لتي أثرت على الوضع الاقتصادي ، والاجتماعي للشعب المغربي ، وبالحق في لقمة العيش ، والسكن ، والتعليم ، والصحة ...لخ . وهنا ، لنسائل عملاء الدولة البوليسية الذين حرروا الخطاب ، الذي قرأه الملك دون انتباهه الى خطورة مضامينه . كيف تُحرروا خطابا كله اوصافا قدحية في حق الشعب المغربي ، والملك اعترف في خطاب سابق ، وعبر أمواج الاثير ، بفشل نموذجه التنموي والسياسي ، ما دامت التنمية سياسة أصلا ؟ فلو كان الملك قد حلل خطاب الزمرة التي كتبته قبل قراءته وفهم مضامينه ، هل كان له ان يقبل القاءه امام الشعب ، والعالم ، وعبر الاثير ، خاصة وانه يناقض خطابه الذي اعترف فيه بفشل نموذجه السياسي والتنموي ، ومنه اعترافه بفشل الدولة البوليسية التي تدمر وتخرب ، ولا تبني وتعمر ؟ فكيف للملك ان يقرأ خطابا يقرع فيه من سبقه في الإعلان عن فشل سياسته التي هي سياسة فؤاد الهمة الذي يدفع به الى المشنقة ، ويدفع بالمغرب الى الانفجار ، ويدفع بالصحراء الى الانفصال ؟ فهل أصبحت الدولة البوليسية ، دولة فؤاد الهمة ؟ امام هذا الوضع الخطير الذي عرّى عن نفسه بنفسه ، يصبح السؤال هو : ما العمل ؟
7 ) سجل أنا عدمي : للمرة الثانية يوظف عملاء الدولة البوليسية ، كلمة العدمية في حق الأكثرية الساحقة من الشعب المغربي التي ترفض الإذلال ، وتتشبث بالمواطنة ، وبكل الحقوق المنصوص عليها في الدستور الممنوح ، وفي القوانين الكونية . إن اول مرة استعمل فيها الملك كلمة العدمية ، كانت بمناسبة القاءه خطابه عند افتتاحه الدورة التشريعية بمجلس النواب في 10 أكتوبر 2014 ، حين وصف كل من لا يقف الى جانب النظام بالعدمي ، ومرددا إمّا معي او ضدي في قضية الصحراء . وللإشارة فإن المقصود بالنعت القدحي هذا ، التنظيمات والأحزاب التي تردد حل الاستفتاء وتقرير المصير في نزاع الصحراء . لكن الغريب في الامر ، ان النظام نفسه ، ومن اعلى منبر بالأمم المتحدة ، الجمعية العامة ، طالب بالاستفتاء وتقرير المصير في 1960 ، و في 1966 ، و في 1967 ، وفي 1968 ، و 1969 ، بل انه وصف الصحراء بالإسبانية ، وليس بالمغربية ، كما انه نفسه ، طالب بالاستفتاء في مؤتمر منظمة الوحدة الافريقية بنيروبي في سنة 1981 / 1982 ، كما قبل بالاستفتاء في اتفاق الاطار الذي اعده الممثل الشخصي للأمم المتحدة في نزاع الصحراء السيد جميس بيكير ، ثم طرحه مقترح الحكم الذاتي في سنة 2007 ، دون استشارة الشعب المغربي، وأخيرا الاعتراف بالجمهورية الصحراوية في سنة 2016 ، عندما اعترف بالقانون الأساسي للاتحاد الافريقي ، الذي يجبر ويفرض على اية دولة جديدة تريد الانضمام الى الاتحاد ، الاعتراف بجميع الدول التي تكونه ، والاعتراف الصريح بالحدود الموروثة عن الاستعمار . فكيف يجيز النظام لنفسه ، ما يمنعه عن غيره من المواطنين الذين وان اخطأوا في القرار المتخذ ، فان موقفهم تفرضه القناعات الأيديولوجية التي يعتنقون ويحملون . المرة الثانية التي استعمل فيها الملك في خطابه كلمة العدمية ، كانت في خطاب العرش الأخير في 29 يونيو 2018 ، حين وصف المعارضة ، وجزء كبير من الشعب المغربي بالعدمية وببائعي الأوهام ...لخ . فإذا كان ممكنا تفهم استعمال كلمة العدمية الوطنية في الخطاب الأول ، عند افتتاحه البرلمان في 10 أكتوبر 2014 ، --- رغم ان النظام بدوره اعترف بالاستفتاء في مناسبات عديدة --- ، بسبب الموضوع الحساس للصحراء ، فان استعمال نفس الكلمة في الخطاب الأخير في حق المعارضة ، وفي حق الجزء الكبير من الشعب المغربي ، جعل الملك يصبح طرفا رئيسيا في صراع ، يدور بين نظامه الذي اعترف صراحة بفشل نموذجه السياسي التنموي ، وبفشل الدولة البوليسية التي ركزت على القمع والاستبداد والطغيان ، وبفشل اصدقاءه الذين بوأهم الدولة ليغتنوا على حسابها بطرق غير مشروعة ، -- واننا لا نزال نحتفظ بكل ما جرى بعمالة إقليم الخميسات ، عندما كان على رأسها العامل قريب ، وكان بجماعة سيدي علال البحراوي القايد حميد طيور ، حيث ثم بيع أراضي الجماعة ، ووزعت الأموال في ( ألسّمسونيطاتْ ) على العديد من الأصدقاء ، وكيف منحهم ادريس البصري ، وبالمجان قطع أرضية بالسويسي فقط لينال رضاهم --- ، وعوض ان يترفع الملك عن الثانوي والصُّغيّر ، ويفرض نفسه كملك للجميع ، انحاز الى صف صديقه فؤاد الهمة ، والى اتباعه من المدعو عبد اللطيف الحموشي المدير العام للبوليس ، ووزير الداخلية المدعو عبدالوافي لفتيت ...لخ . هكذا يكون الملك قد تخندق الى جانب الحفنة الصغيرة ، ضد الشعب ، وضد المعارضة التي تمثل الأكثرية . وهنا فان التلويح بالركوع ، وقبول الاذلال ، وتقبل الفقر ، والجهل المفروض من قبل اقلية الدولة البوليسية ، ليس له من معنى ، غير ربط أي تحول مستقبلي بسلطات القمع ، والضبط ، والزجر للحد من الاحتجاجات ضد الظلم والفساد ، وضد هضم الحقوق ، والاعتداء على الناس والحريات ، بتهمة العدمية ، والسلبية ، وببيع الأوهام . ان المقصود بالعدمية وبالعدمي في تفسير، وفهم الدولة البوليسية التي تفسر كل شيء ، وبما فيه حتى التاريخ بوليسيا ، هو كل من يرفض الدكتاتورية ، الاستبداد ، الطغيان ، والفساد ، الظلم ، ويطالب بالدولة الديمقراطية المدنية ، وبفصل السلط ، وربط المسؤولية بالمحاسبة . ان العدمي في نظر الدولة البوليسية هو الشعب ، هي الجماهير الشعبية ، هي الأكثرية من المواطنين التي تطلب بالحرية والمواطنة ، وترفض ان تكون مجرد رعية . اما المغربي الحر في نظر الزمرة ،والكمشة البوليسية المستبدة السارقة للدولة ، فهو كل من يقبل الانبطاح ، والركوع ، والانحناء ، ويرفض نفاقا المواطنة ، ويتمسك بدلها بوضع الرعية . أي العبد العيّاش . ومن خلال الرجوع الى نص الخطابين ، خطاب 10 أكتوبر 2014 بالبرلمان ، وخطاب 29 يوليوز 2018 بمناسبة عيد عرشه ، سنجد ان الخطابين معا يحملان نبرة بوليسية ، تدور حول التهديد ، وتكشر عن انيابها لتخويف الشعب ، محاولين تركيعه ، واجباره على الخضوع وقبول الفساد بوجه العام ، دون أي حق في الاحتجاج او التظاهر ولو كان سلميا ، لان التهمة الجاهزة اليوم ، مثل تهمة البوليس المعروفة ( إهانة الضابطة القضائية ، إهانة موظف ) هي تهمة العدمية ، وهي تعني التخوين والتكفير ، والخروج عن ( الشعب ) الأقلية القليلة ، باسم ( الامة ) المغيبة . ففي خطاب 10 أكتوبر 2014 المعروف ب " اللهم كثر حسادنا " ، لان كثرة الحساد تعني الخيرات الوفيرة ، و نحن لا نعرف الجهة التي كانت تتوجه لها اعين الحساد . هل كانت تتجه الى خيرات الملك الذي يملك ثروة ضخمة ؟ . ام انها كانت تتجه الى الشعب المغربي الفقير المقهور ، سنجد الملك يقول : " ... ان من واجبات المواطنة ، الالتزام باحترام مؤسسات الدولة ، التي ترجع حمايتها الى السلطات الحكومية ( البوليس والسلطة ) والقضائية المختصة ... " وزاد قائلا " ... لسنا ضد حرية التعبير والنقد البناء ، وانما ضد العدمية ، والتنكر للوطن .... " . اما في خطابه الأخير في 19 يوليوز 2018 ، فقد وصف المعارضة ، والجزء الكبير من الشعب الذي يعارض سلميا ، ويستنكر الفساد المستشري بشكل فضيع ، ويطالب بالدولة الديمقراطية المدنية التي تربط المسؤولية بالمحاسبة ......لخ ، بالعدميين ، وهو وصف يحيلنا الى التخوين والتكفير ، كما انه اعتراف وامام المليء ، بفراغ يد الدولة البوليسية ، وعجزها في التنبؤ بالقادم من الاحداث ، خاصة في قضية نزاع الصحراء ، وفي الوضع الاجتماعي والاقتصادي الأكثر من متدهور . فكان على الملك ، قبل قراءته خطاب عملاء الدولة البوليسية برئاسة صديقه الهمة، ان يتساءل ويسأل نفسه : هل هناك مقعد للدراسة لجميع المغاربة ، في المدن ، القرى ، الجبال ؟ هل بإمكان كل مغربي مريض وعليل ولوج ( المستشفيات ) الاطلال في المدن الكبرى ، وما يسمى بالمستشفيات غير الموجودة بالمدن الصغرى وبالقرى ، والمداشر ، واعالي الجبال ؟ وهل يجهل الملك ، ان العديد من المرضى المصابين بأمراض خطيرة ، يفترشون التراب في الازقة ، ومنهم من يخرج الدود من جسده ؟ وهل يجهل الملك ان العديد من النساء يلدن امام أبواب المستشفيات وفي الازقة ، وان العديد من المرضى ترمي بهم إدارة المستشفيات خارجها بسبب العوز وقلة الشيء ؟ هل يجهل الملك ان الشباب المغربي من حملة الشواهد الجامعية العليا ، وحتى المهندسين والدكاترة ، معطلون لا يجدون شغلا كما ما ينص على ذلك دستوره الممنوح ؟ هل يجهل الملك ان المغاربة لا يتمتعون بنفس الحقوق وبنفس الواجبات ، وان هناك فئة من الدرجة أولى ، وفئة من درجة ثانية ، و فئة من ثالثة ؟ هل يجهل الملك ان المغاربة في العشرية الثانية من الالفية الثالثة ، يسكنون المغامرات والاقبية ( صفرو ) ، ويسكنون مساكن القصدير بالبوادي ، والمداشر والقرى ، وان العديد منهم ، لا مأوى لهم ولا سكن او مسكن ، ينامون في الشوارع والازقة ، ويقتاتون الاكل من حاويات الازبال ؟ هل يجهل الملك ان وزير الداخلية ، عبدالواحد لفتيت ، استغل نعت ( خدام الدولة ) ليستولي على قطعة أرضية بأغلى حي بالرباط ( السويسي ) مساحتها حوالي 3900 متر مربع بثمن 350 درهما للمتر المربع ، في حين ان ثمنها الحقيقي حوالي 6000 درهما للمتر المربع . فكم مليار جنى باسم ( خدام الدولة ) ؟ هل يجهل الملك المحاضر البوليسية المزورة التي تعدها زمرة المدعو عبداللطيف الحموشي ، والمدعو عبدالوافي لفتيت ، ، وقبلهم المدعو الشرقي ضريس وتحت اشراف صديق الملك ومستشاره المدعو فؤاد الهمة ،لإدخال الناس ظلما الى السجون ، وكنت ضحية احداها . ؟ هل يجهل الملك وضع المعتقلين السياسيين ، ومعتقلي الرأي ، ومعتقلي الحركة الطلابية ، ومعتقلي لقمة الخبز بمختلف السجون ، خاصة في فصل الصيف الحار ؟ وهل يجهل الملك الفظاعات ، والاعتداءات التي تتم في السجون على المعتقلين ، من قبل من مكّنهم من البوليس من مصير المغرب والمغاربة ، وكنت ضحية احدها ، وهذه جناية مكتملة الأركان ، وللأسف في مملكة جلالة الملك لا بحث ولا تحقيق ؟ وهل يجهل الملك ، وهل يجهل الملك ، وهل لا يزال يجهل .....لخ فإذا كانت الجماعة البوليسية التي سرقت الدولة ، تعتبر كل من اشهر وندد بالفساد المستشري ، وبالظلم السائد ، وطالب بالمساواة والعدل ، وبالديمقراطية ، وعدم الإفلات من العقاب ، وربط المسؤولية بالمحاسبة ، عدميا . فأنا لا املك إلاّ ان أقول : سجل انا حين يسرق البوليس الدولة ويحوّلها الى دولة بوليسية . يبقى هناك طريق واحد للمعاجلة ( 8 ) حين يسرق البوليس الدولة ويحوّلها الى دولة بوليسية . يبقى هناك طريق واحد للمعاجلة : رأينا في الحلقات السابقة ، كيف سرق البوليس الدولة ، وحولوها الى دولة بوليسية تخرب وتدمر ، ولا تبني وتعمر ، وكيف بدأ عملاء الدولة البوليسية يتغوّلون ضد الشعب المغربي ، باسم حماية السلطان الذي سلمهم مصير المغرب والمغاربة ، واستغلوا الضعف ، للقيام بممارسات مشينة ، أهمها اكل الثوم من فم السلطان ، لرمي احرار وشرفاء الشعب المغربي ، وأبناء المقاومة وجيش التحرير في غياهب السجون ، و حتى يستريحوا من فضح ملفاتهم التي ازكمت رائحتها الانوف . كما رأينا الدور السلبي للدولة البوليسية في معاجلة نزاع الصحراء المهددة بالانفصال . ولنا ان نتساءل : كيف كان الصحراويون في مظاهرات العيون التي كان يقف وراءها فؤاد الهمة لضرب الوزير المقبور ادريس البصري عام 1999 يرددون الصحراء مغربية ، وكيف انقلبوا بعد فضح المؤامرة التي وظفوا لها قضية الصحراء ، واصبحوا يرددون شعارات الانفصال ، حيث توسعت القاعدة العريضة للمطالبين بالاستفتاء وتقرير المصير، على حساب الوحدويين الذي تقلص عددهم الى حجم صغير ، كما رأينا كيف انقلب السحر على الساحر في واقعة إگديم إزيگ ألتي كان وراءها طاقم الدولة البوليسية ، عندما فشل في فضّ التخييم ، بعد ان كانت الخيام تنصب امام رعايته طيلة شهر تقريبا . امام توغل وتغول الدولة البوليسية ، واعتداءاتها على احرار وشرفاء الشعب ، وتفقيرها للجماهير ، وتدميرها للمغرب من خلال تشجيع إشاعة الفساد بمختلف الاشكال ، يصبح سؤال المرحلة الذي سبق للينين ان طرحه ، هو ما العمل ؟ اعتقد ان الظرفية الخطيرة التي يوجد فيها وعليها المغرب ، والمتسبب فيها النظام البوليسي الفاشي الذي يطبخ المحاضر البوليسية المزورة في حق الاحرار والشرفاء ، من فاضحي الفساد ، الى المطالبين بالدولة الديمقراطية التي تربط المسؤولية بالمحاسبة ، لا ولن يكون غير طريق واحد للمعالجة ، لا طريقان او ثلاثة طرق . ومن خلال استحضار كل طرق واشكال النضال ، التي خمرها الشعب المغربي منذ 1956 والى اليوم ، وهي اشكال كانت مختلفة ، بسبب خضوعها للتطورات التي كانت تفرض نفسها في الساحة ، وعلى الفاعلين السياسيين بمختلف مشاربهم السياسية والأيديولوجية ، ومن خلال تِعْداد عدد الانتكاسات الشعبية التي حصلت في تاريخ النضال الجماهيري للشعب المغربي ، فان الظرفية الحالية التي تزاوجت مع ثورة المعلومات من انترنيت ، و فيسبوك ، وتويتر ....لخ ، وبسبب سيادة نظام عالمي واحد اقتصاديا وسياسيا ، والتركيز العالمي على حقوق الانسان والديمقراطية ، وتدخل الهيئات الدولية ، والمحاكم الدولية المختلفة ، خاصة التركيز على القانون الإنساني العالمي لحقوق الانسان ، وعدم الإفلات من العقاب ...لخ ، اصبح النضال اليومي للشعب المغربي اكثر تقدما وجذريا ، عمّا ساد الستينات ، والسبعينات ، والثمانينات ، وحتى النصف الأول من التسعينات ، بحيث اصبح العالم يراقب ممارسات حقوق الانسان ، خاصة في الأنظمة الدكتاتورية ، والاستبدادية ، والطاغية ، وأصبحت أبواب المحكمة الجنائية الدولية ، وابواب المحاكم الأوربية ، وبالولايات المتحدة الامريكية ، مشرعة لتلقي شكايات الشعوب المضطهدة والمعذبة ، ومشرعة للنظر في عمليات تهريب الثروة الى سويسرا ، واللوكسنبورگ ، وبناما ...لخ ، وهو ما يجعل الأنظمة القمعية تأخذ في حساباتها ملا حقتها من قبل القضاء الدولي . ان الوضع الذي يوجد فيه وعليه العالم اليوم ، يجعل من المستحيل تكرار مجازر احدث 23 مارس 1965 ، ومجازر 9 يونيو 1981 ، ويناير 1984 ، ومجازر 1990 ...