حسين علوان حسين
أديب و أستاذ جامعي
(Hussain Alwan Hussain)
الحوار المتمدن-العدد: 4826 - 2015 / 6 / 3 - 12:49
المحور:
مقابلات و حوارات
عرفته شاباً ، ثم كهلاً ، ذلك الشيوعي المثقف و المتواضع و الصلب و الرفيع الأخلاق . إنه عملاق حلي قارع الظلم لستين عاماً متواصلاً بلا أدنى اهتزاز و لا كلل و لا ملل ، و بلا أدنى تطلع لأي مكسب شخصي أو مركز حزبي سوى خدمة الجماهير العراقية المسحوقة بتفان و نكران ذات مثالي على طول الخط : إنه المناضل الشيوعي الذي صقلته الحياة فأكسبته الحكمة و التواضع : كاظم الشيخ . بعد إحالته على التقاعد ، طلبت منه في عدة مناسبات سرد ذكرياته النضالية للأعزاء قراء الحوار المتمدن الأغر كي يحفظها التاريخ من النسيان ، فلم يوافق إلا بعد إلحاح شديد و متكرر ، و هو يقول لي : " أنني إنسان بسيط عشق الشيوعية عشقاً نفذ إلى أعمق أعماقه لكي يخدم بها الإنسانية و ليس لكي يبني لنفسه مجداً شخصياً " .
في هذه الحلقة و ما سيليها من حلقات سنستمع إلى ذكريات المناضل كاظم الشيخ . و بودي الإيضاح مقدماً أنني سأنقل كلامه كما هو و على عهدته ، و أن كل حلقة لن ترسل للنشر إلا بعد قراءته لها و موافقته على مندرجاتها كافة ، مع إعتذاره مسبقاً عن هفوات الذاكرة و فجواتها بحكم تقادم الزمان .
المقدمة / الخلاصة التعريفية بالشخصية
الاسم الكامل : كاظم الشيخ حمود كاظم الأسدي
إسم الشهرة : كاظم الشيخ
تاريخ و مكان الولادة : 1940م ، الحلة ، محلة الطاق ، عقد أبو كسور ، مجاور مسجد الشيخ محمد عبد الحسين الشهيِّب (والد الأستاذ الدكتور محمد مهدي البصير).
الإنحدار الطبقي و التحصيل الدراسي :
والده : الشيخ حمود الكاظم (1893-1970) ،إشتغل أولاً عاملاً في ورشة الحدادة العائدة له و الكائنة في السوق الكبير / سوق الحدادين لغاية عام 1944 عندما التحق طالباً في الحوزة العلمية للمرجع الديني الأعلى السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني في النجف الأشرف ، و أنهى المقدمات ، ليترك الحدادة متفرغاً لخدمة المنبر الحسيني .
والدته : العلوية / زينب موسى جعفر تاج الدين (1918-1980)
التحصيل الدراسي : خريج الدراسة الإعدادية ، الفرع الأدبي ، 1965
العمل : صاحب مخبز 1966- 1975
موظف قياسات في فرع بابل لشركة استيراد الحديد و الخشب : 1975- 1980
صاحب محل كماليات في السوق العصري : 1980 - 1997
عامل في أشغال عديدة : عامل مخبز ، سائق تكسي ، بائع متجول : 1997- 2005
مسؤول الإعلام في الشركة الإنشائية ، فرع بابل : 2005-2012
موظف متقاعد : منذ عام 2012 ، و يعمل صحفياً الآن ، وله صفحة خاصة في الجريدة الأسبوعية "الفيحاء" الحلية .
الحالة الإجتماعية : متزوج و لديه ثلاث بنات و ولد واحد .
بداية التعرف على الفكر الثوري
كانت لدينا في دارنا مكتبة عامرة تتضمن مختلف الكتب الدينية و الأدبية و السياسية ؛ و كنت قارئاً نهماً لكل شيء مكتوب تقع عيناي عليه ، فاصبح الكتاب الرفيق الدائم لعمري . قرأت أولاً أشعار الجواهري و مؤلفات جبران خليل جبران و ميخائيل نعيمة و محمد إبراهيم دكروب و نجيب محفوظ ، و غيرهم الكثير من الكتاب العرب . و من الكتاب الأجانب : أعمال شيكسبير و تشيخوف و غوركي و دوستوييفسكي و كازانتزاكي و أراغون و غيرهم . و لقد تأثرت كثيراً بالفكر العلمي الثوري في مؤلفات ماركس و أنجلز و لينين و جورج حنا التي كان شقيقي الشيوعي المرحوم طالب الشيخ حمود يقتنيها لمكتبتنا . و من كل أدركت أن رأس المال هو أسوأ عدو مناهض لسجيّة البشر ؛ و أنه هو السبب في كل المآسي الاجتماعية لعمله على قنونة استغلال الإنسان لأخيه الإنسان ، الأمر الذي يعني إن سعادة و رقي الإنسان و إبعاد شبح الحروب عن البشرية هي آمال لا يمكن أن تتحقق بدون إلغاء حكم رأس المال . طبعاً هذا الوعي و اليقين لا يمكن أن يأتي دفعة واحدة ، و إنما هو عملية متواصلة تمر بمراحل متعددة ، طويلة أو قصيرة ، لكي تعبر الوديان و الجبال ( وقد تنقلب بسبب المغريات و شتى الضغوط و الأنوية و نقص الوعي ) حتى ترتفع أخيراً من القلب إلى قمم العقل العلمي المميز و الوجدان الدافع للثورة . و لذلك فإن الشيوعي الواعي الشريف يُؤثر الشهادة على تبديل قميصه الشيوعي . و من حسن حظي أنني ولدت في بيت كان ربه يُعلي من شأن العقل و العلم و يؤمن بقدرة البشر على تغيير الواقع . و ترعرت في محلة الطاق الزاخرة بالمناضلين الوطنيين التقدميين و الشيوعيين المؤثرين إجتماعياً و الولاّدة لهم ؛ و إن سبقتها في هذا المضمار محلة الجامعين (الملاصقة لمحلة الطاق) التي كانت تُعرف في خمسينات القرن الماضي - من بين عدة مناطق أخرى في العراق - باسم "موسكو الصغرى" .
