عباس علي العلي
باحث في علم الأديان ومفكر يساري علماني
(Abbas Ali Al Ali)
الحوار المتمدن-العدد: 4687 - 2015 / 1 / 10 - 13:52
المحور:
الادب والفن
بعد عشرة سنوات من فراق مر ألتقيت به بعد أن أحسست برغبة شديدة تجتاح روحي للقاء وقد غابت الكثير من تفاصيل شكله عني لا أعرف ما الذي أيقظ روحي في هذه الساعة لتطلب شقيقها ,وحدها الخطوات المجهولة قادتني من غير إرادة لأجد عدنان ينتظرني قرب الجسر الكونكريتي مبتسما وقد تغيرت الكثير من ملامحه ,إنه شاحب الوجه ولكنه أكثر إشراقا مما مضى نحيف فوق العادة لم تغير السنين من وسامته حتى ليظن من لا يعرفنا أننا لسنا من عمر واحد , ترددت أن أصافحه للوهلة الأولى عسى أن لا يكون هو ولكن يدي سبقتني إليه مشتاقة .
_ صديقي لا يعقل أن تكون لقاءتنا دائما يصنعها القدر , لا أتذكر مرة أننا تواعدنا للقاء , حتى في زمن الموت والنار والدخان كنا نلتقي يسوقنا ما لا يمكن أن نتعرف عليه ولو مرة , يسمون الأسماء بغير ما هي , المهم أنا سعيد بك
_ وأنا أسعد بعد هذا الكم من السنين , يا رجل ما هدم أركانك وكأني أرى أطلال ذلك الطود .... نعم أعرف أن الذي مر ليس هينا بالمرة .. لقد ذابت حتى الصخور من عوامل التعرية.
_ أهلا بك ولكنني كنت أشك للحظات أنني يمكن أن أراك أو أن الذي لمحته عيني من بعيد مجرد شبح لصديق ضل يطارد ذكرياتي كلما أحتجت لأن أفهم ماذا أنت فاعل وما أنا فاعل في هذا العالم الطفيلي .
_ يا صديقي دعك من هذا الكلام ,,, فقط أريد أن أعرف موجز أخبارك ...
كان لقاء بطعم خاص ازال الكثير عن ذاكرتي من اوهام عنه وعن طريقته في الحياة ,أظنه الان اقدر على فهم موقعه في الوجود انه يتكلم الفلسفة بمنطق روحاني وجودي اكثر من سارتر نفسه لكنه يعرف الوجودية جزء من حركة اكبر عالم متشعب مفكك مترابط منسجم مع ذاته ولكنه ايضا واحد ,اكتشف في رحلته هذه ان الحقيقة ليست ممكنة ان ندركها بعقلنا البسيط الحقيقة أكبر من أن تدرك والعالم الوجودي سيكون مع العقل الحقيقي مجرد رمز في منظومة رموز وقد يكون عالمنا أصغر ما فيه , سألته عن وعده لي سابقا ,تبسم كالعادة ومسك بيدي لنمضي بهدوء يكلمني عنه .
في الطريق كانت الحكايات تتوالى عن عالم أقل ما يقال عنه أنه نموذج أخر حينما يدرك الكائن أن الحياة لم تخلق لأجل أن تضيع وتتشتت أيامها بحماقات وخطيئات نرتكبها بغباء متوارث لم يكم فينا أصلنا ولكننا تعلمنا كيف نزرعه في نفوسنا لينتقل للعقول المسترخية وهي تستطعم الكسل , فقير مسكين يشحذ على قارعة الطريق لا بد أن يكون له صلة أو رابط مع أحدهم وإن لم يكن فهو مع الإنسان الحر في وشيجة , عار أن يكون لك أخ بهذا السوء وأنت تفتخر بوجودك .
أعرف عدنان وصلابة عقله وأيضا أعرف أنه عنيد لكنه نقي تماما وصادق, قضينا سنين الدراسة معا حتى أنتهت بنا سنوات الحرب كل واحد في مكان وتواصلنا برغم الموت والتهديد والتلويح بها , التقينا في مدينتنا كما ألتقينا أيضا في ساحات القتال , اللقاء مستمرا كنا نتوارد الخواطر ونتشارك أحيانا في نفس الحلم ونصنع أمنياتنا معا , ليس شقيقي ولكنه يحمل تقريبا نفس جيناتي هكذا أشعر عندما ألامس يده مصافحا أو أقبله شوقا بعد كل فراق , يا لطبعك الحر صديقي .
