بهلول الكظماوي
الحوار المتمدن-العدد: 1517 - 2006 / 4 / 11 - 06:48
المحور:
كتابات ساخرة
( بغداديات )
بداية : احب أن اسجّل أسمى آيات شكري و امتناني للاخوة الذين اتصلوا بي مستفسرين عن حالتي الصحيّة و الذين يدعون لي بالشفاء , هؤلاء الذين أدين لهم بعد الله بالبقاء على قيد الحياة رغم صعوبة مرضي واشتداد حالته , معاهداً إياهم أن أكون دائماً و أبدا و حتى الرمق الأخير مدافعاً عن قضية شعبي الجريح , هذا الشعب الذي افتقر من بعد غنى , وجاع و هو يجلس على بحيرة عائمة من الذهب الأسود الذي يتمتع بثروته هذه كل ضباع الأرض و وحوشها المفترسة في حال هو ( الشعب العراقي المظلوم ) يحصد الجوع و التشرد و المرض و الإرهاب و الحرمان من ابسط مقومات الحياة البشرية , متقرباً بهؤلاء المظلومين إلى الله تعالى راجياً أن يشفع لي بحق مظلوميتهم يوم لا ينفع فيه مال و لا بنون .
البغداديّة :
يحكى انه كان بإحدى القرى الكردية في شمال عراقنا الحبيب مسجداً يؤمّه الناس بكثرة , وذلك بفضل امام جماعته , اذ كان شيخاً جليلاً عالماً حكيماً, عطوفاً على الناس, فاعتاد الناس على مشورته و مساعدته في كل صغيرة و كبيرة .
و بمرور الأيام وجد شيخنا الجليل أن المصلّين خلفه بدءوا يقلّون شيئاً فشيئا , إلى أن وصلت الحالة إلى أن يلتفت ورائه في آخر الأيام ليجد انهم لا يتجاوزون الثلاثة أشخاص فقط .
فسألهم عمّا جرى لأخوتهم الباقين, فصارحوه : إن الشيخ ( فلان ) امام المسجد الجديد و الذي قدم حديثاً إلى القرية قد استقطب الناس من حوله , فهو يتسامح معهم في الحقوق الشرعية و يختصر لهم الكثير من العبادات و الواجبات المفروضة, ونتيجة لحذاقته و لباقته جعل الناس البسطاء الطيبين يلتفّون حوله و يتركوا الشيخ الجليل الذي طالما خدمهم و ضحى براحته لأجلهم.
هنا حزّ في نفس الشيخ الجليل و ارتأى أن يخرج أحد الشيخين من القرية من أجل أن لا يتفرّق الناس , فدعى إلى مناظرة بينه و بين الشيخ الجديد .
وبالفعل حدد يوم معين من أجل المناظرة و المباراة بالعلوم الدينية فيما بين الشيخين و كانت الآلية المتبعة أن تكتب الأسئلة على ورقة و تقدّم إمام الجميع ليجيب عليها الطرف الممتحن , ومن يسقط منهم في ثلاثة أجوبة يتوجّب عليه الخروج من القرية و تركها للشيخ الفائز.
و قاد دهاء الشيخ المحتال ( الشيخ الجديد الوافد إلى القرية ) و مكره بأن يشترط على ألاّ يكون الجواب بالنفي كلمة ( الله اعلم ) فامّا أن يقول الممتحن في جوابه بما يعلمه , أو يقول لا اعلم .
و حينما حانت ساعة الامتحان تملّص الشيخ المحتال من أن يكون الأول بحجّة أن الشيخ الجليل هو الأكبر في السن إضافة إلى أقدميته في القرية و إن من الأدب يتوجب عليه أن يقدّمه على نفسه بالامتحان .