لخ . لذا فان إمكانيات الشعب للتحرك من اجل الدولة الديمقراطية الحقيقية ، ستجد لها آذانا صاغية من قبل العالم ، من مؤسسات سياسية ، وقضائية ، وتشريعية ، وهو ما يسهل كل إمكانية في الوصول الى بناء ديمقراطية تنبع من الشعب ، وتصب في مصلحة الشعب . ان تمركز الحياة الاقتصادية اليوم في يد البوليس الذين سرقوا الدولة وحولوها الى دولة بوليسية مقيتة وكريهة ، وفي يد الفئات / ( الطبقات ) المساندة لها ، والتي تصفق لها ، وامساكها بالمبادرة السياسية في شقها البوليسي الكريه ، يضعنا امام حالة جديدة ، يجب ان نقر بخصاصها النوعية ، وان نعالجها ونحللها كحالة نوعية . وفي تقديرنا المتواضع ، انه لا بد من رد الاعتبار للشعب البسيط ، الذي اثبت طوال تاريخنا المعاصر ، انه رغم خيانة الأحزاب ، و ( النخبة ) ، والنقابات ، فهو يملك إحساسا سياسيا ، رفيعا ، صحيحا ، وسليما ، وانه يعرف تماما كيف يميز بين القمح والزْوَانْ . فما ينقصه للوصول الى الهدف المنشود ، هو القيادة الوطنية الديمقراطية ، التقدمية الحقيقية ، التي ستنبع منه ، من خلال المعارك المسطرة للوصول الى الدولة الديمقراطية . لكن رد الاعتبار هذا ، لا ولن يتم ، الاّ عبر طريق واحدة ، هي العمل الدؤوب على استرجاع الشعب الى مكانه الطبيعي ، أي ربطه بالقوى السياسية الفاعلة والقادرة ، سواء تلك المناضلة في الساحة ، او القوى الديمقراطية والتقدمية التي ستفرزها الصراعات الشعبية ، أي القوى الذاتية رافدة مشعل التغيير في كل مدينة ، ومدشر ، وقرية ، وجهة ، واقليم . فبالنسبة للقوى الحية في الساحة ، عليها ان تقلع عن ان تكون مجرد تكوينات سياسية ، تعتبر نفسها ارقى من الشعب ، وادنى من الدولة البوليسية ( الاشتراكي الموحد ) ، فتنظر بازدراء الى تحت ، وبخشوع واحترام الى فوق . ان الطريق للوصول الى الفوق يجب ان يمر من تحت ، وكل طريق لا تمر من تحت ، من عند الشعب ، هي طريق الى الدرك الأسفل ، أي يجب نبذ البلانكية ، وانصاف الحلول ، ودعاة المنهجية اللاّديمقراطية ( الديمقراطية ) ، الذين يتنافسون ليحظوا بشرف تطبيق برنامج الملك . فالنضال يجب ان يكون من وسط الشعب ، ومع الشعب ، وان ينطلق من تحت الى فوق . فالنضال يجب ان يبلغ الهرمية ( الاهرام ) ، قاعدة عريضة من الشعب ، يوجهها قادة من هند وفولاذ . كما يجب التوجه الحاسم والجذري ، نحو القضايا المرتبطة ببنية المجتمع من جهة ، وبطابع وعمل الدولة البوليسية من جهة أخرى . ان النوع الأول من القضايا ، يجب ان يركز على التعاطي مع المجتمع ، بوصفه كيان موحد المصالح ، في مواجهة الدولة البوليسية الفاشية ، والتحديات التي تجابهه ، وبوصفه من ثم ، مصالح فئوية . ان هذا لا يعني بالطبع تجاهل المصالح الطبقية الخاصة بكل طبقة ، لكن المصيبة ستكون تامة ، إذا ما توقفنا عند الحدود التي تفصل مصالح الطبقات عن بعضها ، ولم نعرف كيف نبرز ما هو مشترك بينها . وعلى كل حال ، إذا كانت المرحلة الماضية قد شهدت سياسات تقوم على مجابهة المصلحة الشعبية ، بمصالح طبقات وفئات وشرائح " حاكمة " ، فان هذا المرحلة يجب ان تبرز التعارض بين مصلحة غالبية المجتمع ، ومصالح الدولة البوليسية ، والفئات المساندة لها ، والداعية لسياساتها . ان هذا التطور ، يحتمه الدور الجديد الذي اخذت تحتله الدولة البوليسية منذ سنة 1999 ، والذي أعطاها استقلالا ذاتيا نسبيا ، عن مصالح الطبقات المساندة لها ، ووضعها بالتالي على رأس القوى التي تخوض الصراع ضد القوى الشعبية . مع التأكيد على هذه النقطة النابعة من الوضع الحالي ومستجداته . ان نقطة الضعف الأساسية التي تواجهها الدولة البوليسية ، هي علاقاتها المتأزمة مع الشعب ، وتعارض مصالحها بالأساس مع مصالح الجماهير . ان هذا الجانب الأساسي الذي يجعل الدولة البوليسية ضعيفة البنية سياسيا ، ويحولها لتغطية ضعفها البين الواضح ، الى دولة قمع وطغيان ، وصل الى حد طبخ المحاضر البوليسية المزورة في حق احرار وشرفاء الشعب المغربي ، ويسحب من ايديها كل الأوراق السياسية القادرة على اقناع الشعب ، بالركوع ، والخضوع ، وتحميله على قبول الإهانة ، والاذلال الممارس يوميا بشكل فاشي ، يجب ان يكون محل اهتمام خاص ، من قبل قوى التغيير الديمقراطي ، التقدمي ، والوطني ، بمختلف مشاربها الأيديولوجية والعقائدية ، وهنا تحضرنا الجبهة او الكتلة . والحقيقة التي لا بد من إيجاد معالجة جدية لها ، هي ان المجتمع الذي ينغل ويطبخ بدون تأطير من احد ، لن يجد طريقه مرة أخرى الى عالم السياسة ، إذا لم تقدم له هذه القوى ، صعيدا من الوعي والممارسة السياسية ، لإقناعه مرة أخرى بقدرته اللاّمتناهية ، على مجابهة الدولة البوليسية ، وعملاء البوليس الذين سرقوا الدولة ، وسلّطوها لقمع الشعب من جهة ، وللاغتناء الغير المشروع من جهة أخرى . ان أي تحليل لطبيعة القوى السائدة في الساحة ، ولمعالجة التطورات المستحدثة منذ 1999 ، لا بد من ان يقتضي طريق واحد لا طريقان للرد .. 9 ) طريق واحد لا طريقان للرد على تغوّل الدولة القمعية : بعد ثبوت سرقة البوليس للدولة وبوْلستها بطرق غاية في الفاشية ، حيث يوظفونها في الاعتداء على المناضلين بطبخ الملفات البوليسية لرمي الاحرار والشرفاء في غياهب السجون ، حتى يتخلصوا من انتقاداتهم اللاّذعة ، و يستريحوا من فضحهم لملفاتهم النتنة ، وبعد ان تمكنت هذه الدولة من افراغ الأحزاب والنقابات ، وتحويلها الى مجرد صدف فارغة لا تهشُّ ولا تنشُّ ، ولا يزيغ دورها عن الالتفاف على المجتمع ، لقطع الطريق عن اية محاولة جادة ، لطرح السؤال الرئيسي عن الدولة الديمقراطية الحقيقية التي تعتمد القواعد الديمقراطية الكونية في تسييرها للشأن العام ، وبعد ان نجحت هذه الدولة في تمييع دور ( النخبة ) الخائنة التي بعد ان استشعرت بالمقلب الذي نُصب لها ، وبعد ان أصبحت خارج أوراق اللعبة ، لان دورها استنفذ حين وقعت على بياض على ما سمي ب (المشروع الحداثي ) الذي لا علاقة له بالحداثة ولا بالأصالة ، وبدأت تطرق أبواب اسيادها علهم يلتفتوا اليها ، متسائلين " ماذا انْ تكون مغربيا " ومذكراً ب ( ماماه ، وباباه ، وداداه ... ) لإثارة الشفقة ، وبعد تأكيد فشل دولة القمع البوليسية ، عندما اعترف الملك بفشل نموذجه التنموي السياسي ، لان كل تنمية سياسة ، وفي غياب طرح البديل للخروج من النفق بعد الاعتراف بالفشل العام للدولة من قبل رأس النظام ، حيث لا تزال نفس الرداءة ، ونفس الكذب يستحوذ على كيفية تحرير خطب الملك ، حين دعا مؤخرا الى اخراج قانون " اللاّتركيز " او " عدم التركيز " الى الوجود ، في حين ان هذه القوانين خرجت الى الوجود خلال الستينات ، وتجاوزها المغرب بنظام " اللامركزية " خلال النصف الأول من السبعينات .....لخ ، اصبح لزاما على كل تقدمي ، ديمقراطي ، ووطني حقيقي ، ومثقف ملتزم ، ان يطرح سؤال المرحلة الذي هو : ما العمل ؟ . ان طرح السؤال في حذ ذاته ، هو طرح للبديل الديمقراطي الحقيقي الذي لا تزال بلادنا تتعثر في الوصول اليه ، بل لا تزال بعيدة عنه بسنة ضوئية حتى لا نقول انها اقتربت منه . ان نفس المسرحية لا تزال تتردد منذ بداية الستينات والى الآن ، وللأسف فحتى القوى التي رفضت الميوعة ، ورفضت التخندق وراء المسرحيات ، استسلمت للأمر الواقع ، وبدأت جزءا من المسرحية التي تحاك اطوارها لتزيين الواجهة ، لضمان استمرار الحصول على هِبات ومساعدات الدول المانحة ، ولإدامة سياسة الجمود ، والاستبداد ، والطغيان . فما معنى ان تقاطع الانتخابات بدعوى انها تجري ضمن دستور دكتاتوري ممنوح يركز كل السلط بيد شخص ، ويلغي دور البرلمان التمثيلي حين ينص ان الملك هو الممثل الاسمى " للامة " ( الشعب ) وليس البرلمان ، ثم تأتي وتشارك في نفس الاستحقاقات التي تجري ضمن نفس الدستور ، وضمن نفس القيم البالية المحاطة بالتقاليد المرعية ، وليس بالثقافة الديمقراطية ؟. ان الخطورة ، ان هذه الأحزاب لم يكفيها تزكية الوضع عند مشاركتها في الانتخابات لتتبوأ مقاعد برلمانية ، بل انها تتنافس ليكون لها شرف السبق لتطبيق برنامج القصر ، لا برنامجها الذي يختفي بمجرد الإعلان عن نتائج الانتخابات . ان المشاركة في الاستحقاقات ليس لها من معنى ، غير الرغبة في المشاركة في الحكومة التي هي حكومة جلالة الملك لا حكومة الشعب ، وممارسة معارضة حكومة جلالة الملك ، أي ممارسة المعارضة البرلمانية ، لا معارضة النظام الذي يملك البرلمان . ان تزيين اللعبة الديمقراطية ببعض رموز الخيانة والتآمر على نضال الشعب والجماهير الشعبية ، رغم تسترهم وراء قناع ( الاشتراكية ) ، لا ولن يكون من شأنه ان ينجح في اسكات وتهدئة غضب الشعب الكادح ، ولا إطفاء الانتفاضات التي تهب هناك وهناك في طول ارجاء الوطن ، كما لا ولن تنجح في تقديم وصفات وحلول سحرية ، لمشاكل مزمنة لا مخرج منها الاّ بالمراجعة الجذرية الشاملة . والسؤال : الا يعد اعتراف الملك بفشل نموذجه السياسي والتنموي ، إدانة صريحة للدولة البوليسية المدمرة والمخربة ؟ . نعم ، ورغم القمع والبطش الذي تمارسه الدولة البوليسية ، فقد اثبتت الجماهير الشعبية من جديد ، استعدادها للتضحية والعطاء من اجل الحرية والكرامة ، واكيد ستواصل مسيرتها مهما بلغت قوة البطش والإرهاب ، ومهما اخترع النظام البوليسي وحاضنته فرنسا من حلول ظرفية ، فقد بدأت الجماهير الشعبية تمسك الأمور بيدها لتسقط عنها وصايات المندسين في صفوفها ، كخطوة نحو امتلاك المستقبل الذي لن يكون الاّ لها لا لغيرها . وكمثقفين ملتزمين بالشأن العام لبلادنا ، وحيث ان دور المثقف هو الارتباط بالقضية التي تؤرق بال كل مثقف ملتزم ، وتستلهم بال النيّرين المستلهمين بمستقبل المغرب الذي اصبح غارقا في الديون ، ومصابا بالفساد العام الذي افشل الدولة البوليسية ، فإننا سنطرح خارطة طريق تنير السبيل ، وتضيئ المسار ، وترشد الاتجاه الصحيح لبلوغ الدولة الديمقراطية كبديل عن الدولة البوليسية . ان خريطة الطريق هذه ، اعتبرها جوابا شافيا على السؤال الاستراتيجي الملحاح : ما العمل ؟ . فمنذ 1961 ونحن ننتخب ، ومنذ 1961 كم دستور تم منحه للشعب ، وكم برلمان تم تشكيله ، وكم تجربة جماعية عرفها المغرب ؟ والحصيلة اننا لا نزال في سنة 1961 ، رغم مرور سبعة وخمسين سنة عن اول انتخابات واول دستور عرفه المغرب . والى الآن الأوضاع ليست من سيئ الى أسوأ ، بل نكاد نجزم ان نقول بان عقرب الساعة قد توقف عن الدوران ، وهوما يجعل البلاد ، وبسبب قضية الصحراء ، مفتوحة على جميع الأصعدة ، ابرزها الدخول الى المجهول او الطوفان . في خريطة الطريق هذه سنتناول محورين أساسيين : محور المعارضة العاملة خارج المغرب ، ومحور المعارضة العاملة داخل المغرب . ومع العلم انه رغم اختلاف ظروف العمل بين المعارضتين ، فالواجب الوطني يفترض ان تكون كل معارضة مكملة للاخرى ، لا ان تشكل قطيعة ضدها ، ما دام ان الهدف الاستراتيجي الأساسي يبقى هو كيف بناء الدولة الديمقراطية ، دولة الحق والقانون ، على حساب الدولة البوليسية التي تخرب وتدمر ، ولا تبني وتعمر ، ورئيس الدولة بنفسه اعترف بفشلها عندما اعترف بفشل نموذجه السياسي والتنموي . 1 ) المعارضة خارج المغرب : ان المقصود بالمعارضة العاملة خارج المغرب ، هي تلك التي تكونها اليوم الأطر الشابة الحاملة للشهادات العليا ، من تقدميين ، وديمقراطيين ، ووطنيين ، وتطرح على رأس جدول اعمالها بناء دولة الحق والقانون لا دولة الفوضى والغاب ، دولة المؤسسات لا دولة الاسر والعائلات ، دولة ربط المسؤولية بالمحاسبة لا دولة عفا الله عما سلف . ان اكبر واعظم خدمة ستقدمها هذه المعارضة للشعب المغربي ، هو ان تتجنب السب ، والشتم ، والقدف فيما بينها ، لان هذا الأسلوب الدنيء اللاّاخلاقي ، يشكك فيها كل مهتم بخطاباتها ، وبمشروعها العام ، كما انه يعتبر انتصار لوكلاء الدولة البوليسية ، الذين سيتماهون في طاووسيتهم بسبب اعتقادهم بالانتصار عليها . ان الطعن في المناضلين ، والضرب من تحت الحزام ، وتشويه السمعة ، والتشفي ، وممارسة نميمة المقاهي ، لأعمالٌ ، هي مضرة بمستقبل الحركة التقدمية المغربية ، لذا يجب تشجيع اللقاءات الإيجابية ، ويجب الانْصِباب على الاعمال المثمرة ، والمشتركة التي تخدم الديمقراطية ، وتجنُب كل الاعمال المضرة بالعمل الوطني الجاد . في هذا الاطار وبسبب الظروف السائدة في المهجر ، كالحق في المعارضة والتعبير الديمقراطي ، والممارسة السياسية الجادة ، وإشاعة الحريات ، فان اول عمل تقدمي سيكون نبيلاً انْ حصل ، هو الإسراع بخلق جبهة تقدمية ديمقراطية ، او كتلة تاريخية جماهيرية ، من أولوياتها ، من جهة تقوية العمل السياسي الوطني ، ومن جهة التعريف لدى المنظمات الديمقراطية والجماهيرية ، ولدا منظمات حقوق الانسان المختلفة ، ولدا البرلمانات والحكومات الاوربية ، والأمريكية ، بحقيقة الديمقراطية المغربية ، وبأوضاع حقوق الانسان العامة ، وتعرية الوضع الاجتماعي المُزري المفتعل الذي يعيشه الشعب المغربي . كما يجب استغلال الوجود بالمهجر ، للتعريف بالمختطفين ، وبالمعتقلين السياسيين ، ومعتقلي الحركة الطلابية ، ومعتقلي لقمة العيش ، ومعتقلي المطالبة بالكرامة ، والإنسانية ، والعدل ، والمساوات بين المواطنين ، ومعتقلي المطالبة بالدولة الديمقراطية . لكن سيكون اهم انجاز سيبقى موصوما على جبين الحركة التقدمية ، والديمقراطية ، والوطنية ، هو ان تنجح في خلق فضائية معارضة ديمقراطية ، تجعل من أولوياتها الأساسية ، بلورت الوعي السياسي لذا المواطن المغربي العادي ، كما تبين للشعب المغربي حقوقه السياسية ، والاجتماعية ، وترسم دوره في مواجهة مخططات التخريب والتقسيم التي تنتظر وحدة المغرب ارضا وشعبا . ان اقوى سلاح سيمكن المواطن المغربي العادي ، من بلورة حسه السياسي الثوري الديمقراطي ، يبقى الاعلام الذي سيدخل كل بيوت المغاربة ، وسيبقى وحده السلاح الوحيد الأوحد لتسهيل القطع مع الاقطاع ، والاستبداد ، والدكتاتورية ، وتعبيد وتيسير طريق الوصول الى الدولة الديمقراطية . ان على معارضة الخارج الاّ تعتبر نفسها مُسْتعلية وفوق الشعب ، او انها تمارس الوصاية عليه ، كما عليها الاّ تفرض أساليب نضالاتها على المعارضة التقدمية ، والديمقراطية الوطنية العاملة داخل المغرب ، لان ظروف وشروط العمل تختلف . بل عليها ان تكون امتدادا طبيعيا لها ، ومكملة لنواقص الداخل ، على ان تلعب المعارضة الوطنية في الداخل كذلك، تكملة سياسية ، وحقوقية ، واجتماعية لمعارضة الخارج . هكذا سيكون اهم عمل تقوم به معارضة الخارج ، الى جانب معارضة الداخل ، ومع زيادة انتشار الوعي السياسي والحقوقي بين الشعب المغربي ، اعتماد السلمية ، وتجنب العنف الاّ عندما يكون قابلة للتاريخ . ان تمسك المعارضة ، الديمقراطية ، التقدمية ، والوطنية بالنضال الديمقراطي الصحيح ، سيجلب لها تعاطف العالم الحر الديمقراطي معها ، كما سيكون سندا ودرعا لها ، إن تجرأ رموز الدولة البوليسية في ممارسة البطش ، والقمع عليها . ان الوعي ، والنمو الديمقراطي الذي وصله العالم اليوم ، وانتشار استعمال الفضاء الأزرق ، من انترنيت ، و تويتر ، وفيسبوك ....لخ جعل العالم مكشوفا وعاريا ، فتحول الى قرية اكثر من صغيرة ، تجعل من المستحيل تكرار مجازر 23 مارس 1965 ، ومجازر يونيو 1981 ، ومجازر يناير 1984 .....لخ . ان جميع الدول الديمقراطية في العالم اليوم أصبحت تتمسك بالقانون الدولي ، وبالمحاكم الدولية ، للنظر في كل جرائم الأنظمة الاستبدادية ، والقمعية ، والطاغية ضد شعوبها . وهذه ، تبقى المهمة الرئيسية للحركة التقدمية ،والديمقراطية العاملة خارج الوطن ، وبالتنسيق مع الحركة الديمقراطية والتقدمية العاملة داخل الوطن . على انّ أي انتصار لا يمكن تصوره ، ولا يمكن انتظاره ، الاّ إذا كان الصراع يجري ضمن وحدة المغرب ارضا وشعبا . ان تدعيم وحدة التراب الوطني هو المدخل الأساسي للوصول الى الدولة الديمقراطية . وبدون هذه الوحدة ، سنكون بمن يخدم المخططات الامبريالية المدعمة للإقطاع وللدكتاتورية ببلادنا . 