أحمد الخميسي
الحوار المتمدن-العدد: 1400 - 2005 / 12 / 15 - 10:58
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
أثار الفوز الساحق للإخوان المسلمين في الانتخابات التشريعية الأخيرة ردود أفعال ومناقشات تبدأ وتنتهي بالخوف من مشروع مقبل يوشك أصحابه أن ينتزعوا السلطة في مصر لإقامة " دولة دينية " تهدد كل ما حققته النهضة المصرية ورسخته من قيم الديمقراطية ، ومبدأ المواطنة ، وحرية التعبير ، والوحدة الوطنية ، والمساواة بين المسلمين والمسيحيين في الحقوق والواجبات ، وتعليم المرأة وعملها ، ومعانى القومية ومبادئها . دولة تتوعد بالفناء الثقافة المصرية المستنيرة .
وقد صب أغلب ذلك النقاش في عدة اتجاهات ، الأول حين وجه الكثيرون سهامهم إلي اللحظة الراهنة ، أعني طبيعة العملية الانتخابية وما شابها من تزوير ، والصفقات اللئيمة التي تخللتها ، والتحالف السياسي الذي عقده الإخوان مع الحكومة ، والعنف والرشوة ودور الأموال العربية والدولية في ذلك الفوز وغير ذلك مما جعل الإخوان يفوزون بما انتزعوه تحت قناع ديني ، تاركين للآخرين الذهول أو الصدمة أو الدهشة . ثم أفاق البعض وانتبه إلي خطورة ما حدث ، وإلي أن المسألة أعمق من اللحظة الانتخابية والانتصار العابر، فوجهوا سهامهم إلي الأسس النظرية لحركة الإخوان وتاريخهم الطويل باعتبارهم قوة سلفية كبرى عيونها على الماضي ، قوة قادرة على دفن حاضر مصر ومستقبلها في مقابر " الفهم الديني " لمجموعة بشرية محددة تدعي أحقيتها في تفسير الدين وفرض تفسيرها بالقوة على كل فئات الوطن . كان هناك أيضا من ألقى باللوم الضعيف على الحكومة ذاتها وإدارة العملية الانتخابية و تسامحها مع الإخوان لأسباب خاصة . وكان القاسم المشترك في كل الحالات هو اتفاق الجميع على فكرة " الجماهير المغيبة فكريا " التي فضلت أن تعطي أصواتها لمرشحي الإخوان حتى في معاقل وقرى وقلاع المستنيرين التي كانت حكرا تاريخيا عليهم من قبل .
لكن أحدا لم يحاول أن يلوم نفسه – ولماذا نفعل ذلك حين تتوفر إمكانية لوم الآخرين ؟ - ولم يحاول أحد أن يراجع حركة وعمل اليساريين والعلمانيين والليبراليين والقوميين على مدى ربع القرن ، واختار الجميع حلا نموذجيا ، يكتفون خلاله بالهجوم على الإخوان، أو الحكومة ، أو لوم الجماهير الخائنة " التي خذلت حركة التقدم " . ولكن .. حين يكون هناك شعور حقيقي بالمسئولية التاريخية ، فإن أول ما تفعله الأحزاب ، والقادة ، والكتاب ، وغيرهم ، هو مراجعة أنفسهم ، ودورهم ، وطرق عملهم، وعلاقتهم بالشارع المصري ، والناس . وليس سرا ، أن لدينا أحزاب معارضة رسمية تحولت من أحزاب تصدر صحفا إلي صحف تتبعها أحزاب ، وإلي منظمات لا يزيد حجم تأثيرها في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية عن حجم مقراتها وغرفها ، بل لقد نال اليساريون والليبراليون والعلمانيون والقوميون فرصة زمنية طويلة جدا ، حصلوا خلالها على شرعية ، ومنابر ، وصحف ، وحرية تعبير ، ومقاعد برلمانية ، لم يحظ الإخوان بمثلها ، في الوقت الذي كانت فيه أغلب حملات الاعتقال والضربات البوليسية موجهة على مدى زمني طويل ضد الإخوان أساسا .