وابتدأ الامتحان , فأخذ المحتال يسأل الشيخ القديم سؤاله الأول على ورقة كتب عليها ( متى ستموت ؟ ) و كان السؤال موجّهاً باللغة العربية التي لا يتقنها سكان القرية , فلم يستطع الشيخ الجليل إلا أن يقول مجيباً بالكردية ( نيزانم ) أي بمعنى : لا ادري! و ذلك لان من شرط المباراة أن لا يقول ( الله اعلم ) , بل يقول : لا ادري أو يقول ادري و يجيب .
أما السؤال الثاني فكان مفاده : ( ماذا ستلد زوجتك , أغلاماً أم بنتاً ؟ ) فكان من الطبيعي أن يجيبه بكلمة ( نيزانم ) أي لا ادري !
أمّا السؤال الثالث فكان : ( أين هو أبوك المتوفّى , أفي الجنّة أم في النار ؟ ) و كان الجواب كذلك ( نيزانم ) !
و حينذاك ضجّ الناس بالتكبير و التهليل إعجابا و إكبارا بالشيخ المحتال !
و كان لزاماً على شيخنا الجليل أن يترك القرية حسب الاتفاق المبرم .
و لكن قبل تركه لقريته التي ولد و ترعرع فيها و سبق أن عقد له اللواء لزعامتها و ادارتها و خدمة اهلها وامامة مصليها لعقود من السنوات , عزم صاحبنا الشيخ الجليل على الاّ يغادر قريته قبل ان يثأر لنفسه و لاهل قريته من الحيف الذي اصابه من المحتال الجديد و يلقّنه درساً قبل أن يرحل فقال للشيخ المحتال إمام جميع المؤمنين :
أنا اعترف بعلميتك و رجاحة عقلك التي تغلبت بها علي , ونحن عندنا عادة أن نتبرّك بهكذا عالم جليل مثلك بأن نأخذ شعرة من شعرات لحيته نتبرّك بشمها و تقبيلها بعد كل صلاة !
ولمّا كان طلب الشيخ الجليل من الشيخ المحتال بسيطاً , لبّاه له في الحال , بل أعطاه عدّة شعرات بدل الشعرة الواحدة , أخذها الشيخ الجليل ليضعها بين طيات منديله و يخرج مودعاً قريته على كره منه ! ... و لكن ؟
و هذه الـ ( لكن ) فتحت عليه باباً لبقية الناس , فأتى كل واحد منهم طالباً شعرة من شعرات لحية الشيخ المحتال إلى أن أتوا على جميع لحيته فاصبح املطاً.
و ألان عزيزي القارئ الكريم :
يبدوا أنّ بعض المغرّر بهم استجابوا من حيث يشعرون , أو من حيث لا يشعرون لفتن و دسائس البعثيين و التكفيريين إضافة لضعاف النفوس من الحوزة النفعية البراغماتية الذين همهم ما يعتلفونه من أقوات و يمتصونه من دماء المستضعفين .
يبدوا انهم استجابوا لضغوط البعثيين و التكفيريين المسدّدين بدعم أسيادهم الانكلو أمريكان لتنحية من اختاره الشعب العراقي عبر انتخابات شرعية شارك فيها اكثر من أحد عشر مليون عراقي خرج لأدائها بدمه متحدياً فيها مفخخات الإرهاب .
نعم خرج شعبنا الجبار رغم علمه بمخاطر و وعورة الطريق بكل نسائه و رجاله شباباً و شيوخا مصوتين لمرشحهم المطلوب بديمقراطية شفافة اتفق عليها الجميع بما فيهم الذين رفضوها بعد أن تبينت لهم خسارتهم لها فيما بعد .
أنا شخصيّاً لا أعير أهميّة لأيتام حزب البعث العفن أو لمرتزقتهم الإرهابيين أو لأسيادهم الانكلو أمريكان و مبعوثيهم سواء كانت السيدة ( القندرة رولز رايز , أو الجايف سترو , أو الزمال خليل زاد ) .
