حسين علوان حسين
أديب و أستاذ جامعي
(Hussain Alwan Hussain)
الحوار المتمدن-العدد: 5982 - 2018 / 9 / 2 - 16:17
المحور:
الادب والفن
لعل من المناسب في ختام وصف أول دورين من هذا الموشح أن أتطرق إلى دوزانهما البنيوي الفريد موسيقياً . من الناحية النحوية ، هناك أولاً تكرار متتالي مشهود للأفعال في الدورين ( عشرة أفعال في أثني عشر سطراً : يُزهر ، أغمضَ ، تَنَمْ ، تَرَك ، غَدَى ، غادَر ، يبقَ ، مَرّ ، يُحرّك ، يَجْمَع) . هذا الترصيع المكثف بالأفعال منتظم في كل الموشح ، مثلما سأبين . كما أن هناك ما اسميه بتصريع الأقفال في الدورين , و المقصود به مناظرة القوافي للسطرين الأخيرين فيهما :
قفل الدور الأول :
تَرَكَتكَ أيامُ الهوى ،
فَغَدَوْتَ أيّامَ الألمْ .
قفل الدور الثاني :
مرّ بينَ الطاولاتِ يُحرّك المَوتى ،
ويجمعُ آخرَ الكاساتِ من بَين الرِمَمْ .
و هناك ايضاً التكرار الآتي عفو الكلام لجموع المؤنث السالم : (الجهاتِ ، الحاناتِ ، الذكرياتْ ، الطاولاتِ ، الكاساتِ) . و أخيرا ، و ليس آخراً ، هناك التكرار المنتظم و المحسوب لأصوات (صويتات = فونيمات) بعينها في الدورين : التاء (ثنتا عشرة مرة) ، الكاف (تسع مرات) ، الراء (تسع مرات) ، ناهيك عن تكرار صوت الميم (16 مرة) . كل هذا ، و غيره (مثل تكرار كلمة "الفراغ" وتفريعاتها عبر تضاعيف كل الموشح) مما لا يتسع المقام للتفصيل فيه هنا ، يوضح كيف أن الشاعر المجدّد مظفر النواب يطبق أسلوب نسج الحصير لبحر الرمل على أصعدة المعاني و المباني و الموسيقى في آن واحد . و هذا التوازي (parallelism) الصوتي و الصرفي و النحوي يُكسب بنية نص أدوار الموشح تلاحماً (cohesion) دلالياً و نحوياً و صوتياً في آن واحد .
يُلاحظ أن الشاعر في الدورين الأولين يناجي نفسه بضمير الشخص المخاطَب الثاني "أنتَ". و لكنه في الدور الثالث يستهل المقطع بنفس الضمير في عبارة "عِشْقِك" ، ليتحول فجأة إلى ضمير الشخص الثالث "هو" مع الفعل "جَمَعَ" و العبارتين الاسميتين : "جبينه" و "اصبعيه". هنا تتحد ذوات "أنت" مع "هو" بشخص الشاعر نفسه : "أنا" ، رغم أنه يحرص كل الحرص على عدم استخدام الضمير "أنا" للشخص الأول في الموشح . و لكن لماذا يحوّل الشاعر دوره في مقام القصيدة من الشخص الثاني إلى الثالث ؟ بالطبع : لكي يفسح المجال لدخول "الساقي العزيز" مسرح القصيدة و بثه لواعجه في قفل هذا الدور .
آه
قليلُ حظٍ مثلُ عِشْقِكَ نائمٌ .
جَمَعَ الزوايا للبكاءِ جبينُهُ ،
وسجارةٌ قَصُرتْ وطالَ رمادُها ،
ما بين ثلجيّ إصبعيه .
آه
كلّما ارتعشتْ جوانِحُه بحلمٍ عن بلادٍ ضيّعته بحُلمِها ،
سقط الرَّمادُ على رَمادِ وُجودهِ .
يا أيّها الساقي ،
فَدَيتُك ،
دعْ كؤوسَ الميتينَ فإنهم دَخَلوا العدمْ .
و لكن من هو "الساقي العزيز" ؟ مثل "الثورة" التي يكنّيها مظفر النواب بـ "العشق" في المقطع الثالث ، يمكن الجزم بأن المقصود بـ "الساقي" في كل تضاعيف هذه القصيدة ليس هو معناه الحرفي "مقدم المشروب" في الحانة قطعاً ، إنما هو المسؤول الحزبي ، بل هو الحزب الشيوعي المعني ممثلاً بقيادته السياسية – الفكرية المسؤولة عن تحريض جماهيره بزقها بالجرع الثورية ، و هو – أي التحريض الثوري – النشاط الذي يرمز إليه بسقاية الخمر . سأعود لهذا الموضوع .