10 ) خريطة الطريق لمواجهة تغوُّل ، وبطش ، وقمع الدولة القمعية : في الجزء أعلاه ، حاولنا رسم خريطة طريق للمعارضة الديمقراطية ، التقدمية ، والوطنية العاملة خارج ارض الوطن، لمواجهة ظلم ، وتغوّل ، واعتداءات الدولة البوليسية المتكررة ، والمسترسلة بدون انقطاع ، وقد خلصنا الى ان اهم واعظم خدمة ستسديها معارضة الخارج التي تتحرك ضمن ظروف ومناخات ديمقراطية هي ، من جهة تجنب لغة السب ، والشتم ، والتشنيع ، والضرب من تحت الحزام ، مع غرس الخناجر في ظهر المناضلين ، لأن هكذا عمل وتصرفات ، من شأنها ان تسيء الى أي عمل جماهيري ، والى أي نضال تقدمي ، من خلال تشكيك المهتمين ببرامج ومستقبل هذه المعارضة ، الامر الذي سينمي ظاهرة العزوف السياسي ، الذي سيؤثر على الوضع التنظيمي للمعارضة الوطنية الجادة ، ومن جهة الشروع في بناء جبهة تقدمية ديمقراطية ، او كتلة تاريخية جماهيرية ، تُوحّد العمل الوطني ، وتسقله بلون النضال الديمقراطي ، المعبر عن آمال وتطلعات الشعب المغربي الفقير والمفقر ، ومن جهة اتخاذ الخطوات اللاّزمة لإنشاء قناة فضائية ، وطنية ، ديمقراطية ترشد المغاربة ، وتلهمهم بحقوقهم السياسية والاجتماعية . ان انشاء فضائية ، ديمقراطية ، جماهيرية تتلكم بلسان الشعب ، يبقى عملا يٌسرّع اكثر في بناء دولة الحق والقانون ، ودولة ربط المسؤولية بالمحاسبة ، ويمكن من خلق معادلة الشعب الواعي ، لمواجهة الاستبداد ، وظلم ، واعتداءات الدولة البوليسية . ان اخطر واقوى سلاح كان ولا يزال هو القلم ، والكلمة الحرة ، والإعلام . فغرس ثقافة رفض الخنوع ، والخضوع ، والاستسلام ، من شأنه تعريض قاعدة التقدميين والديمقراطيين ، ومن شأنه تسهيل احتضانهم من قبل الشعب ، كما يبقى وحده الاجراء الوحيد الذي يسهل تقريب بناء الدولة الديمقراطية الحقيقية ، هذا دون ان ننسى التعريف بالمهجر ، بالمظالم المسلطة على المعتقلين السياسيين ، ومعتقلي لقمة العيش ، ومعتقلي الحركة الطلابية بمختلف المواقع الجامعية ، ومعتقلي حركة 20 فبراير ....لخ . 2 ) إذن ماذا عن معارضة الداخل ؟ : المقصود بمعارضة الداخل ، تلك التي لم تتلوث بمسالك الارتزاق المخزني الإنتخباوي ، ولم تشارك ، ولم تساهم في المسخ ( الديمقراطي ) الذي استنفد كل مقومات وجوده ، بعد ان اعترف رأس النظام بفشل نموذجه التنموي – السياسي ، وبعد ان دخلت البلاد النفق المسدود ، المهدد امّا بالطوفان ، وامّا بالدخول الى المجهول الذي سيكون مدعما من قبل العواصم الاوربية الكبرى ، أي إعطاء الضوء الأخضر ، والاشارة الى تغيير النظام بنظام ، داخل استمرارية الدولة ، أي تجنب سقوط الدولة ، دولة العائلة العلوية ، لصالح دولة الشعب الجمهورية ، وكل هاذين السيناريوهين ، يبقيان جادّين في ما لوْ ضيّع النظام الصحراء ، وفشل في الحفاظ عليها . إضافة الى هذا المعارضة النظيفة التي لم تتلوث بمسالك الارتزاق الإنتخابوي ، ولم تحصد الاسفار برفضها المشاركة في لعبة المسخ الديمقراطي ، وعن قناعة واقتناع ، وهي تتوزع بين معارضة إيديولوجية ومعارضة عقائدية ، هناك معارضة احتياطية جاهزة بكل قرية ، ومدشر ، ومدينة ، وبكل إقليم وجهة ، وهي تتكون من الشباب الحاصل على الشواهد الجامعية ، والتي تفعل فيه البطالة فعلتها اللعينة ، بفعل فشل النموذج السياسي – التنموي ، وبفعل تفشي الفساد بكل تجلياته ، ومظاهره المختلفة ، وبفعل تسليم الدولة ، ومصير المغرب والمغاربة ، الى حفنة من الفاسدين ، تتقن أسلوب الاعتداء وظلم الناس ، وتساهم وبادراك ، في جريمة تدمير وتخريب المغرب ، والدفع به الى المجهول ، او الى الطوفان . انه وامام تململ الاحتجاجات المختلفة ، وامام التطورات التي تفرض نفسها على الصراع ، فان بوادر تشكيل هذه المعارضة المستقبلية ، التي تُكوّن اليوم دراع الدفاع الذاتي داخل مناطق تواجدها ، ستلعب دورا أساسيا في الضغط لبناء الدولة الديمقراطية ، دولة المؤسسات والقانون ، وربط المسؤولية بالمحاسبة . ان كل التطورات الحالية واللاّحقة تؤكد بالملموس ، قوة الشعب والجماهير ، وتثبت قدراتها اللاّمتناهية في التحصين ، وفي الدفاع عن حقوقها المشروعة ، المعترف بها كونيا من قبل الأمم المتحدة ، والقوانين الدولية . ان العالم اليوم ، وبفضل قنوات التواصل الاجتماعي ( انترنيت ، تويتر ، فيسبوك .....لخ ) ، اضحى مراقبا من قبل الأمم المتحدة ومجلس الامن ، ومن قبل المحكمة الجنائية الدولية ، ومحكمة العدل الدولية ، ومحكمة العدل الاوربية ، ومن قبل المؤسسات القضائية الاوربية ، والحكومات والبرلمانات ، التي أضحت تركز اليوم على القانون الدولي الإنساني ، الذي يعطي للمحاكم الاوربية المعنية ، البث في كل الجرائم المرتبكة ضد الشعوب ، من قبل الأنظمة الدكتاتورية ، والاستبدادية ، والطاغية . فالملاحقة القضائية الدولية للجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ، وجرائم تهريب الأموال الى الخارج ، تجعل الأنظمة تعيش دائما في دوامة الخوف ، خاصة وان هناك امثلة كثيرة للقضاء الإنساني الكوني ، بتجريد ناهبي ومهربي أموال الشعب ، وارجاعها الى اوطانها . ان نقطة الضعف الأساسية التي تواجهها الدولة البوليسية التي تخرب وتدمر ، ولا تبني وتعمر ، هي علاقتها مع الشعب الذي تذله وتحتقره ، بترويضه على الخنوع ، والخضوع ، والتسول ، كما ان ضعفها يتجلى في تعارض مصالحها الضيقة السادية ، مع مصالح الجماهير ، والاغلبية الساحقة من الشعب . ان هذا الجانب الأساسي الذي يجعل الدولة البوليسية المعتدية والفاشلة ، ضعيفة البنية سياسيا ، ويحولها الى ممارسة القمع ، والبطش بالناس ، والاعتداء عليهم لإسكاتهم وتركعهم ، سيسحب مستقبلا من ايديها الأوراق السياسية القادرة على اقناع الشعب بالخضوع والاستسلام . فكلما اشتد الخناق سيحصل التراكم ، وستزداد دائرة المقاومة ورفض الانبطاح . كما ان ما يزكي هذا التحليل ، ان النظام الذي تحول الى دولة بوليسية منذ سنة 2003 ، وانقلب على كل الشعارات التي تم التسويق لها منذ 1999 ، قد انكشفت حقيقته امام الاوربيين والامريكان ، وحتى الأنظمة العربية التي كان يتاجر بصداقتها ، لتقوية وجوده الداخلي ، بدعوى التضامن ( العربي ) ، وبدعوى الدفاع عن ( القدس ) . ان مكانة النظام قد تراجعت كثيرا ، خاصة بعد افول المعسكر الاشتراكي ، وسيادة سياسة القطب الوحيد في العلاقات الدولية . ان الموقف الأوربي ، والافريقي ، والامريكي ، والروسي ، والكوري الجنوبي ، وكندا ، وأستراليا ، واليابان ، وحتى الموقف العربي من نزاع الصحراء ، واضح للعيان ، بل حتى قطر التي راهن عليها النظام " كُلّنا تميم .. " حين تسوق لخريطة المغرب ، فهي أضحت تعرض خريطته ، مقسومة بخط يفصل بينه وبين الصحراء ( قناة الجزيرة ) . فما معنى حين يرفض مرات عديدة الرئيس الأمريكي استقبالك ، وماذا حين لا يعترف لك الاوربيون بمغربية الصحراء ، وهم يدركون ان ضياع الصحراء هي نهاية النظام ، إن لم يكن نهاية الدولة ، ومع ذلك يتشبثون بالاستفتاء وتقرير المصير . وماذا حين تتخلى عنك السعودية ، والامارات ، والكويت ، ولبنان ، ومصر ، والأردن ، والعراق.....لخ . فهل هناك من عزلة دولية للدولة البوليسية ،اكثر من هذه العزلة الفاقعة للاعين ؟ ان خريطة الطريق التي عالجنا للمعارضة العاملة خارج المغرب ، ليست هي نفسها للمعارضة العاملة داخل المغرب ، فلكل معارضة خصوصياتها المرتبطة بظروفها . لكن لا يجب ان تٌحجب عنّا تلك الخصوصية ، ان تكون كل معارضة مكملة للأخرى ، ما دام ان الجميع ينشد بناء الدولة الديمقراطية ، بدل الدولة البوليسية التي سرقت الدولة وبوْلستها على طريقتها ، وأصبحت توظفها في الاعتداء على الناس ، بتزوير المحاضر البوليسية لإرسالهم الى السجن ظلما ، وقد كنت احد ضحايا إحدى المحاضر المزورة التي وقف وراءها كل من : -- مستشار الملك وصديقه المسؤول عن البوليس وعن وزارة الداخلية ، فؤاد الهمة . -- الوزير المنتدب في وزارة الداخلية السابق ، وكان بمثابة مستشار صديق الملك ، الشرقي ضريس . -- المدير العام للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ، والمديرية العامة للأمن الوطني ، عبداللطيف الحموشي . -- وزير الداخلية الذي لا يزال مع عبداللطيف الحموشي ، وبتعليمات مستشار وصديق الملك فؤاد الهمة ، يعتدون عليّ الى الآن ، بل انهم تسببوا لي في امراض مزمنة خرجت بها من السجن . وبالرجوع الى خريطة الطريق المتعلقة بالمعارضة الداخلية ، فانه لا بد لها ، إن هي ارادت النجاح فيما فشل فيه من سبقها ، ان نقوم بما يلي : 1 ) لا بد من دراسة التجارب السياسية والاجتماعية العالمية الشبيهة لتجربتنا ، وبصورة خاصة ، تجربة فريدة وهامة ، هي التجربة الإيرانية . أي الابتعاد عن الاقصاء ، والتحضير لنظام الجبهة التقدمية الديمقراطية الوطنية ، او لنظام الكتلة الجماهيرية التاريخية . 2 ) مواكبة ومتابعة كل النضالات اليومية ، التي تقوم بها الجماهير الشعبية في كل مدينة ، قرية ، مدشر ، عمالة ، إقليم ، وجهة ، وتحويلها الى نضال عام موحد ، له بعد اجتماعي كامل ، ذو طابع سياسي واعٍ ومنظم . 3 ) الارتقاء بالأحزاب التي لم تتلوث بمسالك الارتزاق المخزني الانتخابوي ، ولم تساهم في مسرحية المسخ الديمقراطي ، الى وضع آخر يجعلها أداة رئيسية ، واطارا نضاليا سليما . 4 ) تقديم برنامج عمل ، جوهره وقف التردي الذي دفعت الدولة البوليسية الشعب والوطن اليه دفعا ، والانطلاق في وحدة أولى من نضالات صغيرة ومتفرقة ، يجب معرفة كيف يتم صبُّها ونصبها فيما بعد ، في تيار نضالي عريض وجارف . ان هذا البرنامج يجب ان يشخص الوضع القائم تشخيصا صحيحا وصريحا ، وان يتصور احتمالات التطور الممكن ، وان يحسب لكل منها حسابه العلمي المُقْنع . كما يجب ان يقدم عالما سياسيا متعارضا مع العالم الذي تقدمه الدولة البوليسية السادية ، وان يكون مثَله عالما شاملا ومنظما ، فنقلع بذلك عن سياسة ردود الأفعال ، او سياسة الإحاطة الجزئية بهذه القضايا الجزئية او تلك ، وننتقل الى وضع تصورنا الشامل امام الشعب ، في مواجهة تصور الدولة البوليسية لسائر القضايا ، بدءا من القضايا الاجتماعية ، والسياسية ، والمطلبية الصغيرة ، وحتى مسألة النظام البديل ، والاطوار الانتقالية التي يحتمل ان يمر بها وطننا الغالي في الحالة الراهنة ، الى الوضع البديل ، على ان يتم تحديد طابع ودور كل قوة اجتماعية ، في سيرورة نضالية كهذه ، ولكي تعرف مصالحها بكل دقة متناهية وبكل وضوح ، كما يجب ان تقال للشعب الحقيقة حول ما قد يجابه النضال الوحدوي ، ولو في شكله الأدنى من صعوبات ومتاعب ، لان الطريق لا ولن يكون مفروشا بالورود ، بل سيكون محفوفا بالمخاطر والتضحيات . 5 ) التركيز فيما يخص المجتمع ، على قضاياه الأساسية ، والتركيز فيما يخص الدولة ، على مسألة الديمقراطية ، على ان نفهمها كشيء يتجاوز التمثيل ، والانتخابات ، واللعب ، والتزوير الذي تمارسه الدولة البوليسية . ان قضايا المجتمع بالدرجة الأولى ، قضايا افقار الجماهير العريضة ، ونهمها ، ونهبها المنظم ، وتشتيتها وتضييعها ، والتخريب ، وضرب الاشكال النضالية التي تتيح للعمال حرية نسبية من الحركة ، وحتى المطلبية ، وقضايا التبعية المتعاظمة الى الخارج ، وارتهان ثروات الوطن لدا الشركات والقوى الخارجية التي تنهب مستقبل بلادنا ، وقضايا التعليم ، والصحة ، والسكن ، والشغل ، والطعام ، وارتفاع الأسعار المقصود ، وقضايا الحرية الشخصية والجماعية ، والمساواة امام القانون ...لخ هي قضايا أساسية ملحة من شأنها ان توحد نضالات القوى الداخلية في اطار الجبهة او الكتلة . فبدون القوة ، ستبقى التنظيمات ( كُلْها يلْغي بلْغاهْ ) ، وعوض خدمة الشعب والجماهير ، سيتم خدمة الدولة البوليسية التي تخرب وتدمر ، أي زيادة تخريب في تخريب ، وتدمير في تدمير . ان استرداد الشعب لذاته سياسا ليست مسألة إرادة ، وانما هي سيرورة موضوعية أيضا ، يجب ان نعرف مفاتيحها ، وأقنيتها ( قنوات ) ، او شعاراتها . ان هذا الضعف البنيوي للدولة البوليسية ، الذي يتجلى في خروج الشعب عن عالمها السياسوي ، والانتخابوي ، ورفض البرلمانية ، للن يكون قاتلا لها ، إذا لم يسترجع الشعب ثقته بالسياسة ، وإذا لم يحصل نجاح ادخال الشعب في عالمنا السياسي . ان هذا الدخول مشروط بجملة اعتبارات ، في مقدمتها تقديم برنامج شامل ، ومقنع ، يتأقلم على حالة العداء الشعبي للدولة البوليسية ، وللفئات المستفيدة منها ، والمُطبّلة لها ، ولو نفاقا . ويأخذ بالاعتبار الوضع الجديد ، خاصة بعد هبّة حركة 20 فبراير ، الذي تجابه به الأغلبية الشعبية المضطهدة ، الدولة البوليسية كممثلة لمصالح اقلية منظمة ، في حين لا تزال الأغلبية مشتتة وعفوية ، كما ظهر في العديد من خرجاتها . ان خطورة هذا الوضع ( التشتيت والعفوية ) ، والاستمرار في خروج ، بل غياب الشعب عن السياسة ، انه يهدد بتحوله ، أي الشعب الى العوبة في يد قوى مغامرة من كل الأصناف والاتجاهات ، كما قد يدفع به الى نشاطات ربما الحقت الضرر بروحه الكفاحية النضالية المتجددة