و كذلك لست قلقاً على الأحد عشر مليون ناخب من شعبنا العراقي الصابر المجاهد و عن مصير جهودهم التي بذلوها رغم الأخطار التي كانت محدقة بخروجهم للتصويت , لأنهم أدوا تكليفهم الشرعي و واجبهم الوطني أولا , و لأنهم يعرفون سلفاً أن طريق الحق محفوف بالوعورة و المطبّات و بناء الوطن يحتاج منهم اكثر من هذه التضحيات و قد تعودوا منذ آماد بعيدة على التغلّب على الصعاب و الصبر في الملّمات.
ولكن كلّ قلقي ينصب على مصير دنيئي النفوس البراغماتيّين الذين سال لعابهم لّلعبة القذرة التي يلعبها البعثيون و التكفيريون المدعومين بخطط خبيثة و طبخات معلبة من أسيادهم الانكلو امريكان.
هذه اللعبة التي ضنّوا انهم ( البراغماتيون ) سيكون لهم نصيب من كعكتها , بينما هي ستطيح بهم لاحقاً ناتفةً لحاهم واحداً بعد آخر كما هو حال صاحب قصّتنا البغداديّة أعلاه .
و عندها سيتحقّق المثل العربي المأثور الذي يقول :
من حفر بئراً لأخيه وقع فيه .
و دمتم لأخيكم : بهلول الكظماوي .
أمستردام في 10 – 4- 2006
e-mail:[email protected]
بغدادية عاجلة :
بعد القاء تحية الصباح و نحن نلتقي صدفة في الطريق العام صباح هذا اليوم بادرني السيد ( سحس ) بالمثل العراقي قائلاً :
( يا حاج انّ صاحبنا زرب بالجدر و حرم العيال ).
و ( سحس ) حسين المصري هذا كنت قد تعرفت عليه في العراق قبل اكثر من عشرين عاماً اذ كان يزور اصدقاءه من المصريين الذين كانوا يشتغلون في معملي بالعراق .
مكث سحس اكثر من عشرة اعوام في العراق ليغادر بعدها الى العمل في جنوب لبنان احد اهم معاقل حزب الله .
ثم التقيته قبل عامين في امستردام اذ قدم للعمل في هولنده , لكنه لا يزال يحلم ان تتحسن الاوضاع في العراق ليرجع اليها لقناعة لديه و لدى الكثير من العمال المصريين الذين جالوا كل بلاد الدنيا و خاصة الدول الخليجية العربية منها فلم يهنئوا بعيش و لم تطب لهم اقامة شريفة بعيداً عن الذل و الاهانةالاّ في العراق.
و المثل : زرب بالجدر او حرم العيال تقال بمعنى انه تغوّط في قدر ( طنجرة ) الطهو و حرم عائلته من استعماله .
وكان سحس يقصد بها ان الرئيس المصري حسني مبارك حينما صرّح ليلة امس لقناة العربية الفضائية بأنّ الشيعة ولائهم ليس لدولهم , حرمت هذه التصريحات العمال المصريين من العودة للعمل في العراق مستقبلاً بعد ان تهدأ الاوضاع انشاء الله حيث سيشهد البلد حركة اعمار و بناء عملاقة تتسابق عليها كل شركات العالم و تستقطب عمال من شتى بقاع الارض و العامل المصري اولى من غيره لانه سبق و ان عمل في العراق , وقد فاق عدد العمال المصريين منتصف الثمانينات في العراق و تجاوز عددهم الخمسة ملايين عامل.
فطمأنت الاخ حسين المصري ( سحس ) بانها لا تزر وازرة وزر اخرى , فما ذنب العمال المصريين ان يؤخذوا بجريرة رئيسهم .
و حتى رئيسهم قد يكون قد استقى معلومات خاطئة مررتها له جهات تقصد الاساءة الى الشعب العراقي,
فلكل جواد كبوة , وآمل منه ان يتدارك الامر و يصحح معلوماته.
مع كل تحيتي و محبتي لاخوتي المصريين الثمانية و العشرين عامل الذين كانوا يعملون معي في معملي في العراق .
#بهلول_الكظماوي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