يصف النواب عشقه ، أي الثورة في العراق ، بكونها قليلة الحظ دوماً و نائمة في نهاية . و "قلة الحظ" هي القدر الرهيب الذي وسم الحركة الثورية في العراق منذ ثلاثينات القرن الماضي حتى الآن ، على العكس من حظ أعداء الثورة ؛ و إلا كيف يمكن وصف استطاعة حفنة من الشقاوات الفاشية اغتصاب السلطة عام 1963 ، و وأدهم ثورة 14 تموز المجيدة و الشارع كله ضدهم ، و معه غالبية الجيش ؟ نفس سوء الطالع ذر بقرنه على الانتفاضات الشعبية المتتالية العراقية طوال الأعوام : 1963 ، 1965-8 ، 1979 ، 1991 ، 1996، 2005-2018 .. هذا المصير المأساوي الرهيب دمر و يدمر حاضر العراق و مستقبله ، و أباد و شرّد الملايين ، و ولّد من الآلام أعمقها في وجدان الثوريين الأحرار بحيث ما عاد بإمكانهم رؤية سوى الآلام المخيمة في كل الأركان . هذا هو المقصود بجملة " جَمَعَ الزوايا للبكاءِ جبينُهُ " . و خَبَت نيران الثورة لتضارع جمرة عقب سيجارة طويل الرماد ، أي الدمار ، آيل للإنطفاء بين أصبعين متجمدين غير قادرين على الضغط على زناد الثورة و تأجيج نيرانها مجدداً على نحو ناجز . و لقد أسفر عدم القدرة على مواصلة التثوير الناجع للشارع عن تراجع مأساوي للمد الثوري الضروري لتحقيق الأحلام و الذي هو السبب في تواصل الدمار الحاصل للشعب العراقي المنكود الحظ ! أي بلاغة في رسم الصورة الرهيبة هذه ! و هذه الإستعارة ممتدة : كلما ضاعت انتفاضة بعد انتفاضة بأحلامها ، كلما تراكم الدمار و الضياع و الضحايا فوق الركام الرهيب الحاصل قبله بحيث أن وجود الشعب العراقي نفسه قد بات مهدداً . ما العمل إزاء هذه الجوائح المهلكة المهددة للوجود ؟
يا أيّها الساقي ،
فَدَيتُك ،
دعْ كؤوسَ الميتينَ فإنهم دَخَلوا العَدَمْ .
و تفسير هذه الجملة - الضربة ، بالنسبة لي ، هو :
أيها المتصدي للتحريض الثوري ،
فديتك ،
كف عن تحريض من ماتت روحهم الثورية ، لاستحالة تثويرهم .
و لكن أذا كان هذا المحرض الثوري لا ينفعه النفخ بأرواح الموتى ، فما هو دور الشاعر ؟ في الدور الرابع ، يصف الشاعر هذا المتصدي للتحريض الثوري بجملة : "أرى غفوت" . لقد نام عن أداء واجبه التحريضي ، فكفّ عن رؤية واقعه المظلم و عن العمل الحثيث على تغييره . أمّا الشاعر ، فهو لن يكف عن تحريض إخوته العراقيين للثورة رغم القمع "التهم" حتى ينقشع الليل الطويل من المآسي التي طالتهم و تطالهم لربح كفاية مستقبل الشعب ، و لأن حب تراب الوطن واجب مقدس . هنا يصبح الشاعر نفسه هو الشعب العراقي كله :
وبعدُ لم أسقِ الجراحَ كفايةَ الليلِ الطويلْ ،
وحزنَ يومٍ ضاع منّي ,
لم أحرّض إخوتي أن يحضنوا كاللهِ رائحةَ الترابْ ،
ويعشقوا رغمَ التُهمْ .
في الدور الخامس من الموشح ، يحاول الشاعر ايقاظ الساقي لكي يؤدي واجبه ، على الأقل بتقديم الأغاني الثورية الجميلة لسيدة العرب فيروز عن القدس و فلسطين ، ثم يتدارك بمخاطبة الساقي: "لا بد أنك قد غيرت قناعاتك مثل أولئك المنادين بالشرق الأوسط الجديد المنبطح لإسرائيل ، و الذي يغطي على استسلامه للصهيونية بالعنتريات اللفظية الصارخة بدل سماع صوت الثورة ضدها" . بعدها يعرّج الشاعر على وصف التسلّكات الفاشية للأجهزة الأمنية في التسقيط السياسي للثوار ، لاعباً بسخرية لاذعة على تلاوين المعاني المشتركة للألفاظ : "الجهاز" و "الأسطوانة" و "يدخل" و "الفراغ" و "المرارة" ، و "المحترم" و "التقرير" و "اعترف" و "ابتسم" .. و لكن الشاعر يؤكد مواصلة مسيرته الثورية ، و اعتزازه بنضاله رغم الإخفاقات و المصائب و الأحزان . حتى نصل إلى ختام الموشح ، و زبدته ، و التي تشبه المعزوفة الختامية للأغنية (فينالي = finale) التي يلجأ إليها الموسيقار عندما يقترب حلول الأجل و لا مجال بعد لارتكاب المزيد من الأخطاء :
يا سيِّدي الساقي :
دعِ الأمواتَ موتى ،
لا تُحرّكْ ساكنَ الأوجاعِ ،
واتركني أدَندنُ أيَّ شيءٍ ،
ريثما يأتي الصباحُ ،
و نوقِظُ الموتى يُحَيّونَ العَلَمْ .