فما الذي قدمناه للجماهير المغيبة فكريا سوى مجموعة برامج على ورق تنقضها كل يوم حركة فعلية تتحالف مع الحكومة بشكل أو بآخر ؟ . والحق أن الجماهير لم تكن مغيبة فكريا حين أعطت أصواتها للإخوان ، لكنها تخيرت ، بعد ربع القرن ، ما تتصور أنه قوة معارضة جذرية لسياسات الدولة في كل مجالات الصحة والتعليم والعلاقة مع إسرائيل وأمريكا وغير ذلك . وقد اكتسب الإخوان في أعين الناس بريقا ليس لهم من وهج الحركات الإسلامية التي تقاوم الاحتلال في فلسطين والعراق ولبنان ، رغم أن الإخوان في الوضع المصري يمثلون شيئا مختلفا ، لا علاقة له بتلك المقاومة ، وقد اكتسب الإخوان شعبية بوسائل عمل مختلفة ، ودءوبة بين الناس في مختلف المواقع ، وهو ما لم نفعله نحن . ورسخ الإخوان وجودهم بما يشبه " البرنامج " الذي يلخص كل مشكلات المجتمع في عبارة فضفاضة واحدة : " الإسلام هو الحل " ، بينما لم يقدم اليساريون والليبراليون والقوميون والعلمانيون برنامجا ذا شأن من أي نوع ، اللهم إلا تلك البرامج التي كتبت لكي يتم نقضها في الحركة الفعلية . وزاد الطين بلة أن أعدادا كبيرة من مختلف التيارات الوطنية لطخت نفسها بالتعامل مع التمويل الأجنبي بدعوى أنه " لا نضال بدون مال ". ومن الغريب ألا نرى في كل ذلك الحقيقة الواضحة ، وهي أن تقدم الإخوان هو الوجه الآخر لتراجع القوى المستنيرة ، وأن الأزمة ليست في تزوير الانتخابات ، ولا في الصفقات السياسية ، لكنها داخل البيت الوطني ، الذي شهد مفارقات عجيبة في الموقف حتى من الإخوان ، فقد تحالف البعض معهم صراحة معتبرا أن ذلك خطوة تقدمية ، بينما اكتفى البعض بلعنهم طيلة الوقت دون أن يدرك أنه يصب الماء في طاحونة النظام ، بالتمويه على مصدر الخطر الأول. وفي اعتقادي أن " البيت الوطني " لم يطرح بوضوح ودأب موقفا ثابتا من الدولة صانعة الفقر ، والبطالة ، والدعارة ، والتبعية ، ومروجة الفكر السلفي ، وراعية الجهل ، والبؤس . ولم يطرح " البيت الوطني " بوضوح ودأب أننا بلد شبه محتل ، لا يمكننا أن نحرك جنديا أو بندقية في أكثر من ثلث الأراضي المصرية ، أي في سيناء ، وأن هذه الحقيقة هي التي تحكم بقية مظاهر حياتنا من تبعية سياسية ، وإهدار لكل مشاريع التنمية الاقتصادية والعلمية ، بل ومن توزيع الثروة القومية بحيث تعيش قلة ضئيلة حياة لا يصل إليها الخيال ، بينما تموت الغالبية العظمى جوعا في صمت ، أو تموت بالأطعمة المسرطنة التي تنشرها الدولة برعاية رسمية من أحد وزرائها . ومع الانتخابات الأخيرة ، نجد أنفسنا ، مرة أخرى ، نصب غضبنا على هذا الطرف أو ذاك ، دون أن نخوض في جذر المشكلة ، ودون أية رغبة في مراجعة النفس . والناس يدركون ذلك كله ، ويحسونه ، ويعرفون أننا لا نفعل شيئا حقيقيا ، والناس ليسوا قوة مغيبة فكريا كما يتصور البعض ، ولو كانوا كذلك لنجحت في الانتخابات القوى المستنيرة ! لقد تبين للناس بوضوح على مدى زمنى طويل ، ثم في الانتخابات الرئاسية التي سبقت الانتخابات التشريعية ، أن أحزاب المعارضة لا شئ ، وأنها عاجزة حتى عن تقديم تصور مشترك لخوض تلك الانتخابات . أما عن حركات المعارضة الحديثة ، التي تقف خارج الأحزاب ، فإنها تكتفي بطرح مفهوم للتغيير ، يقتصر على شكل الحكم السياسي ، ومطالبها هي انتخاب الرئيس من بين أكثر من مرشح ، وإلغاء قانون الطوارئ ، وغير ذلك ، دون تعميق مفهوم التغيير ليشمل الوضع الاقتصادي والوطني . ولأن مطالب حركة المعارضة الحديثة تتعلق بتغيير الشكل ، فقد حصلت على تغييرات شكلية ، إذ تم انتخاب الرئيس فعلا من بين أكثر من مرشح ، ويجرى الاستعداد لإلغاء قانون الطوارئ مع إعداد قانون آخر ( هو نفسه قانون الطوارئ ) تحت مسمى آخر " قانون مكافحة الإرهاب " . ومن حق الناس أن تتساءل : وأين الحديث عن " الطوارئ الاقتصادية " التي يجوع الجميع في ظلها ؟ وما أهمية أن ننتخب رئيسا من بين أكثر من مرشح إذا كان النظام باقيا كما هو بعلاقات التبعية والاستغلال وغير ذلك ؟ وما مدى انعكاس " انتخاب الرئيس من بين أكثر من مرشح " على حياة الناس ؟ . لقد قدمت حركات المعارضة الحديثة فهما شكليا للأزمة ، وحصدت نتائج شكلية ، دون أن تجد خلال ذلك تأييدا حقيقيا واسعا من الناس . وفي اعتقادي أنه إذا لم تتم مراجعة صريحة للنفس ، وللتاريخ ، وللفرصة الزمنية الطويلة المهدرة التي حصلت عليها أطراف المعارضة الوطنية ، ولأساليب العمل ، وللموقف من النظام والاستعمار في بلد شبه محتل ، فإن علينا أن نتأهب للحظة حلول الظلام ، حين تنطفئ المصابيح ، وتعم العتمة . ومع كل ذلك فإنني لست متشائما ، إذ لا يمكن للحياة أن تمضي في عكس اتجاهها ، ولا يمكن للحياة أن تتواري في كهوف الظلمة ، المشكلة كلها أنه سيتعين على " البيت الوطني " أن يحقق ما سيحققه في مدى زمني أطول . علينا الآن أن نجيب عن سؤال واضح : ما هو حجم مسئوليتنا نحن عما جرى ؟
#أحمد_الخميسي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