في بداية عام 1956 ، إنتميت للحزب الشيوعي العراقي قبل أن أبلغ سن الرشد و ذلك بتأثير من الرفاق : الأستاذ الفاضل عدنان السريراتي كاتب إعدادية الحلة للبنين , و جارنا طالب الإعدادية المرحوم صالح اللبّان مسؤول إحدى المنظمات الحزب الشيوعي العراقي بالمنطقة ، و المرحوم هادي القهوجي ( أبو الدكتور طه : عالم الفيزياء المغترب حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية) ، الذي كان يعمل كاتباً في بلدية الحلة ، ثم فُصل من وظيفته لانتمائه للحزب الشيوعي العراقي ، ففتح له مقهى شعبياً بسوق الكشمشية / محلة السنية و الذي كان يرتاده المثقفون و الثوريون الحليون ، أذكر منهم عامل الحياكة مجيد شربة و بائع العبي حميد و بائع السندويج طالب الأعرج و مهدي الرهيمي (الذي كنتُ أعمل خبّازاً في مخبز والده : علي الرهيمي) و الشهيدين البطلين كل من الأستاذ حميد بن مختار محلة الجبران : سعيد الصـﮕ-;-ر و الشهيد محسن ناجي البصبوص ( اللذين كانا طالبين في حينها ) . و لم يمنحني الحزب بطاقة العضوية إلا بعد بلوغي سن الرشد في نهاية عام 1957.
أول اجتماع حزبي
و كان أول اجتماع حزبي لي بقيادة الرفيق عدنان السريراتي ، و كان موضوعه هو قرار المرحوم الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس في 26 تموز ، 1956؛ و العدوان الإمبريالي المتوقع ضد الشعب المصري ، و الدعم اللامحدود له بكل وسيلة من طرف الاتحاد السوفيتي الذي كان يقف بشرف و بكل قوته مع قضايا التحرر الوطني شعوب العالم الثالث كافة . و قد أكد لنا في حينه مسؤولنا الحزبي بأن الحزب الشيوعي العراقي مستنفر لكل جماهيره لنصرة القضايا المصيرية العادلة للشعب المصري الشقيق في السيادة على مصادر ثروته و تأمين مستقبله بلا وصاية أجنبية .
إنعقد ذلك الاجتماع في دار عامل المخبز الرفيق المرحوم : فاضل نزر ، الكائنة في محلة الطاق ، عقد ؟ و قاده الرفيق عدنان السريراتي ، مثلما أسلفت . و قد ضم - حسبما أذكر - كل من : المعلم / فاضل حمزة مرعيد ؛ و العامل في فرن المعجنات / حبيب كاظم جواد ؛ و طالب الإعدادية في حينها و الطبيب الاستشاري لاحقاً / حاتم نعمة العامري / مدير مستشفى النعمان حالياً ؛ و الموظف الصحي المرحوم / هادي جاسم ، الذي أستشهد بعدئذ في الحرب العراقية الإيرانية ، و عامل الحياكة مجيد شربة ، و شقيقي طالب الشيخ حمود الموظف في الصحة . ثم التحق بنا بعدئذ الطالب في حينها / فوزي عباس القصاب و الموظف في معمل النسيج الناعم في الحلة لاحقاً و المتقاعد حالياً .