11 ) تتمة الحلقة العاشرة حول رفض الشعب لتغوّل واستبداد الدولة القمعية : رأينا في الجزء العاشر ، كيف سرق البوليس الدولة ابتداء من منتصف 2003 ، وكيف بوْلسوها ، لتنقلب على كل الشعارات التي تم الترويج لها منذ 1999 ، ك ( المفهوم الجديد للسلطة ) ، و( ملك الفقراء ) ، و كيف وصل الامر ان يتساءل الملك عن مكان اختفاء الثروة ، ويعترف بفشل نموذجه السياسي – التنموي ، دون ان يطرح البديل لانقاد ما يمكن إنقاذه ، هذا إذا افترضنا جدلا ان النية كانت صالحة للإصلاح وللتقويم ، وللمصالحة الحقيقية بسبب تجبر العهد السابق . الآن نستطيع الجزم ، ان كانت الإرادة صادقة عند مروجي كذبة " العهد الجديد " ، انْ نقول ، ان ما حصل منذ 2003 ، كان انقلابا بكل المقاييس ، نحو ترسيخ قبضة الدولة البوليسية ، التي جعلت من الشعب عند الملك ، بمثابة فوبيا لا يؤتمن جانبها ، وان من يحمي النظام وليس الدولة البوليسية ، هم الإنقلابيون الذين حسموا الصراع بما مكّنهم من الاستئثار بالدولة ، وليس فقط الاستئثار بالنظام . وقد تجلى هذا الوضع الجديد / القديم ، عندما بدأ منظرو البوليس يشرفون على تحرير الخطابات الملكية ، التي كلها تهديد وتقريع ، في حق المخالفين العدميين ، والسلبيين ، وبائعي الأوهام الرافضين لاستبدادهم ، ومختلف اشكال قمعهم . والخطورة ان هذه المكائد التي أضحت مفضوحة ، لم يسلم منها اشخاص مقربين من الملك ، كرشدي الشرايبي مدير الديوان الملكي السابق ، وحسن أوريد الناطق الرسمي باسم القصر سابقا ، وواليا على ولاية مكناس يخضع للوزير المنتدب في الداخلية آنذاك فؤاد الهمة كرئيسه ، بدل خضوعه للملك صديق دراسته . وهنا لا ننسى كيف تم ابعاد الجنرال حميدو لعنيگري ، وابعاد احمد حراري كمدير عام للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ، وكيف تم تجميد الوالي السابق بمديرية مراقبة التراب الوطني نور الدين بن إبراهيم ، عندما تم تعيينه عاملا مديرا لمديرية الشؤون الداخلية بوزارة الداخلية ، قبل ان يعيده الشرقي ضريس كمستشاره في الاعمال القدرة والخسيسة التي تتم من تحت الطاولة ، وكيف تم ابعاد الوالي محيي الدين امزازي ، وابعاد الجنرال الحرشي عن الإدارة العامة للدراسات والمستندات ، وكيف تم تطويع الطريق لفؤاد الهمة في قطاع الدرك بعد ابعاد ، او إحالة الجنرال حسني بنسليمان على التقاعد ، ولماذا تم ابعاد المدير العام للأمن الوطني السابق بوشعيب ارميل ، وابعاد جعادي كمدير لمديرية الامن الملكي ، وكيف تم تعيين عبداللطيف الحموشي على رأسيهما . إذن نحن امام دولة بوليسية بامتياز ، والسؤال الذي ينبغي لكل ديمقراطي تقدمي طرحه لمواجهة القمع ، والتغول ، والتسلط ، والاستبداد ، هو في ابتكار اشكال نضالية ، من جهة لمواجهة التغول والتسلط والاعتداء ، ومن جهة التفكير في طرق تجاوز الدولة البوليسية لصالح دولة ديمقراطية تربط المسؤولية بالمحاسبة ، وتجعل الشعب هو المصدر الأساسي للسلطة ، من خلال الاستفتاءات ، والانتخابات ، وكل اشكال الاقتراع ، بعد التأسيس للدستور الديمقراطي عوض الدستور الممنوح . أخذا بعين الاعتبار التمييع الذي سُلط على الوضع السياسي لبلادنا ، حيث أضحت الساحة فارغة من القوى السياسية ، التي تؤثر وتَكُونُ قادرة على تحريك المجتمع ، فان الانهيار السياسي الذي نسميه بموت السياسة ، يطرح على الديمقراطيين لطرح البديل ، جملة من التحديات الأساسية منها : 1 ) استمرار مهمة التحرير على الصعيدين القومي والوطني . أي ربط النضالات ، بنضالات شعوب المنطقة : لكن في الظروف الجديدة الصعبة التي وحدت قوى الردة والرجعية قوميا ووطنيا ، فان الاستمرار يعني اول ما يعنيه ، ضرورة التمسك بالأهداف العامة ، وترجمتها في الخط السياسي المنظم ، ترجمة جديدة ، فيها حد اعلى من الثبات المبدئي ، وحد اعلى من الاستقرار التاكتيكي المرتبط بالمرونة ، ولكن الأرضية العامة لهذا التاكتيك ، كان يجب ان تتغير بهدف الحفاظ على المواقع الذاتية من جهة ، وامتصاص التراجع العام على الصعيد الشعبي من جهة أخرى ، بحيث يستقطب الوضع الذاتي ، التراجع الموضوعي ، ويقدم له آفاقاً وإمكانات نضالية جديدة ، ومتقدمة اكثر . 2 ) التأقلم مع حالة التراجع . وهذا التأقلم قد يأخذ تبنٍّ للخط المطروح ( خط الدولة أساسا ) ومعارضة من داخله ، حتى يأخذ شكل الانهيار والتقهقر امامه . وقد اخذ التأقلم في هذه الابعاد الثلاثة ، واحدث وضعا مأساويا في الحركة الوطنية والقومية . فلا بد من القول ان المهمة الأساسية ، مهمة تجاوز التدهور عن يساره ، وبواسطة تجديد الصلات مع الشعب لم تنجز . فالذي أُنجز ، كان الابتعاد عن هذا الخط ، وبالتالي التأقلم مع نزوع يميني ورجعي متصاعد ، والتراجع عن مواقع يسارية وتقدمية سابقة ، فتقطعت الصلات التي كانت مع الشعب ، وتم احلال صلات خفية ، او علنية مع الدولة البوليسية ، وسياستها محلها . ان حصاد سياسة كهذه ، كان الصورة التي رسمناها ، سواء للدولة ، ام للقوى السياسية . وسيستمر هذا الحصاد المسموم ما لم نفتح اعيننا على التجارب السابقة ، الوطنية المحلية ، والمحيطية . والحقيقة ان الوقت قد حان ، مع علامات تفسخ الدولة البادية للعيان وفي كل مكان ، ومع التحديات التي تجابه كل وعي وطني ، وقومي للعودة عن السياسة الراهنة ، ولوضع سياسة أخرى بديلة لها . لكن ذلك يقتضي تجديد ذاتنا ودورنا ، والنظر في قضية نراها شديدة الأهمية ، الا وهي قضية النمط التنظيمي الذي يجب ان تتخذه الأحزاب التقدمية ، الديمقراطية ، الجماهيرية ، والثورية في المرحلة اللاحقة ، بعد ان اثبت النمط السابق عجزه ، في طور النهوض عن احداث التغيير ، وعجزه في طور التدهور عن إيقافه . يجب ان نسأل انفسنا : هل الاحزاب الذي اقمناه هي بشكلها التاريخي المعروف ، أداة فعالة لقيادة النهوض بعد وضع مستلزماته ، ام ان العيوب اللصيقة بنمط هذا الاحزاب ، ستكون في المرحلة المقبلة عقبة بدورها امام الأحزاب ، والشعب في آن واحد ؟ . وهنا فاني أوجه الخطاب للأحزاب التي استأثرت بالمجال السياسي الوطني ، طيلة الستينات ، والسبعينات من القرن الماضي . كما يجب ان نطرح على انفسنا السؤال التالي : هل تكفي النماذج النظرية المنقولة عن مجتمعات أخرى ،هذا البديل المطلوب ، بعد ان عجزت في الطور السابق والحالي عن منع التدهور الحاصل ؟ . ان عملنا يجب ان يكون شاملا في هاتين النقطتين ، وان ينطلق من نقد ذاتنا قبل كل شيء ، لأن الأداة النضالية ، هي عنصر من عناصر النجاح ، او عامل من عوامل الفشل . فلا يمكن تحقيق نضال ناجح بأداة فاشلة ، كما يصعب للأداة المناسبة ، ان تكون بحد ذاتها سببا في الفشل . والمراجعة للظرف الموضوعي ، لا يجوز ان نتوقف امام الشرط الذاتي ، بل يجب ان نبدأ به ، سيما وان الحركة الشعبية اخذت تتجاوز القوى القائمة ، او تحدث خارجها . وإذا كان للمراجعة من هدف ، فإنما هو التالي : -- نقد تجربة الماضي . -- نقد سياسة التأقلم . -- وضع خطة سياسية شاملة ، تبدأ بالتجارب المنقودة ( نقد ) ، ولا تنتهي عند حد رسم خارطة للاحتمالات ، وإمكانات العمل في شروط لا نسيطر نحن اواحدنا عليها . الجبهة او الكتلة . -- ) احتلال رؤوس جسور شعبية ، نحولها الى ميدان معركة لاحقا ، ولكن ضمن خطة سياسية شاملة بالأساس ، تنمو تكتيكاتها وشعاراتها ، مع توسع رؤوس الجسور ، وتحولها الى ارض معركة . ونحن نعي تمام الوعي بان عملا بهذا الشمول لا يمكن ان يكون من صنع فرد او حزب لوحده ، بل هو من صنع كل القوى الراغبة فيه ، والمدركة لضرورته ، ومن صنع النضالات الشعبية ، ولهذا فانه عمل يتسم بأكبر قدر ممكن من الثورية ، والروح الديمقراطية ، والانفتاح على الآخرين وعلى الجماهير . ان العمل العصبوي قد ينقد حزبا ، لكن ما ينقد الوطن ، هو العمل الشعبي الذي تقوم به الجماهير ، بقيادة قواها الطليعية المنظمة في اطار جبهة او كتلة . كما يجب ان لا نكون دوغماتكيين طوباويين ، ولا ان نكون طاووسيين ، بل يجب ان نقر بوجود تفاوت في علاقات القطاعات الشعبية المختلفة ، بالسياسة الراهنة ووضعها . ونرى ان اكثر القطاعات تذمرا من الحالة السائدة ، هي قطاعات الطلاب ، والمحامين ، والمعلمين ، والأساتذة ، وأساتذة الجامعات والمدراس العليا ، والمهندسين والأطباء ، واساسا العمال ، والموظفين الصغار والمتوسطين ، والمستخدمين ، ثم قطاعات من الشرائح العليا المتضررة بالانفتاح على الخارج ، وبالنهب غير المحدود في الدخل .اما الفلاحون ، فان وضعهم يتطور بسرعة ، لكنهم ليسوا قطاعا اجتماعيا متحركا بعد . ان هذا الواقع يجب ان يؤخذ بعين الاعتبار، في رسم خطط السياسة العملية التي تساعدنا على الخروج في مرحلة أولى من وضع الاختناق السياسي الحالي ، أي ان باب النشاطات الديمقراطية والمطلبية ، يجب ان يفتح على مصراعيه ، سيما وان قواه على قدر لا بأس به من الجاهزية السياسية ، والنضالية ، والتنظيمية . واجمالا ، نريد ان نلفت النظر من هذا التحليل ، الى ضرورة وضع خطة نضالية متدرجة ، تأخذ الحالة القائمة بعين الاعتبار . كذلك على قوى التغيير المناضلة ،ان تدرك ، ان الامبريالية ككل ، تدعم التطورات التي حصلت على صعيد الدولة منذ بداية التسعينات بالاخص ، وان تناقضاتها محكومة باستمرار هذا النوع من الدولة . فان فكرت بتغييره ، فإنما تفعل ذلك لأجل نمط آخر، يخلو من ثغراته وعيوبه ونقاط ضعفه .ان اللعب بتناقضات الامبريالية لا يجوز لهذا السبب ان يكون بالنسبة لنا ، بابا لتضييع الهدف ، وتمييع حدود الصراع . ان الامبريالية ، باتجاهاتها ومصالحها المتضاربة ، لن تقف مع نضال شعبي ضد نظام دولة كهذا . والوهم الذي قد يراودنا حول صراعات الامبريالية قد يكون قاتلا ، إذا لم نربطه بنهوض الحركة الشعبية . فهذا النهوض وحده كفيل بتحويل هذه التناقضات الى عنصر من عناصر التغيير . اما في الوضع الحالي ، فان الامبريالية واجنحتها قد تتصارع ، ولكن ضمن اطار مضبوط ومقنن ، هدفه خنق الحركة الشعبية، وليس فتح الباب لنموها . ان وطننا ومغربنا يغلي ، وفي يدنا ان نقصر آلام الشعب او تطول . 12 ) خطر الدولة البوليسية اخطر من خطر الدولة الدكتاتورية : إذا كانت الدولة الدكتاتورية تتسم بسيطرة الجيش عليها ، فان الدولة البوليسية تتسم بسيطرة البوليس عليها كذلك . لكن الفرق ان الدولة الدكتاتورية غير مضمونة الاستمرارية ، لأنها دائما تكون مهددة بالانقلابات العسكرية ، او بالثورات الشعبية ، وهذا ما حصل في أمريكا اللاتينية ، وبالعالم العربي كالسودان التي تعرض لعدة انقلابات . اما الدولة البوليسية المخفية ، فهي عادة ما توجه السير العادي للدولة البوليسية ، باستعمال الأدوات ( الديمقراطية ) ، كالبرلمان ، والجماعات المحلية ، وجمعيات المجتمع المدني ، كما تتحكم في الأحزاب والنقابات ، بما يُثمّن ويرسخ المناهج البوليسية ، المسيطرة ، والمتحكمة في المجتمع والدولة ، التي تكون قد سرقتها وبوْلستها ، بما يجعل المجتمع في خدمة البوليس ، وليس البوليس في خدمة المجتمع . وكما ان الدول الدكتاتورية تسقط بالانقلابات العسكرية ، فان الدولة البوليسية تبقى عصية عن السقوط كدولة ، بالانتفاضات الشعبية ، كما حصل في مصر وتونس إبّان ( الربيع العربي ) . إن الذي ( سقط ) هو رئيس الدولة ، وبعض معاونيه ، وليس النظام الذي انتج الرئيس ، والبارع في إيجاد رئيس جديد يجسد استمرارية الرئيس المعزول . وهنا يسألنا سر بقاء الدولة البوليسية المتحكمة في الوضع السياسي باوربة ، وعدم تعرضها للضغوطات الشعبية التي أطاحت في البلاد العربية ، برأس النظام ، دون النظام الذي انتج الرئيس . ان سر استمرار الدولة البوليسية الاوربية ، انها تخضع للطبقة البرجوازية الفارضة لدكتاتوريتها ، مع الحرص على استعمالها لشعارات البرجوازية المتوسطة ، وما فوق المتوسطة ، إضافة الى ترويجها حتى لشعارات العمال والفلاحين ، وهي الشعارات التي تختفي ، بمجرد الإعلان عن نتائج الانتخابات ، حيث يصبح اول ضحية لممارسات دكتاتورية البرجوازية الاوربية ، هي الطبقات التي شاركت في العمليات الانتخابية ، الهادفة للحفاظ على بقاء واستمرار الوضع البوليسي للدولة البوليسية الاوربية . وهذا هو سر الاختلاف ، بين الدولة البوليسية الاوربية التي تعتمد الآليات الديمقراطية باسم الديمقراطية التي هي ديمقراطية الطبقة البرجوازية ، والدولة البوليسية العربية الخاضعة لدكتاتورية الحزب الوحيد حيث تطغى شخصية الرئيس كفرد ، على حساب باقي الطبقات التي تندمج في نظام بوليسي قهرا . من خلال هذه المقدمة ، فان ما يوجد بالمغرب اليوم ، هو الدولة البوليسية ، بعدما كان الجيش والدرك ، هما من يتحكم في تحديد طبيعة ووظيفة الدولة ، أيام الجنرال محمد افقير ، الجنرال المدبوح ، الجنرال احمد الدليمي ...لخ إذن السؤال الذي سنطرح لتوضيح نوع النظام السياسي السائد اليوم بالمغرب ، هو ، ما هو التكتيك السياسي الذي مارسه النظام تحت تغطية ما يسمى ب ( مسلسل التحرير والديمقراطية ) ، و ( العهد الجديد ) و ( المفهوم الجديد للسلطة ) ، ليصل الى بسط اليد على كل الدولة ، وليس فقط على النظام ؟ للإجابة عن هذا السؤال التساؤل ، يستلزم منا بالضرورة ، استحضار الاستراتيجية الدائمة ، المطابقة لطبيعة النظام كنظام مطلق عصي عن الإصلاح ، بل هو ضده ، ويجسد استمرار النظام كنظام بتريمونيالي ، اوليغارشي ، وكمبرادوري ، وبتريركي ، ساد في المغرب طوال قرون عدة ، ويمثل مصالح الطبقة الاقطاعية – الرأسمالية ، التي نمت وترعرعت في ظل التبعية والعمالة للإمبريالية . فمنذ ان تمكنت هذه الطبقة من التحكم المطلق في مقاليد الحكم ، في السنوات الأولى من استقلال ( ايكس ليبان ) ، وضعت لنفسها استراتيجية دائمة ، يشكل عمودها الفقري : الاستغلال الفاحش للجماهير الشعبية ، مقابل اغتناءها ، هي ، المتزايد من خلال خدمة المصالح الأجنبية . ولقد ارتكزت هذه الاستراتيجية على محاور مستمدة من الأيديولوجية الاقطاعية ، والتي يمكن تلخيصها كالتالي : 1 ) الاستيلاء الكامل على السلط المكونة للحكم ، من تشريعية ، وتنفيذية ، وقضائية من طرف الملكية ، المعبر السياسي عن مصالح الطبقة السائدة ، وعدم السماح باي تنازل في هذا المجال . 2 ) اعتبار الملك الممثل الاسمى ( للامة ) ورمزها ، عوض الشعب ، لأن الهدف من الإيحاء باستعمال مصطلح ( الامة ) ، هو الانتماء الديني الذي يعكسه الدستور غير المكتوب ، بتمكين رئيس الدولة ليس كملك ، بل كأمير ، وإمام ، بسلطات استثنائية ، تطفو على السلطات والاختصاصات المنصوص عليها في الدستور الممنوح . 3 ) وكتحصيل حاصل للفقرتين الاولى والثانية أعلاه ، تسود النظرة التحقيرية ، والاحتقارية للشعب ، واعتبار جماهيره مجرد رعايا ، لا رأي لهم ، ولا دور في تسيير امورهم ، بل هم مجرد مادة للاستغلال ، وجب تنويمها ، وتخديرها ، وقمعها بشكل عنيف ، كلما عبرت عن سخطها ، او حاولت المعارضة الحقيقية ، الوقوف امام الطغيان والاستبداد . 4 ) عدم الاعتراف بالتنظيمات ، والأحزاب السياسية والاجتماعية ، كمؤسسات ذات تمثيلية ، بل واعتبار العلاقة مباشرة مع الشعب على حد تعبير النظام . أي دون المرور عن طريق الأحزاب . 