و التي تعني ، بتلاحم أفعالها ، عندي :
يا سيِّدي المتصدي للتحريض الثوري :
دعِ من ماتت روحه الثورية ميتاً ،
لا تُجرجر على ثورة الشعب مآسي جديدة ،
واتركني أغني للثورة أيَّ شيءٍ ،
ريثما تنجلي ظلمة الليل بالصباح ،
كي نوقِظُ من ماتت روحه ليُحَيّ العَلَمْ .
ملاحظات موجزة عن ترجمتي للموشح
لم أواجه أي صعوبة في ترجمة هذا الموشح للإنجليزية بفضل فكر الشاعر الكوزموبوليتي و شفافيته . و لقد ترجمتها شعراً ، مع التوجه نحو تعويض الخسارات التي لا بد منها في كل ترجمة شعرية عبر إعادة إخراج الصياغات النحوية الموزونة و المقفاة ، ما استطعت إلى ذلك ، خصوصاً أعادة إخراج تكرارات صوت الميم العربي بصوت (m) الإنجليزي ، سواء في تضاعيف الترجمة ، أم في القافية . فعلى العكس من الشعر العربي ، فإن الصعوبة في الشعر الإنجليزي تكمن في القوافي و ليس في الأوزان (أكثرها استعمالاً أربعة فقط ، يمكن الجمع بينها في القصيدة الواحدة) لأن نظام الصرف و القاموس الإنجليزي أقل غنى من نظيره العربي . و لقد أبقيت على الشكل المقطعي العربي في الترجمة ، و لم ألجأ للتفسير أو تغيير معاني الأصل قط ، عدا كلمة "العنترية" الغريبة عن الإنجليزية ، و التي استعرت لها رمز الصراخ عند الرومان ، الشياطين : (Striges) الذين كانوا – وفقاً للأسطورة – يعلنون عن وجودهم بواسطة الصراخ .
ترجمة الموشح للإنجليزية
Lo, Dear Barman
By: Madhaffar al-Nawwab
Nothing blossoms like the void.
All the worries closed their eyes
In your behold,
Yet, you didn t fall asleep:
Alert as the thistles of the black wasteland
Against the noon wind,
Standing watchful of all the ways.
Love days you ve been abandoned,
So you became the pain s days.
The companions of your passion have gone,
Nothing remains in the barrooms but remembrances,
And a fraction of a leg, toilsome for a thousand years.
It passed among the tables, stirring the dead,
Collecting the last of the goblets from among the ruins.
Ooh !
A luckless is asleep, as your passion is,
All the weeping corners are his forehead,
And a cigarette, growing short, its ashes lengthened,
Between the snows of your two fingers .
Ooh !
Whenever his ribs quivered in a dream
For a country that lost him for her dream,
Ashes piled upon the ash of his existence.
Lo, barman,
May I be your sacrifice,
Leave the goblets of the dead
For they have entered nothingness.
That is why - my beloved barman of esteem -
My goblet overflows with the void,
Though I have filled it a moment ago to the brim!
A toast to the void !
A toast to the nights, a dreary;
A toast to the hotels;
A toast to the pavements of the country;
And a room on the roof where I reside.
In it, I spend the night in frost in approach to God.
A toast to justice in the world;
And my toast, my dear barman:
To a life I never regretted,
Though all that is in it is but regret.
It has stashed,
And am still a stirrer of the streets death,
And those whose souls that have disintegrated.
To whet from the waste a rose for the morning,
Wounding;
To whet from their pain a vision;
From a disease, fragmenting their gall, a melody.
Lo, my dear barman:
I see that you ve dozed off,
And I haven t watered the wounds enough
For the long night,
Nor the grief of a day that I have lost.
I haven t aroused yet
My brothers to lap like God the scent of dust,
To love despite the imputations.
Bring, may I be your sacrifice,
A liter of heavy oblivion,
Just like your voice, Lo barman.
Play for us Fairuz in Ancient Al-Quds
Or on the Bridge of Echo;
Or did you change into a Middle Eastern fling like them ?
Then, search for one of the modern prosaism;
Paly it at the system s highest volume,
Perhaps higher,
For in this country, the people are quaffed with the system.
They are quaffed with Striges drumming scream,
Or with drum gases, with citizen s esteem.
Where else is there such an esteem ?
The citizen is entered in the system,
Or the system enters him.
And after a day,
A night,
Or two nights,
The single citizen goes out very safe and sound;
Vert respectful.
In the report, it is said:
"And the citizen erupted in respects",
The guts were empty,
And some, from hunger years, were without guts.
Then a gall in his head,
And a gall in his heart,
And two galls in his bowels.
"Gall son of Gall" was the citizen s name, perhaps
And the report is concluded:
"And the citizen confessed and smiled".
Lo barman, sir:
Let the dead be dead;
Stir not sleeping pains;
Let me hum with anything;
Till the coming of morning.
So that we awaken the dead to salute the flag.
انتهت .
#حسين_علوان_حسين (هاشتاغ)
Hussain_Alwan_Hussain#
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