|
آلة التشبيه
راتب شعبو
الحوار المتمدن-العدد: 6215 - 2019 / 4 / 29 - 15:12
المحور:
الادب والفن
في الليل تتحول القرية الطرابلسية الممتدة على سفح الجبل إلى مجموعة أضواء متناثرة بشكل عشوائي. في نوبات الحراسة الليلية المتكررة صارت هذه الصفحة السوداء التي تلونها بقع الضوء الأصفر، الموزعة كيفما اتفق، تشبه قريتي الأصلية أكثر فأكثر. مجموعة الأضوية تلك في منتصف اللوحة كانت "حارة الوسط"، حيث توجد حنفية طويلة عامة على جانب الطريق أمام المدرسة. ونسق الأضوية ذاك هو "الشارع"، الذي كان يمكنني إذا مررت فيه أن أبحث عن سعادة غامضة معلقة كفستان على حبل غسيل معدني فوق سطح بيت البنت التي وهبتها قلبي دون رجعة. والكوكبة الصغيرة من الأضوية المعزولة إلى يمين اللوحة هي "الدولود"، ذلك النبع العذب من البشر، الذين ما أن تتفتح أجنحتهم حتى يطيرون في كل اتجاه، مفضلين الابتعاد عن المصدر حتى ولو باتجاه السجون أو السموات. يخدعني النهار فيبدو سفح الجبل غريباً عني، وتتبخر قريتي وأصبح بعيداً عن مكاني. أنشغل فيما يمليه علي التحاقي بالمعسكر من تدريبات ودروس. ولكن يشغلني التشبيه أكثر. في النهار يعسر على آلة التشبيه أن تعمل بسهولة عملها في الليل، الليل يخفف الفوارق: طريقة الملازم قاهر في شرح سبل تفخيخ الطرود البريدية تشبه طريقة استاذنا للعلوم في تشريح الضفدع. الملازم قاهر الذي ذهب إلى كوبا وهو يبحث عن طريق إلى فلسطين، أخبرنا أننا سنقابل غداً الفلسطيني الذي يتحول التراب بين يديه إلى بارود. كان أبو أحمد في أواسط العمر، يستغرق في شرح عملية اغتيال مفترضة كما يستغرق مطرب في الغناء. لم تدهشني أفكاره الغريبة بقدر ما أدهشني شبهه الكبير بأهم صياد سمك في قريتنا. حتى إبهام أبي أحمد كانت مبتورة كإبهام صبحي، وسنه الأمامية مكسورة مثل سن صبحي. راح يشرح أبو أحمد كيف توضع القنبلة بعد نزع مسمار الأمان في كأس ثم توضع الكأس وراء باب الشخص المقصود قتله، فإذا فتح الباب سوف تسقط الكأس وتنكسر ويتحرر أمان القنبلة وتنفجر، وسوف يقتل الهدف "فيش مجال". بينما هو يشرح هذا كنت أسمع صوت صبحي وأرى حركاته وهو يتباهى بطريقته في "ضرب الديناميت" لاصطياد السمك، وجرأته في تقصير الفتيل إلى حد أن ينفجر الضرب لحظة دخوله الماء، لكنه انفجر مرة قبل أن يغادر يده فطار إبهامه، يروي صبحي هذا وهو يضحك ساخراً. صلعة الرائد عمر تشبه صلعة خالي، وجبينه كجبينه، ولكنه حين يغضب وترتجف ذقنه ويبدأ بإطلاق الرصاص الحي بين أرجلنا من الإم سكستين التي لا تفارق يده، فإنه يصبح الرائد عمر الذي لا شبيه له، والذي لقلبه شكل خارطة فلسطين كما كان يؤكد. هذا الجدول الصغير الذي نغسل وجوهنا منه صباحاً، يشبه قليلاً ساقية "عين الجديدة"، ينقصه شجرة الزيزفون الكبيرة، وفروع الريحان التي تغمس وريقاتها في الماء وتمشي مع التيار حتى يشدها أصلها، فتعود طائرة إلى وضعها الأول لتبدأ رحلة أخرى مع التيار. آلة التشبيه لا تكل، تريد أن تغسل الغربة عن المكان والوجوه، لتخلق لك مكاناً أليفاً. لا تهدأ، تحذف وتضيف وتعدل، تقسو هنا وتتنازل هناك، تفلح هنا وتفشل هناك، إلى أن يعود الليل ويفرش أمامي من جديد قريتي الأصلية، كي أسند ذقني على سبطانة البارودة الروسية وأبدأ بتفقد البيوت. الأضوية اليوم أقل. العائلات التي تذهب للسهر عند عائلات أخرى تطفئ أضواء بيتها. العائلات المتعبة تنام باكراً أيضاً. انتهى المعسكر قبل أن يحسم الصراع الدائم بين آلة التشبيه والغربة. عدت إلى مكاني وعادت آلة