5 ) ان هذه الاختيارات على الصعيد الداخلي ، تندرج في اطار الخدمة اللاّمشروطة لمصالح الامبريالية ، الحليف المصيري ، الذي دأب النظام على تنفيد كل رغباته ، سواء بالنسبة لاستنزاف خيرات البلاد وطاقاتها الاقتصادية والبشرية ، او على مستوى استعمال الموقع الاستراتيجي الهام ، الذي يتمتع به المغرب ، لتنفيذ المخططات السياسية والعسكرية للإمبريالية في المنطقتين العربية والافريقية ( الزايير ، اليمن ) . وفي سياق توضيح معالم هذه الاستراتيجية العامة ، وجب التأكيد هنا على الطبيعة اللاّوطنية الدائمة للنظام ، فهو ، باعتباره ممثلا للطبقة الاقطاعية التي سادت خلال قرون عديدة ، ثم الطبقة الاقطاعية الرأسمالية في ( العهد الجديد ) ، فانه لم يستطيع حكم المغرب ، وبخاصة في مراحل ضعفه واندحاره ، في عهد الدولة العلوية على وجه التحديد ، لم يستطيع ذلك الاّ بالتحالفات مع الأجنبي ( فرنسا بالتحديد ) والخضوع له ، كما شهدنا من خلال التدخل الأجنبي في ظواهره التجارية والاقتصادية أولا ، ثم في شكله الاستعماري من خلال معاهدة الخيانة ( الحماية ) التي وقعت الملكية على عقدها ، لمواجهة ثورات القبائل البربرية بالأطلس المتوسط ، وبالريف ، وبجبالة في المناطق الثورية التي سموها بمناطق ( السّيبة ) ، أي المناطق الخارجة عن حكم النظام . ومن اجل خدمة استراتيجيته العامة ، فليس للنظام من وسيلة ، والحالة هذه ، سوى العنف ، والقمع الهمجي الذي رفعه الى مستوى فلسفة في الحكم ، كما هو مشاهد اليوم ، حيث تأن السجون بزفرات الشباب القابع في زنازين النظام . وإذا ما راجعنا سجل النظام منذ مجيء محمد السادس ، وليس فقط في عهد الحسن الثاني ، سنجده مليئا بأبشع صور القمع والإرهاب ، بدءاً بالمحاكمات الصورية ، بالملفات المطبوخة التي كنت انا ضحيتها ، وكان ضحيتها المناضلون التقدميون ، والديمقراطيون ، وطلاب المنظمة الطلابية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، إضافة الى مناضلي لقمة العيش والعيش الكريم . ففي حكم الحسن الثاني ، رغم ان القمع كان عاما ، الاّ انه لم يشهد سحل الناس ، ولا جلوسهم على القنينات والقارورات ، ولا سجن الاحداث بدعوى التظاهر ، وصولا الى أساليب الاختطاف ، والتصفية الجسدية ( مول الكرسي ... شهداء الحسيمة الذين تم احراقهم بوكالة بنكية ... الشارف ... هشام المنظري ... مول الصباط .... لخ ) مرورا بأساليب التعذيب والاكراه ، التي يمكن للنظام البوليسي ان يتباهى بها ، بانه ضمن الأنظمة الأكثر حذاقة في هذا الميدان . وان نحن اردنا القيام بمقارنة بسيطة بين عهدين : عهد محمد السادس ، وعهد الحسن الثاني في مجال حقوق الانسان ، فإن عدد المسجونين في عهد محمد السادس ، اكثر بكثير عن عدد المعتقلين في عهد الحسن الثاني ، نظرا لاختلاف المدة الزمنية لحكم كل واحد منهما . لقد حكم الحسن الثاني سبعة وثلاثين سنة ، في حين لم يتعدى حكم محمد السادس العشرين سنة . ومن البديهي ان يكون نظام له هذه الصفات ، وتلك الطبيعة ، محكوم عليه بالعزلة الدولية ، كما هي مشاهدة اليوم ، خاصة في ملف الصحراء ، وحراك الريف ( هولندة ) ، والتناقض التناحري مع الشعب . ووعيا من النظام بهذه العزلة المترتبة عن طبيعته واستراتيجيته ( اوربة باستثناء فرنسا ، واشنطن ، روسيا ، السعودية ....لخ ) ، وبأن القمع والعنف ، وإن كانا يسمحان له بالبقاء ، فإنهما ينميّان أيضا تلك العزلة ، الداخلية والخارجية ، ويدفعان بها نحو الاستفحال والتعمق ، فأنه ينهج باستمرار ، ومنذ استقلال ( ايكس ليبان ) ، تكتيكا سياسيا متكررا ، واصبح مفضوحا ، سماه ويسميه ب ( الانفتاح ) ، يلجأ اليه ظرفيا كلما خنقته العزلة في الداخل ، او هددته في الخارج . بهذا التكتيك المفضوح والكاذب ، يستهدف النظام من جهة ، طمأنة الدوائر الأجنبية التي تخشى على مصالحها ( فرنسا ) ، في ظل عدم استقرار الأوضاع ، وتنامي المد الشعبي بالشكل الذي يهدد تواجدها ، ويستجيب من جهة ثانية ، للتطورات الحاصلة في قاعدة النظام الاجتماعية ، والتي تطرح معادلة بين الأصول الاقطاعية العتيقة ، والتطلع للعصرنة والليبرالية ، ومن خلال ذلك ، اخضاع البرجوازية الوطنية وتحييدها من الصراع ، وكذلك سجن البرجوازية الصغيرة ، او على الأقل الفئة العليا منها ، في دور لا يمس بجوهر الهياكل الاقطاعية القائمة ، بل يسعى فقط الى ترميمها ، واصلاحها ، ومعارضتها معارضة بنّاءة ( الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة ) . هذا هو التكتيك الذي مارسه النظام ، وكرره من خلال الانتخابات التي جرت منذ 1999 ، وبمناسبة هبّة حركة 20 فبراير التي افرغوها من المضمون ، وهي نفس اللعبة سادت بعد انقلاب القصر في سنة 2003 ، واستفراده اليوم بكل الحكم . فكلما خنقته الازمة الموضوعية ، لجأ النظام الى محاولة التنفيس عن الوضع السياسي المتأزم ، من خلال اجراء انتخابات صورية ، او محاورة الأحزاب الملكية ، بحثا عن تسكين الصراع الاجتماعي / الطبقي ، الذي ينخر المجتمع من قدميه الى رأسه ، وضمان السلم الاجتماعي على حد تعبيره . وغالبا ما يكون انفتاحه هذا ، موازيا ، ومتزامنا مع قمع همجي ، يسلطه على الفئات والمناضلين الأكثر تجدرا وصلابة . كما انه ، أي ما يسمى ب ( الانفتاح ) ، يتسم بالظرفية وقصر النفس ، إذ يعود النظام ، بعد فترة وجيزة يكون قد رتب فيها أوضاعه ، وربح شيئا من الوقت ، الى طبيعته الحقيقية العدوانية ، البسيكوباطية ، والسوسيو – باتيكية ، ليضرب كل توجه ديمقراطي ، من شأنه ان يمس بحكمه المطلق ، او يحقق مكتسبات إيجابية لصالح الجماهير . هكذا وفي غياب الدستور الديمقراطي النابع من الشعب ، فان النظام لا يتردد في تنظيم انتخابات صورية ، لتشكيل برلمان هو برلمانه ، وحكومة هي حكومته ، وهذا ليس له من تفسير ، غير ان النظام لا يرغب ، ولا يرى مصلحة في الديمقراطية الحقيقية ، بل اكثر من ذلك ، إنه عاجز بنيويا ، وبحكم طبيعته ، على تحقيق الديمقراطية والليبرالية المزعومة . وإذا كان هناك من يراهن على ان النظام البتريركي ، البتريمونيالي ، الكمبرادوري ، والالوليغارشي ، سيتطور من ذات نفسه ، نحو أوضاع تشابه الملكيات الاوربية ، فان ذلك يبقى من باب الوهم الصرف ، ذلك ان الديمقراطية البرجوازية لم تتحقق تاريخيا ، الاّ بعد تنازل الملكية عن الجزء الأساسي من سلطتها ، لصالح المؤسسات البرجوازية ، واقتصارها على دور رمزي في النظام . بل ان هذا التنازل نفسه ، لم يتم طواعية ، بل جاء نتيجة نضالات بطولية ضاربة ، وتضحيات جسام ، قدمتها الجماهير الشعبية ، من اجل هزم الاقطاع والاستبداد . فإذا كان النظام ، لا يقبل بالملكية البرلمانية على الطريقة المغربية ، التي يدعو اليها كل من الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة ، فكيف سيقبل بالملكية البرلمانية على الطريقة الاوربية ؟ شيء لا يصدق ، ولا يتصوره الاّ مغفل ، او فاقد للتمييز . ان النظام السياسي الحاكم اليوم في المغرب ، لا ، ولن يقبل اي تنازل عن ادنى جزء من السلطة الفعلية . فنظرته للمؤسسات المنتخبة ، وفية كل الوفاء لأيديولوجيته الاقطاعية . ان النواب بالنسبة اليه ، مجرد خدام ، والمؤسسات لا يجب ان يتعدى دورها تطبيق سياسته ، والاجتهاد في تحسينها وخدمتها ، وهي في نفس الوقت ، أجهزة لدعم مشروعيته وتكريس ( البيعة ) له بالمفهوم العتيق للكلمة . هنا يكمن التفسير الحقيقي للحلقة المفرغة ، من جميع التجارب الانتخابية الصورية ، التي لا يحق بنا ان نتناولها من زاوية التجارب الديمقراطية ، بما تحمله هذه الكلمة من دلالة ، بل من زاوية التكتيك السياسي ، المسمى ب ( الانفتاح ) ، والذي تفرضه على النظام ، نتائج سياسته اللاّشعبية من جهة ، وكفاحات الجماهير الشعبية من جهة ثانية
13 ) رغم تدمير الدولة القمعية لكل القيم ، ومع ذلك تستمر في الهروب الى الامام : في الجزء اعلاه ، ومن خلال المقارنة بين الدولة القمعية في المغرب ، حتى لا نقول المغربية ، وبين الدولة البوليسية في اوربة ، رأينا كيف ان الدولة القمعية في المغرب تخرب وتدمر ، ولا تبني وتعمر ، ورأينا مناهجها واصولها في الاستئثار بالدولة ، ومنها الاستئثار بالثروة ، مع الاجتهاد في ابتكار آليات وميكانيزمات ، لخنق احرار وشرفاء الشعب ، الفاضحين والمقاومين لأصولها البدعية ( بدع ) ، وممارساتها الفاشية المقيتة . وفي المقابل ، رأينا كيف تختلف عنها الدولة البوليسية الاوربية ، التي تبني وتعمر ، ولا تخرب وتدمر ، كما رأينا كيف ان الدولة البوليسية في المغرب ، تركز على مصالحها من خلال مصالح الشخص ، وليس النظام ، وبخلافها ، كيف تركز الدولة البوليسية الاوربية على الطبقة ، ومن خلال العلاقة بين مختلف الطبقات التي تُكوّن المجتمع ، تكون الدولة البوليسية الاوربية دولة الشعب ، وليس فقط دولة طبقة ، حيث ومن خلال اللعبة التي تتحكم فيها الدولة البولسية ، يمكن للأغلبية ان تحكم ، ويمكن للأقلية ان تعارض ، ويمكن للأكثرية ان تصبح اقلية ، والأقلية تصبح أكثرية ، وهكذا يستمر المسلسل في ضبط التوازن الطبقي ، بما يحول دون تغول طبقة على أخرى . اما الدولة القمعية في المغرب ، ومن خلال قهرها للشعب ، ومن خلال تظاهرها بخدمة الشخص اكثر من خدمة النظام ، وهي في الحقيقة تخدم مصالحها ، تصبح الدولة البوليسية والشخص في واد ، ويصبح الشعب في آخر . وعندما يتعمق الظلم ، وتتوسع دائرة الاعتداءات المتواصلة والمختلفة ، وفي ظل الخنق والضغط ، يصبح للشعب حل واحد لا اثنان ، هو مغادرة البلد بمختلف الطرق المشروعة وغير المشروعة . فالهجرة المكثفة والكثيفة ، هي هروب من القمع ، ومن الاستبداد ، والطغيان ، وهروب من الفقر المسلط على الشعب ، أي هروبا من الدولة البوليسية . وعندما يختزل الشعب المواجهة في الهجرة كحل ، يكون الشعب بمن يدين الدولة البوليسية التي تخرب وتدمر ، ولا تبني وتعمر . ودرجة الخطورة ، وفي غياب البديل للتنفيس عن السخط ، بسبب عقم وشح الدولة البوليسية ، هل يمكن تصور دولة بدون شعب يتطلع للهجرة ؟ وإذا كانت الدولة البوليسية الاوربية ، تعوض عن فشلها باللجوء الى القواعد الديمقراطية ، التي تتحكم في توجيهها الدولة البوليسية نفسها ، بحيث يمكن استعمال الانتخابات لتنزيل العقاب على جماعة ، وتمكين جماعة أخرى من تجريب حظها ، بحيث يشعر الانسان الأوربي بنوع من التغيير الذي يشفي غليله ، ويُلطّف هدوءه ، لتجنب أي سخط شعبي قد يتحول الى ثورة ، فان ما يعرف عن الدولة البوليسية في المغرب التي تتحكم في الانتخابات ، وتصنع البرلمانات ، وتشكل الحكومات ، وتنشئ الأحزاب والنقابات، لتجسيد استمرارية الاستبداد ، المجسد في تركيز الدولة في شخص الشخص ، اكثر من تجسيدها في نظامه ، بحيث يعتبر الحاكم نفسه هو الدولة ، والدولة هو ، انها بتصرفها الأرعن والغير المحسوب النتائج ، لأن عقلها متحجر ، وثقافتها ، فقط القمع والاذلال ، هو انّها تصنع من حيث لا تدري ، معارضتها الشعبية ، فتكون بمن يجعل صورة الحاكم الذي يستبد بجميع السلط ، كريهة في نظر الشعب ، فتصبح البلاد مقبلة على جميع الاحتمالات ، كالطوفان ، او الدخول الى المجهول . وما موجة الفرار ولا أقول هجرة او تهجير الى اوربة ، ورفع شعارات التخلي عن الجنسية ، واحراق الراية ......لخ ، الاّ دلالة بسيطة عن موجة التسونامي التي تختمر ، وتتحضر في قلب المجتمع المغربي . ومع ذلك وبدون خجل ، وامام فشل الدولة البوليسية في المغرب ، فلكي تتهرب من المسؤولية ونتائجها ، بما فيها الجنائية ، فهي تلجأ الى حل تتقنه بامتياز ، لأنها جبانة ، ولا تقدر على المواجهة ، هو حل الهروب الى الامام ، لخلط الأوراق ، قصد ضمان بعض الوقت لاستمرارها في النهب ، وفي افساد المجتمع ، والدفاع عن الاستبداد ، لأنه رحيقها ، وروحها الذي لن تستطيع العيش بدونه . 14 ) وتستمر الدولة القمعية الفاشلة في سياسة الهروب الى الامام : الدولة القمعية في المغرب ليست هي الدولة البوليسية في أوربة . الدولة القمعية في المغرب تقتات فقط من القمع الذي هو رحيق حياتها ، في حين نجد الدولة البوليسية في اوربة ، رغم انها تسيطر على المجتمع بكل تفاصيله ، وتجاذباته ، وتتحكم في توجيه اللعبة الديمقراطية بما يكفل لجميع الطبقات المشاركة في التسيير ، فإنها بذلك تعتبر دولة الشعب ، لان الشعب هومن يشارك في رسم وتأثيث الديمقراطية الغربية ولا ادل على ذلك ، فان كل شيء مُختلف حوله ، يتم احالته الى الاستفتاء الشعبي ، وهذا يجسد المقولة الشهيرة التي يتغنى بها الدستور الممنوح في المغرب ، وهي غير موجودة أصلا ، بان الشعب هو مصدر السلطات ، أي مصدر الحكم يباشره من خلال ممثليه بالمؤسسات التمثيلية ، ومن خلال الصحافة ، والرأي العام الذي له وزنه المُعتبر . في حين تبقى الدولة البوليسية في المغرب ، بسبب ممارساتها القمعية التي تجيدها بإتقان ، في واد والشعب في آخر . فعندما يرفع المواطنون شعارات من قبيل " الشعب يريد اسقاط الجنسية " ، " الشعب يريد الهجرة " ، " حرق علم الدولة " ، " رفع علم دولة اجنبية " .... لخ ، فهذا دليل على ان الدولة القمعية ، لا علاقة لها بالشعب ، الذي تستضعفه ، وتهينه ، وتقمعه ، وهو ما يستنتج منه ، ان البلاد معرضة لجميع التحولات ، بما فيها الطوفان ، او الدخول الى المجهول . وتبقى هذه الحالي قائمة ، طالما ان ميكانيزمات الدولة البوليسية في القمع لم تتغير ، كما يبقى مستوى ودرجة كره المجتمع للدولة البوليسية في تصاعد إيجابي . لذا رغم فشل الدولة القمعية في بناء التنمية ، لأنها ليست مؤهلة لذلك ، بسبب افتقارها لروحها ، فهي تواصل الالتفاف على الوضع ، معتمدة في ذلك على عامل الوقت الذي قد يأتي بمفاجئات لم تكن منتظرة ، كما تراهن على العياء ، والملل ، والإحباط ، لتواصل سياستها القمعية ، ولتستمر في السيطرة على المجتمع ، ومنه على الدولة بقرتُها الحلوب . ان مثل هذا التكتيك الظرفي ، لأنه ليس بأزلي ولا بأبدي ، لان الصراع تموجات ، وكر وفر ، بتأثيرات داخلية وخارجية ، استعملته الدولة البوليسية ، مع حركة 20 فبراير ، مع المطالب بالإصلاح الدستوري ، كما استعملته في حرب الصحراء منذ التوقيع على وقف اطلاق النار في سنة 1991 ، وتستعمله في الاقتطاع من أجور الموظفين بدعوى اصلاح أنظمة التقاعد ، وفي الحوار مع ( النقابات ) بخصوص الملف الاجتماعي ، وهي ( النقابات ) التي تواطأت مع الدولة البوليسية في الاجهاز على صناديق التقاعد ، والمقاصة ، وتدعيم الدولة البوليسية باسم الحفاظ على السلم الاجتماعي ، الذي يحفظ مزايا ومصالح الدولة البوليسية ، ويجهز على القوت اليومي للعمال ، والاجراء ، والموظفين ، والمستخدمين ، والشعب ...لخ . وبالرجوع الى التاريخ القريب ، للاستشهاد وتأكيد تعويض الدولة البوليسية فشلها بسياسة الهروب الى الامام ، انّ حركة 20 فبراير التي بزغت بشكل غير منظم ولا مؤطر ، ورغم رفعها لشعارات فضفاضة ، فرغم خسارتها ، وطابعها الظرفي العفوي ، فهي كانت تدشينا لتطور جديد لنضال الجماهير الشعبية ، وقواها الديمقراطية ، والجماهيرية ، لأنها عرّت في آن واحد ، هشاشة شعار ( العهد الجديد ) ، و ( المفهوم الجديد للسلطة ) ، أي هشاشة ما اعتبر انفتاحا وطابعه النخبوي من جهة ، وإدانة الجماهير لهذه الشعارات التي كانت تنطق بمعكوس ما تم الترويج له كذبا وبهتانا ، أي ادانة جماهيرية لهذا الانفتاح الذي لم يكن انفتاحا أصلا ، ولكنه كان لعبا على الوقت ريثما يتمكن النظام ، فترجع حليمة الى عادتها القديمة . هكذا سنجد ان حركة 20 فبراير ، رغم طابعها الإصلاحي ، وشعاراتها الفضفاضة ، فقد فجرت ما تم الترويج له منذ سنة 1999 ، بالإجماع المزيف المفروض من فوق ، كما عرت حقيقة الديمقراطية المحمدية ، التي لم تكن في الأصل الاّ استمرارا ، وامتدادا للديمقراطية الحسنية من جهة ثانية . و انه رغم الطابع العفوي للحركة ، وغياب الشعارات الثورية ، واستمرار الهيمنة الإصلاحية التحريفية على موقع التقرير والتعبير ، لم يكونا ليسمحا بتطويرها ، وتصعيدها ، وتجذير نفسها النضالي ، لكنها مع ذلك فقد وضعت النظام مجددا امام ازمته الدائمة . ولمحاولة اخراج نفسه من هذه الورطة الحقيقية ، لم يكن للدولة البوليسية من سبيل آخر ، غير نهج سياسة الهروب الى الامام ، مجسدة في المحاور التالية : 1 ) انتزاع المبادرة السياسية من جديد ، وفي غياب صوت الجماهير ، لمسألة السيادة الوطنية ، وتوظيفها داخليا على غرار ما عمل في منتصف سنة 2003 ، سواء لتبرير القمع الداخلي ، بالانقلاب على الشعب ، او لطمأنة الجيش الذي صدر قانون يحميه من اية متابعة قانونية ، او جنائية اثناء تنفيذ الأوامر ، والتعليمات الفوقية ضد الشعب . ومن ناحية ثانية ، محاولة النظام الفاشلة لفك عزلته الافريقية ، عندما صداق البرلمان ، واثناء غياب الحكومة ، على القانون الأساسي للاتحاد الافريقي ، الذي يلزم اية دولة تريد الانضمام الى الاتحاد ، ان تعترف بجميع الدول التي تكونه ، وتعترف بالحدود الموروثة عن الاستعمار . هكذا وباعتراف النظام بالقانون الأساسي للاتحاد الافريقي ، يكون قد اعترف بالجمهورية الصحراوية ، وفي غياب الشعب الذي لم يستشار في هذا الاعتراف المتعارض مع قسم المسيرة ، ومع أرواح الجيش الذي سقط في الصحراء . 