مظاهرة الحزب الشيوعي العراقي ضد العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر
كان العدوان الثلاثي على مصر قد بدأه جيش العدوان الإسرائيلي منذ فجر يوم 29 أيلول ، 1956 . و في الساعة التاسعة من صباح نفس اليوم صدرت إلينا التعليمات الحزبية بالنزول إلى الشارع للتظاهر ضد العدوان ، و هذا ما حصل . و كانت شعاراتنا في المظاهرة هي :
أرفعوا أيديكم عن مصر الأبيّة
تباً لدول العدوان : بريطانيا و إسرائيل
تعيش مصر حرة
و كان مركز تجمع المتظاهرين في حينها هو ساحة باب المشهد (السوق العصري حالياً) ؛ حيث انطلق المتظاهرون منها رافعين ثلث لافتات كبيرة تندد بالعدوان ، أما بقية المتظاهرين فقد حملوا شموعاً بيضاء ، بعضها وزعها علينا الحزب ، و تبرَّع بالبعض الآخر العطارون لدى مرور التظاهرة بمحلاتهم . ومن باب المشهد ، انطلقت التظاهرة شاقة طريقها عبر شارع الأمام علي و المتظاهرون يتزايدون ، وصولاً إلى ساحة سعيد الأمين ، حيث التحق عدد كبير من طلبة متوسطة الحلة بها . و كان على رأس التظاهرة الشخصية الحلية التقدمية الفذة المرحوم الشيخ / عبد الكريم الماشطة ، بعمامته الناصعة البياض و عباءته السوداء ؛ تشاركه ابنته "زينب" (الطبيبة حالياً) ، و حفيدته "مفيدة" التي كانت تهتف بصوت طفولي صادح و متهدج يشق الأجواء : "يسقط العدوان الثلاثي على مصر" ، فيردد المتظاهرون هذا الشعار هادرين بعدها بكل قوة . و كان يسير معهم في المقدمة أيضاً مختار محلة الطاق المرحوم السيد محمد حسن أمين وتوت صاحب علوة المخضر الكائنة في سوق أسطى جابر ، و التاجر السيد مناف محي علي وتوت و الرفيق الطالب - و من ثم المحامي - المرحوم جبار المعروف ، و الرفيق حميد المرعب ، و القيادي الشيوعي سامي ملا إبراهيم الجبوري ، و شقيقي طالب الشيخ . و لا بد لي أن أعتذر لعدم تذكري أسماء بقية المشاركين .
و من ساحة سعيد الأمين ، زحفت التظاهرة إلى مديرية شرطة بابل عبر شارع المكتبات . و لا يفوتني أن أذكر هنا بأن رجال الشرطة المحلية كانوا منذ البداية يحيطون بالتظاهرة من الأمام و من الخلف و هم يلوحون بهراواتهم و يطالبون المتظاهرين بالتفرق دون أن يلتفت إليهم أحد ؛ علماً بأن المظاهرات كان ممنوعة رسمياً في حينها . و من بين رجال الشرطة الذين أحاطوا بالمتظاهرين أذكر كل من ضابطي الشرطة علي هادي وتوت و ضابط الشرطة ابو محمود الحديثي و مفوض الشرطة عايد و رأس عرفاء الشرطة ناجي البصبوص (والد رفيقنا الشهيد البطل محسن ناجي البصبوص الذي أعدمه بعدئذ بعثيو صدام) و عريف الشرطة قاسم الركابي . و بقي المتظاهرون يهتفون ضد دول العدوان على أرض الكنانة في الساحة الكائنة أمام مديرية شرطة بابل حوالي الساعة ، ثم تفرق المتظاهرون بتدخل مباشر من رجال الشرطة الذين بدأوا بضرب من تقع عليه أيديهم من المتظاهرين بالهراوات .
و في فجر اليوم التالي للتظاهرة ، 30 أيلول ، 1956 ، بدأت شرطة أمن الحلة حملتها الشرسة من الاعتقالات ضد عدد من الشيوعيين الشباب المشاركين في التظاهرة ، أذكر منهم : الرفيق صاحب نزر ، الرفيق الشهيد محسن ناجي البصبوص ، الرفيق مجيد شربة (حائك) ، الرفيق مسلم مهدي (حائك) ، الرفيق عباس كاظم الظالمي (حائك) ، و شقيقه الرفيق ستار كاظم الظالمي (حائك) ، و داعيكم كاظم الشيخ . حيث اقتحموا باب دارنا فجراً ، فهرع أبي للتصدي لهم ، مستنكراً اقتحامهم دارنا بلا إذن ؛ فصرخوا به : نريد ولديك طالب و كاظم ، و طوّحوا به بشراسة ، فأسقطوه هو و عمامته أرضاً . ثم سحلونا - شقيقي و أنا - من الفراش سحلاً و نحن نيام ، و اقتادونا بملابس النوم إلى مركز التوقيف في مديرية شرطة الحلة . و هناك أخذوا طبعات بصمات الأصابع لكل المعتقلين . و بقينا رهن الاعتقال مدة ست و عشرين يوماً دون أن يبوح أحد منّا بأي سر من أسرار الحزب . و لا بد لي أن أذكر هنا أن تحقيق الشرطة معنا قد أقتصر في حينها على ممارسة أساليب التعذيب النفسي و ليس التعذيب الجسدي . بعدها ، جرى أطلاق سراحنا بكفالة شخصية ، حيث تكفّلني أنا و شقيقي طالب في حينها مختار محلة الطاق المرحوم السيد محمد حسن أمين وتوت و هو أحدى الشخصيات الحلية الوطنية بامتياز .
يتبع ، لطفاً .
الحلة ، 3 حزيران ، 2015 .
#حسين_علوان_حسين (هاشتاغ)
Hussain_Alwan_Hussain#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