التشبيه إلى هجوعها، فلا غربة ولا غرباء تطردهم أو تطوّعهم. بعد عشرات السنين، تنهض آلة التشبيه من جديد. في قاعة الانتظار، لا يكف الرجل والمرأة المجاوران عن الحديث بصوت مسموع ولكن بلغة غريبة. تنهض آلة التشبيه ولكنها تعجز عن التشبيه. غير أن شيئاً بريئاً وساذجاً في داخلك يتبرع، مع ذلك، كي يقنعك بأن هذا الرطن الثقيل ما هو إلا سحابة عابرة، فتقتنع، وتنتظر أن يستحي المتحدثان بعد كل هذا الرطن ويبدآن التحدث بالعربية. المهمة أصعب بكثير هنا. المسافات بعيدة والفوارق كبيرة، أكبر من أن يبددها الليل. تتعثر آلة التشبيه في غسل غربة المكان، فتتراجع إلى تطويع الجزئيات. هذا المرج الأخضر بزهور الأقحوان الصغيرة فيه، يشبه تماماً قطعة من "المرجة"، البستان الذي كنت تحب أن تقضي أماسيك فيه. وأشجار الحور البعيدة تلك تشبه صف الحور على طول ساقية القرية .. الخ. غير أن المشابهات الجزئية تذوب في الغربة الأعم. تخبو مجدداً آلة التشبيه، وتهزم أمام آلة الاعتياد. تعتاد على اللاتشابه. ولكن فجأة، وأنت تسير عائداً إلى بيتك الغريب، تلمح أخاك يسير أمامك. قامته المعتدلة، ومشيته المرنة التي ورثها عن أمك، وشعره العسلي الخفيف. تبطئ السير حتى تتأمله أطول فترة ممكنه. تريد للحظات أن تعيد صياغة عموم المكان لينسجم مع هذا التشابه العابر، قبل أن يقرر الشبيه الاستدارة وتهشيم الهوية المتخيلة.
نيسان 2017
#راتب_شعبو (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حديث اللبن
-
أطفال سورية
-
العلويون، عزلة ثانية
-
رفة عين اسمها الاستيقاظ
-
خيانات مضمرة
-
براميل على الذاكرة
-
-المقامر- على أضواء سورية
-
الموت تحت التعذيب
-
بيت في المخيم
-
إرهاب ضد الإرهاب
-
البلد العابر للسياسة
-
النساء في الثورة السورية
-
من الذي قلع عين الرئيس؟
-
حزب السيارة الزرقاء
-
عميد مغلق وباب مفتوح
-
الطبيب المسكين وفخامة الجريح
-
يا حيوان ليش ما قلت انك -منهم-؟
-
تموت وتاكل غيرها
-
موت الرواية
-
أرض الألغام
المزيد.....
-
عرض جواز سفر أم كلثوم لأول مرة
-
مسيرة طبعتها المخدرات والفن... وفاة الممثلة والمغنية البريطا
...
-
مصر.. ماذا كتب بجواز سفر أم كلثوم؟ ومقتنيات قد لا تعلمها لـ-
...
-
أساطير الموسيقى الحديثة.. من أفضل نجوم الغناء في القرن الـ21
...
-
السعودية.. رحيل -قبطان الطرب الخليجي- وسط حزن في الوسط الفني
...
-
مصر.. كشف تطورات الحالة الصحية للفنان ضياء الميرغني بعد خضوع
...
-
-طفولة بلا مطر-: المولود الأدبي الأول للأكاديمي المغربي إدري
...
-
القبض على مغني الراب التونسي سمارا بتهمة ترويج المخدرات
-
فيديو تحرش -بترجمة فورية-.. سائحة صينية توثق تعرضها للتحرش ف
...
-
خلفيات سياسية وراء اعتراضات السيخ على فيلم -الطوارئ-
المزيد.....
-
مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111
/ مصطفى رمضاني
-
جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
رضاب سام
/ سجاد حسن عواد
-
اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110
/ وردة عطابي - إشراق عماري
-
تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين
/ محمد دوير
-
مذكرات -آل پاتشينو- عن -العرّاب-
/ جلال نعيم
-
التجريب والتأسيس في مسرح السيد حافظ
/ عبد الكريم برشيد
-
مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة
/ د. أمل درويش
-
التلاحم الدلالي والبلاغي في معلقة امريء القيس والأرض اليباب
...
/ حسين علوان حسين
المزيد.....
|