2 ) بعد شعور النظام ، بسبب اخطاءه المتراكمة في قضية الصحراء ، وبسبب ملف الديمقراطية وحقوق الانسان ، بالعزلة الشعبية الداخلية ، وبالعزلة الدولية ، خاصة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب الامريكية ، وموقف الدول الكبرى المتشبث بحل الاستفتاء وتقرير المصير ، عمق روابطه مع الامبريالية الفرنسية ، التي رغم انها تسير على نفس منوال الدول الكبرى في قضية الصحراء ، فإنها تغمض العين عن انعدام الديمقراطية ، خروقات حقوق الانسان المختلفة ، ومن خلال الظهور بمظهر المساند لسياسة النظام القمعية والتجويعية ، مقابل مصالح اقتصادية مختلفة ، تتمتع بها فرنسا من معيش الشعب المغربي الفقير والمفقر . 3 ) تقليص رقعة النشاط السياسي ، والنقابي ، والجمعوي الجاد. وهنا ، فبعد تحويله الأحزاب والنقابات الى مجرد صدف فارغة ، تقتات من فتاة مائدة النظام ، نجحت الدولة البوليسية في تجميد الساحة الداخلية عبر تصعيد القمع ، والاختطافات ، والمحاكمات ، مقابل الحفاظ على واجهة نشاط سياسي فولكلوري مفضوح ، يحفظ ماء وجه الديمقراطية المحمدية ، الأكثر تحريفا من الديمقراطية الحسنية . لقد بلغ السيل الزبى واكثر ، حين بدأت الدولة البوليسية تطلق النار على المواطنين وتقتلهم ، وحين شرعت في هدم المساكن فوق رؤوس ساكنيها ، دون ان يعوزها ضمير ، او أريحية إنسانية . هكذا رغم نجاح الدولة البوليسية في قمع المجتمع ، فهي نجحت من حيث لا تدري ، وهي مشكورة على ذلك ، في خلق معارضة شعبية لها ، بحيث الشعب في واد ، والدولة البوليسية في آخر ، وهو ما يسهل اندلاع أي احتجاج شعبي ، قد يتحول الى طوفان يقضي على الأخضر واليابس . 4 ) تحول الدولة القمعية الى دولة متسولة ، حيث ان التوظيف الفاشل لكل هذه الخدمات ، وبما فيها ملف الهجرة ، جعل منها تتسول المساعدات ، والهبات المالية ، والقروض ، للتنفيس عن ازمتها العامة خاصة الاقتصادية ، ولخلق نواع من الرواج المالي لدر الرماد في الاعين ، بان هناك اقتصاد يفعل ، ودولة تعمل . ان ابتزاز الدولة البوليسية للمجتمع الأوربي ، في ملف الهجرة ، مقابل الحصول على الدولار ، غني عن أي تعريف . ومن خلال التحليل العميق والدقيق ، فإننا نستخلص ان كل هذه المحاور المتداخلة والمترابطة ، كما هو واضح ، عاجزة عن حل مشاكل النظام ، المستعصية عن الحل بشكل حاسم ونهائي . لكنها تسمح له بربح بعض الوقت لإعادة ترتيب أوضاعه المستفحلة ، لمحاولة استرجاع المبادرة والتحكم فيها ، باستعمال آليات القمع البوليسي المختلفة . ان هذه التوجهات تجسد كما برز منذ منتصف 2003 ، حقيقة أساسية ، وهي ان النظام – فضلا عن استراتيجيته العامة الواضحة -- ، يعيش على الحلول الظرفية القائمة على ربح الوقت ، واجترار الوضع . فهو واع تمام الوعي لقصر نفس تلك الحلول ، خاصة عندما تتعلق بالوضع الاقتصادي / الاجتماعي الأكثر من متأزم . فما يهم الدولة البوليسية ، هو كبت النقمة الشعبية المتصاعدة عبر ارجاء كل الوطن ، وتعطيل وإبعاد أسباب الانقلاب العسكري ، عند وصول الاحتقان السياسي درجات اكثر من متقدمة ، بحيث تصبح مصالح فرنسا اكثر من مهددة . أي ان انقاد النظام كنظام هلامي ، وضمان استمراره بالقمع المسلط ، هما الهاجس اليومي للدولة البوليسية ، ولا يهم بعد ذلك ان يتحول المغرب الى محمية فرنسية جديدة ، او بقي خرابا وأنقاضا . لكن رغم كل الاعيب الدولة البوليسية ، ومكرها المجسد في سياسية الهروب الى الامام ، فهي إن تركت للنظام عنصر المفاجأة ، والمبادرة ، وتسمح له بتغيير مواقفه بالسرعة والدقة المطلوبتين ، فإنها مع ذلك لا تخلو من المغامرة والمخاطرة . فسياسة من هذا القبيل تستلزم بالضرورة حصر دائرة القرار، وتضييقها ، وتشخيص القرار نفسه ، وبالتالي ، هذا يحرم النظام نفسه من دعم فعال واع ومستمر ، من جانب نخبته السياسية التي تجد نفسها في ظل غياب الرؤية حتى على المدى الطويل ، في حالة تردد وقلق دائمين . وهذا ما يجعل خطة النظام ، بسبب خطط الدولة البوليسية المقيتة ، مهيأة لان تنقلب عليه في أي وقت وحين ، خاصة وانه موضع تساؤل لدا القوى الامبريالية نفسها ، الغير مُستعدة للتخلي عن المغرب البلد ، لا النظام الذي اضحى معزولا دوليا . ان خطورة مأزق النظام ، خاصة في الملف الاجتماعي / الاقتصادي ، وملف حقوق الانسان ، وملف الديمقراطية ، ثم ملف الصحراء ، لم تترك امامه خيارا آخر ، غير البحث ومن جديد ، عن اكتساب الوقت الذي اصبح همه الدائم ، وهاجسه اليومي . في هذا الاتجاه ، تم تطبيق تعليمات البنك الدولي بالحرف ، كشرط للحصول على الديون والتسهيلات الجديدة ، مستعملا حزب العدالة والتنمية ، ككمبراس في عملية تفقير الشعب ، والاجهاز على قوته اليومي . لكن امام التصاعد النضالي الجماهيري المختلف ، فإن هذه السياسة ، ستسبب في هزات اجتماعية عنيفة ، ومحكوم عليها بالفشل . فهل ستنجح سياسة الدولة البوليسية في الهروب الى الأمام ، من تجنيب المغرب ، هزات اجتماعية عنيفة على الأبواب ؟
15 ) المغرب الى اين : بعد كل ما اضحى عليه الوضع اليوم ، من تأزم شمل كل القطاعات والمرافق ، ويهدد بالسكتة الدماغية الأكثر من السكتة القلبية ، حيث بكثرة الظلم المستشري ، بدأ المواطنون يطالبون بإسقاط الجنسية ، وهي دعوة للتحلل من اية علاقة بالدولة القمعية ، وبرفع علم دولة اجنبية ، وبالزطمة بالأرجل على راية الدولة ، ويحرقون جوازات السفر ، ويتوجهون زرافات وقطعانا للانتحار في البحر، هربا من بلدهم الذي ينعم بخيرات وفيرة لا يستفيدون منها ، و تستفيد منها اقلية وتُحرم منها الأكثرية . هذا ناهيك عن اشعال الناس النار في أجسادهم، وهدم مساكنهم فوق رؤوسهم وتركهم عرضة للمبيت في الخلاء . امّا عن الوضع الخطير الذي توجد فيه الصحراء ، فهو ينذر بعواقب ستكون لها نتائج كارثية ، ستأتي على الأخضر واليابس . فضياع صراع منذ سنة 1975 ، سيسائل المسؤولين عن هذه الضياع الذي يعود الى الارتجال وفقدان البوصلة ، والتيه في رمال الصحراء بدون بوصلة . لقد مرت موجه حركة 20 فبراير ، ورغم انها لم تحدث تغييرا في المؤسسات السياسية ، ولم تنجح في دمقراطية النظام بما يربط المسؤولية بالمحاسبة ، فإرهاصاتها لا تزال تتفاعل في الساحة ، كما ان احياءها وبأشكال مختلفة ، تبقى مطروحة في الحسابات السياسية لكل الفاعلين الديمقراطيين ، وهو ما يعني ، ان أسباب بزوغ حركة جديدة قد تتقمص عناوين جديدة ، هي متوافرة بالشكل الأكثر من المطلوب . ولنا السؤال : كيف سيكون الوضع إذا استمر الازمة في التفاقم ، وهي ستستمر كذلك ، بسبب سياسات النظام التي تنفخ فيها ؟ كذلك كيف سيكون الوضع ، وامام استفحاله وتأزمه اكثر ، عند ذهاب الصحراء ، وانفصالها عن المغرب ؟ كيف ستكون نفسية المغاربة الذين ضحوا بأموالهم ، وارواحهم ، وعلى حساب تربية ابناءهم ، عندما يشاهدون القرارات الأممية تشرعن انفصال الصحراء ؟ كما كيف سيكون وضع الجيش النفسي ، وهو الذي دافع ورابط في الصحراء منذ سنة 1975 ؟ ان المحددات التي تناولنا وتعرضنا لها في أربعة عشر دراسة سابقة عن تغول وانقلاب البوليس على الدولة ، وسرقتها في نهار قهّار، وليس في ليل بهيمي ، والتي أصبحت تتحكم في سياسة النظام وتكتيكاته من جهة ، وتعمق وتناقضه مع الجماهير الشعبية ، حيث هو في واد ، وهي في آخر من جهة ثانية ، هي التي تطرح علينا وامامنا ، معالم تطور الأوضاع المستقبلية ، وتسمح لنا ليس بالتنبؤ او التخمين ، لكن بالتأكيد على الحقائق والاحتمالات الواقعية الآتية : --- أولا . ان الأسباب الهيكلية ، والدوافع الموضوعية الاقتصادية / الاجتماعية منها والسياسية ، التي أدت الى تفجير سخط الجماهير في كل ربوع المغرب ، وتذمرها ، واقبالها على الانتفاضة والاحتجاج ، والدفاع عن لقمة العيش والكرامة ، لا تزال قائمة وحاضرة ، بل أضحت بشكل اكبر واجدر ، بسبب السخط الجماهيري الوليد عن الارتفاع المهول للأسعار ، الذي ضرب بشكل مباشر القوت اليومي للشعب ، وبسبب غياب المرافق الاجتماعية ، من مدرسة ، ومستشفى ، ودور حضانة ، ورعاية اجتماعية ، مما حذا بالمواطنين الى قصد سبل الهجرة الغير الشرعية ، هروبا من جحيم الازمة المقصودة من النظام . وبما ان النظام ، بسبب الدولة البوليسية التي سرقته وكبّلته ، حيث تأكل الثوم من فمه ، اضحى عاجزا عن إيجاد حلولا جذرية لمثل هذه المعضلات المفتعلة ، لا آنيا ولا في المنظور المتوسط ،،، فإن دوافع السخط الجماهيري ، تظل قائمة بامتياز ، وبالتالي تبقى شروط الانتفاضة الشعبية ، فارضة نفسها في سيرورة الصراع الدائر بين الدولة البوليسية سارقة النظام ، وبين الشعب . ان الخطورة الفارضة لنفسها في هزة شعبية عنيفة مفاجئة، وبخلاف الهزات السابقة التي عرفها المغرب طيلة تاريخ الهزات الجماهيرية ، انها سوف لن تكون مُؤطرة كما حصل في الماضي ، بل ستأتي عفوية من صنع الجماهير ، لا من توجيه الأحزاب التي تحكمت في انتفاضات 1965 ، و 1981 ، و 1984 ، و 1990 ، وافشلت مشروع حركة 20 فبراير رغم اصلاحيته التي لم تكن تتجاوز مطالب برجوازية ، واضحت اليوم عبارة عن صدف فارغة . لكن هذا لا يعني ان اية انتفاضة من دون تأطير وتحكم حزبي ، ستخرج عن ضفافها المرسومة ، بل ان القيادات الجماهيرية التي ستخلف الأحزاب الصّدفيات ، ستنبع من قلب الجماهير . ان شباب المغرب اليوم ، بالبوادي ، والمداشر ، والقرى ، وبمختلف المدن ، يحمل شواهد الجامعات ، ويمتلك وعيا متقدما يجعل من قبيل المستحيلات ، غبنه او تعويمه كما كان يحصل في السابق . ولنا ان نطرح السؤال : كيف يمكن تصور الوضع ، إذا تكررت انتفاضة الدارالبيضاء في يونيو 1981 ، او احداث الشمال في يناير 1984 ، او انتفاضة مارس 1965 ، بنفس الحدة ، وبنفس الحجم والقوة والتنظيم ، في كل المغرب ؟ ان حصل مثل هذا التوقع وشروطه متوفرة ، فهذا يعني للدولة ( ألْكاوْ ) . فمن جهة لا يمكن لها ان تواجه شعبا اعزل يطالب بالحقوق والمساواة وبالعدل ، ومن جهة لا يمكن للدولة البوليسية ان تكرر المجازر السابقة ، بإطلاق النار على الشعب ، لأنها ستكون بمن ينتحر عن طيب خاطر ، ومن جهة ، العالم اليوم ، وبفضل فضاءات التواصل الاجتماعي أ اضحى اقل من قرية صغيرة ، ومن جهة لا يمكن للأمم المتحدة ، ولا لمجلس الامن ، كما لا يمكن لواشنطن ولدول الاتحاد الأوربي ، وللمحكمة الجنائية الدولية ، التزام الصمت إزاء إبادة جماعية للشعب من قبل الدولة البوليسية ، ومن جهة ، سيعجل أي تحول تتسبب فيه انتفاضة شعبية عارمة في كل المغرب، بتسهيل ذهاب الصحراء الغربية . ان مشكلة المغرب اليوم ، وفي ظل الغياب المستمر للملك ، ان مسألة من يتولى الحكم ، اضحى عاجزا عن الاستمرار في لعب نفس المسرحية المفضوحة ، التي عنوانها الاستئثار بالحكم ، وبالجاه ، والنفوذ ، والاثراء بدون سبب . لقد أوصل هؤلاء النظام الى الباب المسدود ، بحيث لم يبق امامه غير التفنن في ابتكار اشكال جديدة في القمع ، لا تثير حفيظة الدول الديمقراطية ، والمحكمة الجنائية الدولية ، كما حصل في حراك الريف وحراك جرادة ، وفي استيعاب وامتصاص ، مطالب حركة 20 فبراير ، والالتفاف عليها . --- ثانيا . امام وضع كهذا ، حيث الأفق مغلق والمستقبل منعدم ، ليس للدولة البوليسية التي سرقة النظام ، ومنه سرقت الدولة و وحولتها الى بقرتها الحلوب ، سوى الاستمرار في ممارسة القمع و الإرهاب ، والتنكيل بالمعارضين الديمقراطيين والتقدميين ، وفاضحي فسادها الذي أزكم الانوف ، بل ممارسة القتل والتشريد في حق شرفاء واحرار الشعب المغربي ، كسياسة ومنهج في الحكم البوليسي . ومع افتضاح شعارات أكاذيب " العهد الجديد " ، " المفهوم الجديد للسلطة " ، " ملك الفقراء " ، ومع افتضاح خواء الديمقراطية المحمدية ، وحكم الشعب عليها بالافلاس ، وتعريتها بشكل نهائي امام الرأي العام الداخلي والخارجي ، والاستمرار في تأبيد اشكال العبودية عند افتتاح البرلمان في الجمعة الثانية من شهر أكتوبر من كل عام ، وعند أداء فرائض وطقوس البيعة عند جلوس الملك على كرسي الحكم .... ، فان الدولة البوليسية ستزيد من تشددها ، رغم انها تنتحر في قمع الحريات الديمقراطية ، وتضييقها الخناق على المنظمات الجماهيرية ذات المصداقية الحقيقية وسط الجماهير ، وتسليط عصا القمع الغليظة على المناضلين التقدميين والديمقراطيين المخلصين . هذا مع العلم ان مأزق الصحراء ، ودخولها النفق المسدود المهدد بالانفصال ، سيزيد تعمقا وستزيد معه استنزاف الحرب القادمة ومستلزماتها . وإذا كان القمع المنهجي ، سيسمح للدولة البوليسية بالاستمرارية والتحكم المؤقت في الأوضاع المضطربة ، حيث المغرب يغلي كطنجرة قد تنفجر في كل وقت وحين ، فان سلاح القمع والارهاب يكون في حد ذاته ذو حدين لا محالة ، لأنه يبرز طبيعة النظام والحكم المطلق الموغل في الطغيان والاستبداد ، ويعمق من جهة إيجابية ، من عزلته الشعبية ، وكرهه المقيت من قبل الشعب ، كما يقلص من شعاراته الجوفاء الكاذبة ، ويفرغها من أي مضمون ، إنْ كان لها ذلك لدى القوى الامبريالية ، خاصة الاوربية ( هولندة ، الدول الاسكندنافية ، بريطانيا العظمى ، المانيا ، اسبانيا والولايات المتحدة الامريكية ) ، وبالتالي فانه لا يعمل سوى على رفع التناقض الأساسي الى مستويات اعلى مع الشعب من جهة ، ومع الدول الديمقراطية من جهة أخرى ، فيزيد كل ذلك من ضعف الدولة البوليسية ، ومنها ضعف النظام رغم مظاهر ( القوة ) التي يحاول الظهور بها ، فالنظام ليس قويا اليوم ، بل قوته يستمدها من فراغ الساحة كليا ، من المعارضة الجذرية والراديكالية ، ومن الحركة النقابية الجادة والملتزمة . فمن خلال تحليل وضع النظام بالمقارنة الى ما كان عليه وضعه في الستينات والسبعينات والثمانينات ، فهو يعيش عزلة دولية ، لان الدول الديمقراطية لم تعد تعره ، ولا تعر رأسه اية أهمية ، وعزلة داخلية ، بسبب سيادة الطغيان والاستبداد بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الاستبداد المغربي قبل الاستبداد الشرقي . وهذا يفسر ان كل شروط التغيير الجذري اليوم متوفرة وبكميات أوفر . النظام لا ولن يستطيع اطلاق رصاصة واحدة ، ضد الشعب عند نزوله الى الشارع للدفاع عن كرامته شرفه ، تاريخه ، اصوله ، حقوقه ولقمة عيشه . --- ثالثا . ان هذا الوضع الخطير الذي يوجد فيه وعليه المغرب اليوم ، بفعل دكتاتورية الدولة البوليسية الفاشية ، يفتح امامنا توقع إمكانية التدخل الامبريالي في الصراع الداخلي ، وان غياب الملك المستمر ، وتعدد مصادر ( القرار ) اللاّقرار في الدولة ، قد يطرح احتمالاً خطيراً ، اصبح يلوح في الأفق اكثر من أي وقت مضى . ذلك ان واشنطن ، وباريس ، وتل ابيب ، ولندن ، ومدريد عواصم مهتمة بالوضع الاستراتيجي للمغرب البلد ،وليس للمغرب النظام ، تعي خطورة الوضع القائم ، وتنظر بعين الحرص والانتباه ، الى مصالحها الضخمة بالمغرب ، استراتيجيا ، واقتصاديا ، وسياسيا . ومن هنا ، فإنها لن تتردد في استعمال سلاح الانقلاب العسكري ، في حالة قيام انتفاضة شعبية عارمة ، تعم كل المغرب ، وتسهم في حالة انفلات امني ، من يد عملاءها المحليين الحاليين ، وتململ ميزان القوى ، لصالح الجماهير الشعبية ، وقواها الثورية التي ستنبثق من قلب التسونامي الشعبي الجماهيري المغربي ، وذلك لاستدراك الوضع ، ومحاولة اجهاض الثورة الوطنية والديمقراطية المحتومة ، وقطع الطريق ، على أي تطور جذري يفلت زمام المبادرة من بين ايديها ، ويمس بمصالحها الأساسية في المغرب البلد ، وليس المغرب النظام . وهنا لا بد من التذكير بما سبق ونشرته اكبر صحيفة إسرائيلية جيروزاليم بوست ، عندما وصفت الملك ب " الشخص الافتراضي " ، وعندما رفض الرئيس الأمريكي لقاء الملك ، وما ردده سفير فرنسا عن المغرب بالأمم المتحدة ....لخ . والجذير بالذكر هنا ، ان البرجوازية الكمبرادورية اللصيقة بالنظام الذي يدافع ويضمن مصالحها المضطربة ، خوفا على حاضرها ومستقبلها ، وفي غياب مخارج سياسية بديلة ، فهي أكيد ستنقلب على النظام ، لتشكل القاعدة الاجتماعية لأي مشروع امبريالي / انقلابي ، وخاصة وانها مهيأة اكثر من غيرها ، لضمان مصالح الامبريالية وصيانتها ، بحكم ارتباطها المصيري والعضوي بهذه المصالح الحيوية . فان تدخلت القوى الامبريالية الخارجية بحكم ارتباطها بالصراع ، فالسؤال الذي يبقى عالقا : هل التغيير سيكون لفائدة الملكية البرلمانية ، ام سيكون لفائدة الجمهورية البرلمانية ؟ ان لكلا النظامين اتباع ، ومريدين ، ومناصرين ، وممثلين محليين . --- رابعا . ومع وضعية غليان شعبي كهذه ، وتعمق السخط والتذمر الشعبي بفعل طغيان وتجبر الدولة البوليسية الفاشية ، وغلبة اليأس والانهزامية لدى العديد من الأوساط ، قد تبدو التربة خصبة وسانحة للمغامرة المسلحة ، بدعوى المقاومة في المرحلة النهائية من الانتفاضة الشعبية . وربما وفي سباق محموم بين هؤلاء وبين عملاء الامبريالية الجدد ، لمن سيحسم مسألة السيطرة على الحكم ، قد يتسبب هؤلاء الانهزاميون والطامعون ، في ارباك التغيير لمصلحة الشعب ، وهوما قد يتسبب في ثورة مضادة تذكرنا بما جرى لمصدق عندما ثار الشعب الإيراني على الشاه . انه رغم ضعف هذا الاحتمال ، لأنه انقلابي انتحاري ، فلا يجب استبعاده تماما ، بحكم توافر عناصر لا تعيش الاّ في الماء العكر ، وتشكل المغامرة بديلها ، وبرنامجها الواحد الأوحد ، للمساومة بها طمعا في الحصول على مكانة ما ، ضمن مشروع التغيير الفوقي للحكم ، وللنظام المسخر من طرف الامبريالية . --- خامسا . ان اثارة هذه العوامل والاحتمالات الناجمة عنها ، تأخذ في الظرف الراهن أهمية قصوى . فكما هو واضح ، اصبح العنصر الخارجي متجسدا اليوم في واشنطن – إدارة الرئيس دونالد ترامب – ، وفي الدول الغربية متجسدة في تواجدها السياسي والاقتصادي ، ، عنصرا مؤثرا في الصراع ، وقد يكون حاسما في المعركة القادمة . ان المنعطف التاريخي الذي سجلته كل الانتفاضات الشعبية البطولية عبر تاريخ الانتفاضات الشعبية والجماهيرية المغربية ، و آخرها حركة 20 فبراير الإصلاحية من جهة ، ومن جهة ثانية تعاظم حظوظ الاحتمال الثالث ( الانقلاب الامبريالي ) .. يطرحان على الشعب المغربي ، تعقيدات كبيرة ، ومسؤوليات جديدة وملحة ، إذ في كلا الحالتين – الانقلاب الامبريالي او الانتفاضة الشعبية -- ، لن يتردد سماسرة واعداء الشعب ، من حتالات ، وشمكارة ، وبلطجية ، ومجرمين ، من تسليط الارهاب عليها ، والتصفيات كمقدمة لإجهاضها ، كما يلاحظ اليوم من تسليط المجرمين ، والحثالات ، والعياشة ، ضد المسيرات والاحتجاجات المختلفة التي تجري بكل ربوع المغرب . وهنا لن يكون من باب المغالاة التأكيد ، على ان الحركة الثورية المغربية اليوم ، موضوعة امام خيار واحد لا اثنان : إما ان تتمكن من تطوير اوضاعها الذاتية وتصليبها ، بترسيخ مكتسباتها وتقويتها ، حتى تكون في مستوى التجاوب مع الوضع بكل احتمالاته ومتطلباته ، وإما ان تتعرض للإجهاض والتصفية .. وهذا ما نلاحظه اليوم عندما يسيطر اسلوب الاقصاء الساحة السياسية الوطنية . وإذا كنا قد ركزنا خلال هذا الاستعراض السريع للأوضاع السياسية، واحتمالاتها على استراتيجية الدولة البوليسية ، وخططها وتكتيكاتها ، فليس معنى ذلك إهمال الوضع الجماهيري ، والمكتسبات التي حققتها الحركة التقدمية والثورية المغربية الحقيقية ، او ان الدولة البوليسية وحلفاءها يتمتعون بموقع قوة بشكل مطلق ، ينفذون من خلاله كل مخططاتهم بشكل آلي، او بضربات سحرية .. بل على العكس من ذلك ، فان التحولات التي عرفها المجتمع المغربي منذ حركة 20 فبراير الذي كسرت جدار الخوف من النظام الاستبدادي ، جعلت من الشعب ، والجماهير ، وقواه الحية الديمقراطية الحقيقية ، يبقى هو صاحب الكلمة الأخيرة ، وأن أي تحليل يتغاضى عن ذلك ، او يسقط من حسابه قدرة الجماهير الشعبية على الرد والمواجهة ، إنما هو تحليل مبتور ، يتغاضى عن نصف المعادلة السياسية القائمة . ومن جهتنا كمحللين موضوعيين مرتبطين بالشأن العام المغربي ، وبكل ما يضير شعبنا ، وجماهيرنا ، وبلدنا من الدولة البوليسية الفاشية التي سرقت الدولة والمغرب ، وحولتهم الى سجن كبير ، فقد أكدنا في دراسات سياسية سابقة ، ولا نزال نؤكد على ضوء الاحداث والوقائع المستجدة ، أنّ الشروط الموضوعية للتغيير الثوري ، لصالح الشعب والجماهير في المغرب ، لا تزال قائمة وبشكل اكثر قوة ، ومتعمقة منذ زمن غير قصير ، وان الجماهير الشعبية عبّرت بالملموس عن طموحها في التغيير الجذري ، واستعدادها للتضحية والاستشهاد في سبيله . ويبقى الخلل في الشروط الذاتية ، أي في دور الطليعة الثورية – بما لهذا المصطلح من ابعاد أيديولوجية ، وسياسية ، وجماهيرية – القادرة على تأطير نضال الجماهير ، والتجاوب معه ، والالتحام به ، وقيادته نحو اهدفه الإيجابية النبيلة المنشودة . فهل ستتمكن الطليعة الثورية المغربية الحقيقية ، من رص صفوفها ، وبلورة تنظيمها ، وحشد كل الطاقات الوطنية ، والتقدمية ، والديمقراطية الصادقة ، في معركة التغيير الجذري الوطني ، الديمقراطي الحقيقي ، والالتحام بالجماهير الشعبية في نضالاتها اليومية العريضة ، والمتعددة الجبهات والاشكال ، كما في وقت الانتفاضة والمجابهة ؟ ان التحليل العلمي العميق ، وحتمية التاريخ ، والتفاؤل الثوري ، يدفعنا للقول ، بان هذا هو الاحتمال الأقوى بالنسبة لكل الاحتمالات السابقة الذكر ، وهو الأعند والاصلب من كل الحسابات الامبريالية والرجعية . وبما ان اي تحول جذري لابد له من سبب لاشعاله ، فالسبب الرئيسي الذي سيشعل الانتفاضة الكبرى القادمة ، إضافة الى الفساد ، والاستبداد ، والطغيان ، وبوْلسة الدولة بعد سرقتها ، وتحويل المغرب الى سجن كبير ، يبقى ملف الصحراء الغربية بما يحمله من حمولات و جروح عاني ولا زال يعاني منها الشعب المغربي المقهور . لقد دخل ملف نزاع الصحراء الغربية المرحلة الأخيرة من عده العكسي ، وجميع المعطيات وتحليلها تجزم بانفصال الصحراء بدعم اممي في غضون السنتين القادمتين ، سواء باعتماد الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، او من خلال إحالة الملف على انظار الجمعية العامة للأمم المتحدة للفصل فيه ، او من خلال الرجوع الى الحرب ، وتدخل الأمم المتحدة لايقافها ، واللجوء الى القانون الدولي ، والى قرارات مجلس الامن ، والجمعية العامة ، والاتحاد الأوربي والافريقي . إن ذهاب الصحراء سيكون المنعطف الخطير الذي سيدفع الشعب الى النزول الى الشارع ، احتجاجا على ضياع خمسة وأربعين سنة بمعاناتها ومآسيها ، واحتجاجا على أرواح الجيش الذي سقط في الصحراء ويعدون بالآلاف ، وسيكون دعوة لتقديم الحساب ومحاسبة الفاشلين المتسببين في انفصال الصحراء . ان شروط التغيير تلقي بظلالها بشكل قوي واكثر من أي وقت مضى ، لأن الجديد اليوم متابعة الدول الكبرى ، والأمم المتحدة ، ومجلس الامن ، والعالم لكل ما سيجري عند نزول الشعب الى الشارع . النظام لا ولن يستطيع اطلاق رصاصة واحدة ضد الشعب لان المحكمة الجنائية الدولية في الانتظار 16 ) موت الاحزاب . الدولة القمعية تفرغ الاحزاب من مضمونها : المغرب في اول دستور، اقر نظام تعدد الأحزاب ، ورفض نظام الحزب الوحيد ، كما رفض الأحزاب الدينية ، والأحزاب الإثنية ، والشوفينية . ان رفض النظام لنظام الحزب الوحيد ، واخذه بنظام التعدد ، لم يكن الهدف منه دواعي الديمقراطية ، وتعدد الآراء ، بل انّ الهدف ، كان هو تشتيت نظام الطبقات التي تعبر عنه الأحزاب ، وكان إيجاد وسيلة لتفريق الرأي العام ، ومن ثم اللعب على الاختلافات بعد تزكيتها ، والدفع بها الى حد الانفجار . اما رفض النظام للأحزاب الدينية ، فكان خوفا من مشاركته تمثيل المسلمين ، واحتكار الدين من قبل الأحزاب ، حتى لا يسقط في الازمة التي عصفت بشاه ايران . لذا سنجد ان الصراع على اشده ، بين النظام الذي يأخذ ( بأمارة امير المؤمنين ) ، ويعتبر ان ما يجمعه مع الامة وليس الشعب ، هو عقد البيعة الذي يعطيه سلطات استثنائية خارقة ، وتعجيزية ، وغير مرئية ، لأنها مستمدة من القرآن ، ومن الإسلام ، فتجعل أي مشكك في هذه التمثيلية ، مارقا، وخارجا عن الاجماع ، وقد يصل الامر الى احد التكفير ، مع ما يستتبع ذلك من نتائج قد ترقى الى جرائم كما حصل مع عمر بنجلون ...... وبين الأحزاب الدينية التي تنافس النظام التمثيلية الدينية ، ولا تعترف له بالتمثيل الديني ، ولا بعقد البيعة التي تصرح بعض الحركات ، ان تكون العلاقة عبارة عن مبايعة تتحدد مقتضاها سلطات الأمير ، او الوالي ، او الملك ، او السلطان ، وانْ تكون مُوثقة بعقد مع ممثلي الامة ( العلماء ، الائمة ، اهل الحق والعقد ، الفقيه ، المرشد .. ) ، وحتى إذا زاغ ولي الامر في سلوكه ، وخرج عن نص العقد، جاز للوصيّين على الدين ازالته وتنحيته . اما رفض النظام للأحزاب الاثنية والشوفينية ، فمرده تجنب اية محاولة لتقسيم الأرض ، وتقسيم الخيرات ، والثروة ، وتقسيم الرعايا الذين هم دائما في خدمة الأمير . فالنظام يريد وحدة الأرض ، حتى يستمر في الاستغلال للخيرات وللثروات ، وحتى يبقى جاهه عظيما وقويا . وهنا نفهم المواجهة الصارمة مع ما حصل بالريف ، كما نفهم تصلب موقفه من نزاع الصحراء الغربية حيث الفوسفاط ، والمعادن ، والسمك . ان تاريخ الأحزاب في المغرب لا يعود الى الخمسينات ، بل يعود الى بداية الثلاثينات من القرن الماضي . وهنا فإننا سوف لا نتناول هذه الحقبة ، لأننا عالجناها في رسالتنا المقدمة في سنة 1987 تحت عنوان " الحركة الماركسية اللينينية المغربية 1965 – 1983 " ، وهي تتكون من 450 صفحة من الحجم الكبير. لان خلال هذه الفترة من التاريخ ، لم تكن الأحزاب تطرح في جدول اعمالها ، مطلب الحكم . لكن بعد الخمسينات وبالضبط بعد الانشقاق الذي عرفه حزب الاستقلال في سنة 1959 ، وتأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من قبل البرجوازية الصغيرة ، تغيرت المطالب السياسية جذريا ، فأضحى الحزب الجديد يركز على مطلب الحكم لا على مطلب الحكومة . فالنموذج الذي كان الحزب يفكر في بناءه ، هو جمهورية برلمانية ليس على الطريقة الاوربية ، بل جمهورية عربية . وهنا سنجد التأثير المباشر لحركة القوميين العرب ، وللحزب الاشتراكي الناصري ، وحزب البعث العربي ، خاصة في شقه السوري ، كما كان هناك تأثير قوي لنموذج الدولة الجزائرية التي كانت تقودها جبهة التحرير الوطني . سيبدأ الصراع السياسي للحزب مع النظام عند طرح المسألة الديمقراطية ، وعند طرح الدساتير على التصويت . فالحزب كان يقاطع كل الاستحقاقات بسبب انها تتم ضمن دستور ممنوح ، وليس دستور الشعب الذي تقره الجمعية التأسيسية . سيصل التصادم اوجهه القصوى بأحداث 3 يوليوز 1963 ، وبالأحداث الذي نظَرت فيها محاكمة مراكش في سنة 1970 ، كما سيصل باندلاع احداث 23 مارس 1965 ، وباختطاف وقتل المهدي بن بركة في 29 أكتوبر 1965 . هذا دون ان ننسى مشاركة الحزب الجنرال محمد افقير ، انقلاب الطائرة في غشت 1972 . فالفقيه محمد البصري قبل الانقلاب ، زار اكثر من مرة الكلونيل أمقران الذي كان يعالج بباريس من ورم سرطاني بالرئة . أدى فشل الانقلاب العسكري ، واختطاف الجنود ، والضباط ، وضباط الصف الذين شاركوا في انقلاب مدينة صخيرات في سنة 1971 ، وانقلاب الطائرة في سنة 1972 من السجن المركزي بالقنيطرة ، وترحيلهم في سنة 1973 صوب سجن تزمامارت الرهيب ، الى اندلاع انتفاضة مسلحة كان يقودها الفقيه محمد البصري رغم انه تنكّر لها وتنكّر لضحاياها ، وهي الاحداث المعروفة ب " احداث خنيفرة مولاي بوعزة .. گلميمة " . الصراع حول وعن الحكم ، لم يقتصر فقط بين النظام وبين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، لكن ستخرج الى الوجود حركات سياسية قوية ، ركزت كل أنشطتها على الحكم ، وليس على الحكومة . فكما ان الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كان يطمح لبناء جمهورية عربية برلمانية ، فان منظمات الحركة الماركسية اللينينية المغربية " منظمة الى الامام " ، " منظمة 23 مارس " ، " حركة لنخدم الشعب " ، ناضلت من اجل بناء جمهورية ديمقراطية شعبية ، رغم الاختلاف بين هذه المنظمات من حيث الارتباط بنظرية ، كالماوية ، او الستالينية . إذن النظام الذي استشعر بالخطر يحدق به من كل جانب ، وشارك فيه حتى الجيش وبالتنسيق مع الاتحاد الوطني ، بدأ يفكر في كيفية تطويع الأحزاب والمنظمات المعارضة ، وبدأ يعمل في اتجاه افراغها من محتواها الثوري ، ومن تحويلها من أحزاب تعارض الحكم ، الى أحزاب تطالب فقط باقتسامه ( الملكية البرلمانية ) على الطريقة المغربية ، الى أحزاب تطالب فقط بالمشاركة في الحكومة ، ليحصل لها شرف تنفيذ وتطبيق برنامج القصر ، وهو ما اضحى واضحا منذ المؤتمر الاستثنائي للاتحاد في يناير 1975 . وللشروع في إنجاح المخطط ، كان لزاما على النظام ان يبحث ، عن قضية او موضوع ، يعطيه بعدا استراتيجيا ، يجعل كل الأحزاب ترتبط به ، وتدور في كنفه . فكان ما ابتكره من عامل لتغيير خريطة القوة ، واستحقاقات المطالب ، هو طرح قضية الصحراء في سنة 1974 /1975 . هكذا نجح النظام في تغيير مطالب الأحزاب ، ونجح في جعلها جزء منه لا ضده ، فاصبح النظام عند الجمهوريين البرلمانيين بمثابة عدو ثانوي ، ولم يعد عدوا أساسيا ، وفي مرحلة قصيرة من الصراع ، سيتحول النظام الى نظام وطني ، ومحرر للأقاليم التي كانت تحت الإدارة الاسبانية . سينجح النظام كذلك بسبب قضية الصحراء ، في بث التفرقة والانشقاق في وسط منظمة 23 مارس ، بحيث أضحت الأغلبية التي كانت تصدر جريدة ب " 23 مارس " في باريس ، جزءا من مواقف النظام إزاء الصحراء ، وبعدما ابتعدت عن منظمة الى الامام التي اطلقت على مناضليها اسم العدمية ، ستنحاز بدون شروط ، للتحالف مع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، وحزب التقدم والاشتراكية . اما المعارضة التي ظلت متمسكة بموقفها ، فهناك المعتقلون السياسيون بسجون النظام ، وهناك " رابطة العمل الثوري ّ التي ستحل نفسها في وقت سابق ، ولتنظم كأفراد ، وليس كتنظيم الى حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي . لقد نجح النظام كذلك ، وبسبب المواقف المختلفة من الصحراء بين جماعة عبدالرحيم بوعبيد الذي كان يراهن على اصلاح النظام من الداخل ، وجماعة الاختيار الثوري برئاسة الفقيه محمد البصري ، وبعد البيان العام الصادر عن المؤتمر الاستثنائي في يناير 1975 ، الى خروج جماعة الفقيه واعلانها الانفصال عن الحزب ، وتأسيس حركة الاختيار الثوري التي راهنت على نزاع الصحراء لقلب نظام الحكم في المغرب . وهنا فالتنسيق كان على اشده مع القيادة في قصر المرادية الجزائرية . ان طرح النظام لقضية الصحراء ، سيعجل ببث الاختلافات الجذرية بين رفاق الامس " القاعديون " و " رفاق الشهداء – رفاق المهدي وعمر " ، كما سيتسبب في عرقلة اشغال المؤتمر الوطني السادس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، وسيتسبب في افشال المؤتمر الوطني السابع عشر في سنة 1982 . وهو نفس الفشل سيكون مصير اللقاء التنسيقي بين منظمة الى الامام ، وحركة الاختيار الثوري بجامعة نونتير في باريس في سنة 1978 . إذن كيف استطاعت الدولة البوليسية ان تفرغ الأحزاب من مضامينها ليس الثورية ، بل حتى الإصلاحية ، وتحولها الى كائنات صدفية فارغة أصبحت ملتصقة بالدولة ، وليس هذه من يلتصق بها ، كما كان الحال في الستينات وسبعينات القرن الماضي ؟ الدولة البوليسية البارعة في المقالب المختلفة ، وحبك المؤامرات المتعددة ، كانت تضع في أولوياتها في المعالجة ، الاهتمام ، والانكباب على الأحزاب الكبرى التي كان لها صيت داخلي ، ولها صيت خارجي من خلال الشعارات المرفوعة ، والأيدولوجيات المُعتنقة . لذلك فهي لم تكن تهتم بالأحزاب الصغيرة الاّ نادرا ، حين تبدأ بالظهور داخلها ، تيارات قد تخلق بعض الازعاج المُركّب ، لعمل الدولة في التصدي للأحزاب الكبرى ، او تيارات قد تعطل هدف الدولة البوليسية الرئيسي الأول ، وتضعف من مستوى معالجته للظاهرة قيد الاهتمام . وفي سبيل الوصول الى تهجين الأحزاب المعارضة ، والانتهاء بتركيعها ، بعد ان دفعت بها للقطع جذريا مع ماضيها الذي يميزها ، فهي عملت على تلغيمها ، واختراقها ، بدسّ الموالين على مستوى القيادة والاطر المتقدمة ، والدفع بهم لاحتلال مراكز مهمة في المكاتب السياسية ، والكتابات الوطنية ، واللجان الإدارية ، كما كانت تشرف على اعداد موالين بالقطاع الطلابي ( الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ) ، والدفع بهم الى الالتحاق بتلك الأحزاب ، اثناء العمل الطلابي ، وعند التخرج من الكلية ، فهم كانوا عيون البوليس في الجامعة حيث تتواجد فصائل طلابية متعددة ، وعيون البوليس في الحزب ، ومن خلالهم عيون في الأحزاب الأخرى ، بحكم التنسيق ، والعمل المشترك بين الأحزاب ، بغية استعمالهم في التحكم في مفاصل الأحزاب ، والتحكم في حركتها ، بخلق لوبيات من الوشاة العملاء ( تيارات ) ، الذين تكون مهمتهم بالطبع ، وبعد التوجيهات هي العرقلة ، وعند الاقتضاء الشروع في الانشقاق لإضعاف الأحزاب . كان الاهتمام الأول للدولة البوليسية منصبا على حزب الاتحاد الوطني / الاشتراكي للقوات الشعبية . فبعد الانتفاضة المسلحة في 3 يوليوز 1963 ، والاحداث التي تسببت في محاكمة مراكش في سنة 1970 / 1971 ، والمشاركة في انقلاب الطائرة في سنة 1972 ، مرورا بأحداث 3 مارس 1973 المسلحة . وقبلها المواقف السياسية الجذرية التي اتخذها الحزب منذ طرح اول دستور ممنوح ، ومن البرلمان ، أضحت الحاجة ماسة لضبط التوازنات ، والتحكم في السلوكات ، وتوجيه العمل الحزبي بما يصب في مشاريع النظام ، ويصب في مخططاته . هكذا وبعد دفع الموالين العملاء داخل الحزب للتحرك ، ستأتي قرارات 30 يوليوز 1972 ، لتؤسس لنمط حزبي جديد عمّا ساد قبل هذا التاريخ ، وساد منذ الانفصال عن حزب الاستقلال في سنة 1959 ، وتأسيس الحزب الجديد " الاتحاد الوطني للقوات الشعبية " . فقرارات 30 يوليوز ستقسم الحزب الى جناحين لا تنظيمين : جناح الرباط الذي سيصبح طيّعاً لتنفيذ قرارات الملك ، وهو ما اطلقوا عليه بالجناح السياسي التقدمي ، وجناح الدارالبيضاء الذي ارتبط بنقابة الاتحاد المغربي للشغل . بعد الانتفاضة المسلحة في 3 مارس 1973 ، وبعد فشل انقلاب الطائرة ، سيتدخل الحسن الثاني شخصيا ليفرض على عبد الرحيم بوعبيد اسم " الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية " ، بدل " الاتحاد الوطني للقوات الشعبية " ، وذلك للقطع مع تاريخ هذا الحزب في مواجهة النظام ، ومحو فكرة مطلب الجمهورية من اجندات الحزب ، وحتى يصبح الحزب الجديد " الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية " جزءا من النظام لا خارجه ، مدافعا عن النظام لا ضده ، وحتى يوظفه احسن توظيف ، في التخندق الى جانب أطروحة القصر من نزاع الصحراء الغربية . في هذا الباب وحتى يتم القطع النهائي مع ماضي الاتحاد الراديكالي الثوري ، سيدفع الحسن الثاني بقيادة الاتحاد الموالية برئاسة عبدالرحيم بوعبيد الى عقد المؤتمر الوطني الاستثنائي في يناير 1975 ، الذي حول الحزب من حزب ثوري هدفه الجمهورية ، الى حزب إصلاحي برلماني ، اضحى متشبثا ب ( المنهجية الديمقراطية ) التي تراوحت من الملكية البرلمانية على الطريقة المغربية ، أي تنازل الملك عن البعض من سلطاته ، لفائدة نظام نيو- ملكية تنفيذية ، بمسحة نيو- ديمقراطية مغربية . لكن الأساس كان هو الالتفاف عن المطالب الديمقراطية الحقيقية ، التي ستصل مع التقدم في معركة الصحراء ، الى مجرد المطالبة بالمشاركة في الحكومة وليس في الحكم ، تحت قيادة ملكية بررت اطلاقيتها ( مطلقة ) ، باسم الظروف الاستثنائية التي يمر منه المغرب بسبب حرب الصحراء . هكذا ستنجح الدولة القمعية في افراغ الحزب من كل مضامينه بما فيها الإصلاحية ، وتحولت المنهجية الديمقراطية من نيو – ملكية تنفيذية باسم نيو - ديمقراطية مغربية ، وستنجح في تغيير المعنى الحقيقي من المنهجية الديمقراطية ، ليصبح مختزلا في المشاركة في انتخابات صاحب الجلالة ، والمشاركة في حكومة الملك ، للحصول على شرف تطبيق برنامج الملك ، الذي يعطيه الدستور كل السلط ومفاصلها ، ويجعل منه وحده الممثل الاسمى للامة ، وليس برنامج الحزب الذي يختفي لصالح برنامج القصر، بمجرد الإعلان عن نتائج الانتخابات . وإذا تمعنّا في الصورة المأساوية للحزب الذي تحول الى اسم لشگر ، وفقد تاريخه الذي اصبح مختزلا فقط في العنوان كعلامة تجارية للاسترزاق ( البرلمان والحكومة ) ، لجزمنا من ان الدولة البوليسية نجحت في اخضاع وتركيع الجميع ، ولجزمنا ان ما يسمى بالأحزاب الصدفيات الفارغة تعيش على حساب النظام لا العكس . لقد عيّن الحسن الثاني في المؤتمر الخامس للحزب ،عملاءه وعيونه فيه ، عبدالواحد الراضي ، وفتح الله ولعلو ، وفرضهم على عبدالرحيم بوعبيد الذي ادخلهم الى المكتب السياسي ، في حين عيّن ادريس البصري العديد من الكتاب العامين للكتابات الوطنية بالمدن الكبرى ، فاصبح بالحزب عيون تعمل مباشرة مع الملك ، وعيون أخرى تعمل مع وزارة الداخلية . وما حصل للاتحاد الاشتراكي ، نفسه حصل لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي ، ولحزب التقدم والاشتراكية ، ولحزب الطليعة ، و الاشتراكي الموحد ، وحصل للكنفدرالية الديمقراطية للشغل – حزب المؤتمر . الجميع اصبح أحزابا ملكية بامتياز . إنّ ما كان يجهله الفاعلون السياسيون ، والفاعلون المشتغلون بالسياسة ، انه كان هناك صراع خفي بين أحزاب القصر ، وبين أحزاب وزارة الداخلية ، وهو صراع كان يُدار بشكل سرّي ، وسلس ، وبدون ادراك القصر لحقيقة الصراع ، بسبب التعتيم الذي كانت تمارسه الوزارة على القصر . فعندما كان يتضح لديوان الوزير ان حزبا ما ، بدأ يحاول الابتعاد ، او يحاول ان يتخلص من سلطة الداخلية بالهروب الى الاحتماء بسلطة القصر ، كانت الآلة البوليسية تحرك بسرعة البرق، لتحدث انشقاقاً في الحزب الذي يحاول التخلص من سلطة الداخلية ، فكانت تدفع بجواسيسها الى الانتفاضة التي تنتهي بأسيس حزب جديد ، يكون في يدها للتحكم في الساحة ، وفي مصدر المعلومة . هنا نذكر بخروج الحزب الوطني الديمقراطي عن حزب التجمع الوطني للأحرار الذي زعيمه هو صهر الملك ، وخروج جبهة القوى الديمقراطية عن حزب التقدم والاشتراكية ، وخروج الحزب الاشتراكي عن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ، وخروج مجموعة الثمانية برئاسة العنصر عن الحركة الشعبية .....لخ . لقد نجحت الدولة البوليسية في تركيع الأحزاب ، ونجحت في تحويلها الى مجرد صدفيات تتحرك بالعنوان ، وليس بالمضمون ، كما جعلتها تعيش على حساب القصر الذي أصبحت تتسابق لخدمته ، حتى يحصل لها شرف تنفيذ برنامجه . لكن الذي لم تنتبه له الدولة البوليسية ، انها تسببت في قتل الأحزاب التي كانت تلعب دور المتنفس الوحيد للازمات ، وبعد ان جعلت الساحة فارغة وعاقرة ، تكون قد تسببت للنظام الذي مكنّها من المغرب ومن المغاربة ، في اكبر خطر يواجهه ، الذي هو الفراغ . وحيث ان الطبيعة لا تقبل الفراغ ، فإن هذا ، ومع خصوبة الساحة ، والوضع الاجتماعي المتفاقم ، والآخذ نحو الأكثر من التدهور ، واستفحال الازمة الاقتصادية ، وثقل حرب الصحراء المهددة بالانفصال ، والارتفاع المهول للأسعار ..... قد يسبب في الطوفان القادم ، وقد يسبب في الدخول الى المجهول . ان اعظم خدمة سددتها الدولة البوليسية للشعب ، هي انها عزلت نفسها ، وعزلت معها النظام ، شعبيا وامميا ، ووسعت من القاعدة العريضة للمعارضة الشعبية ، التي لا تقودها الأحزاب الملكية ، بل تقودها الجماهير الشعبية عبر طول ربوع المغرب . ان ما حصل بجرادة ، والريف ، وصفرو ، وزاگورة ...... وان انتفاضة 20 فبراير ، لم تكن من صنع الأحزاب التي تتآمر وتآمرت عليها ، بل كان من صنع الجماهير والشباب الواعي الرزين المعطل، رغم توافره على شواهد جامعية . فالمعارضة اليوم لم تبق نخبوية كما كان الحال سابقا ، بل أصبحت معارضة جماهيرية وشعبية ، يقودها شباب نبعوا من قلب الشعب ، وليس من قلب الحكم . هكذا تكون الدولة البوليسية ، ببطشها ، واستبدادها ، وقمعها ، وارهابها ، وبسبب امّيتها ، قد ساهمت من حيث لا تدري ، في استحضار أسباب الطوفان او المجهول ، وتكون قد ساهمت من حيث لا تدري ، في توسيع قاعدة المعارضة للاختيارات اللاّشعبية واللاّوطنية . فشكرا للدولة البوليسية البليدة .
#سعيد_الوجاني (هاشتاغ)
Oujjani_Said#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الخيانة الكبرى . خيانة الوطن
-
الدولة القهرية ، الجبرية ، الاستبدادية والطاغية
-
تجسيد الدولة النيوبتريمونيالية ، والنيوبتريركية ، والنيورعوي
...
-
اللقاء الصحافي للرئيس الجزائري مع الملجة الفرنسية ( لوبْوانْ
...
-
هل من قاسم مشترك بين اقليم كتالونية ، وبين الصحراء الغربية
-
معركة قضائية بين النظام المغربي ، وبين جبهة البوليساريو بمحك
...
-
أحسن عنوان لما سمّوه ب ( النموذج التنموي الجديد ) هو - هل فه
...
-
النظام السياسي .. تحليل وتفكيك بنية الدولة المخزنية
-
سفيرة فرنسا في الرباط
-
إسبانية تزيد في اهانتها وتحديها للنظام المغربي
-
أين المعارضة ؟
-
الدولة الديمقراطية
-
الوضع القانوني للگويرة .
-
الجواز الجزائري لا يعني الجنسية الجزائرية / قضية ابراهيم غال
...
-
رسالة الى الامين العام للامم المتحدة 19 ابريل 2021 / - حركة
...
-
المراهنة على الوهم وبيعه الى المغاربة
-
تطور قضية ابراهيم غالي زعيم البوليساريو / اسبانيا والصحراء
-
العقلية الامريكية المكيافيلية في التعامل مع اطراف نزاع الصحر
...
-
ألاسباب الحقيقية وراء فرض حالة الطوارئ في المغرب .
-
المحكمة العليا الاسبانية وقضية زعيم البوليساريو ابرااهيم غال
...
المزيد.....
-
جثة وضعت بجوار راكب خلال رحلة طيران قطر.. والمسافر يعلق
-
في أعماق الأرض.. هل تجرؤ على دخول هذه المدينة الخفية بتركيا؟
...
-
لقطات تظهر اقتراب طائرتين من نقطة الاصطدام في مطار أمريكي
-
فرنسا تفرض قيودا على حركة ودخول -شخصيات جزائرية- وتتوعد بمزي
...
-
مصدر إسرائيلي يوضح لـCNN مضمون الاتفاق الجديد مع حماس
-
هولندا: متحف ريكسميوزيم يبدأ بترميم -الدورية الليلية- لرمبرا
...
-
أوكرانيا تكثف هجماتها وروسيا تعلن إسقاط 128 مسيرة
-
الشعر مرآة تعكس صحة الجسد .. كيف ذلك؟
-
فن استعادة الوقت الضائع!
-
زيلينسكي يشتري -أغلى تذكرة سفر- في التاريخ إلى واشنطن.. ترام
...
المزيد.....
-
الخروج للنهار (كتاب الموتى)
/ شريف الصيفي
-
قراءة في الحال والأداء الوطني خلال العدوان الإسرائيلي وحرب ا
...
/ صلاح محمد عبد العاطي
-
لبنان: أزمة غذاء في ظل الحرب والاستغلال الرأسمالي
/ غسان مكارم
-
إرادة الشعوب ستسقط مشروع الشرق الأوسط الجديد الصهيو- أمريكي-
...
/ محمد حسن خليل
-
المجلد العشرون - دراسات ومقالات- منشورة بين عامي 2023 و 2024
/ غازي الصوراني
-
المجلد الثامن عشر - دراسات ومقالات - منشورة عام 2021
/ غازي الصوراني
-
المجلد السابع عشر - دراسات ومقالات- منشورة عام 2020
/ غازي الصوراني
-
المجلد السادس عشر " دراسات ومقالات" منشورة بين عامي 2015 و
...
/ غازي الصوراني
-
دراسات ومقالات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع - المجلد
...
/ غازي الصوراني
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
المزيد.....
|