سألني كم تحقق من أحلامي ..... أجبته ضاحكا بقدر ما فشلت انت في تحقيق أحلامك ... قال أنه لم يفشل إلا في جزئيات بسيطة أنه يفتخر أنه ظل يطارد الواقع والأحلام تجري خلفه ... قلت وأنا أطارد الأحلام وقد تركت الواقع عند أول الطريق برغم ما حاولت أن أحمله معي وأزينه بأحلامي , كان في كل مرة يرفض الخضوع لمنطق الحلم لذا أنا هنا كما تركتني وبنفس الإعدادات التكوينية فقط خسرت أشياء كثيرة ... بالواقع خسرت الواقع كله .
في أخر مرة ألتقينا معا كان يريد أن يكلمني بسر تردد أولا ولكنه ابلغني به على عجل وغادر ولم أعد أراه من حينها ,أنه في رحلة خاصة تطول أو تقصر لكنه وعدني من باب الوفاء أنه سيخبرني لو شاء الله أن يكون معنا بسلام ,قال أنه سيرحل إلى عالم لا هو من الجن ولا من الإنس إن عالم هجين من الأثنين لا يدري أين سيكون هذا العالم ومتى ستبدأ الرحلة لكنه عازم أن يمضي كما هي عادة الرهبان حينما ينذرون أنفسهم لهدف .
الهروب من الواقع كما أعتقد هو نتيجة حتمية لعدم توافق العقل مع الموجود قد يكون أكبر فلا يكاد يتحمله ليفهم كيف يكون أو قد يبدو أصغر وتافه لذا لا يجلب الأنتباه بما يكفي , صديقي عندنا طلق الواقع كله لمعرفته أن لا يستحق أن يستغرق فيه للحد الذي يتلف كل ما متاح له من عمر كي يفهمه ,كنت أستلذ بكلماته الساخرة عندما يصف الواقع , بالعكس ما كان يقوله أثبتت التجربة عندي أنه محق تماما ,ليس ما يمنح الإنسان من خلود ولو في ذهنه غير أن يكون صانعا وخالقا لوجود هو يختاره , هنا كثيرا ما حيرتني فكرة أن أصنع وجودي الذاتي بمعزل عن الواقع , صديقي خاض التجربة وها هو كما هو منفرد بعالم أستثنائي عالمه جميل.
أحببنا المجهول وغامرنا معا لكنه كان أسرع مني في الرسم بطيئا مثل سلحفاة أنا , هو يعلم أن لا شي سيخسره في النهاية , كنت مترددا أن لا أربح شيء ,بين أن لا تهتم لشيء لا معنى له وأن تشك في إدراك كل شيء أو جله مسافة بعيدة , لذا سار بما يريد وبقيت أنتظر الأرض تزداد سرعتها في صباح يوم ما , وها أنا أخيرا أكتشفت أن في كل صباح تتباطأ الأرض أنها تعودت على ذلك ..... لقد فقدت المبرر.
عاد للحديث عن هذا الفقير متأملا ما يعرف عن عالم رحلته المجنونة ما من عذر لأحد أن يكون فقير وما من سبب يجعل الناس تسكت علينا أن نفهم أن الكون للجميع وما فيه أيضا للجميع لا يحق أن أعيش ليموت غيري هذا لا يكون عذر أمام نفسك حين تسأل لماذا ينام هذا الإنسان في الشارع من غير ما يلفه دفء طبيعي وأنا وأنت نتراكض لنندس في فراش ناعم وسميك , أحيانا بعض الحيوانات تتصرف بطبيعية أكثر منا .
_ أراك تحولت شيوعيا صديقي .
_لا أظن الشيوعية تفهم أن الإنسان أكبر من وجودها هي ,على الفكر أن يمنح الناس السلام لا أن يدفعهم للنضال ضد بعض . يتمايز الوجود على بعضه بالإبداع والتجديد فقط , لا يتمايز بأشياء أخرى , المال والملكية عوارض متنقلة قد تكون هنا اليوم لنجدها غذا في غير مكانها لكن التاريخ يشهد أن المال يتراكم والعمل يتوسع فقط نحن من نتفنن بالتبذير .
_ أستطيع أن أصف مفاهيمك الجديدة عن عالم خالي من الفقر بما يسمى العقلانية الطبيعية ؟ مثلا.
_صديقي أتركنا من هذا الكلام لنفتش العلة التي تجعلنا نهرب من واقعنا أو تشعرنا بالخيبة ,هل نزلت مخلوقات من وجود أخر لتزعجنا أم أننا من يفسد فيها , الجواب بالتجربة نحن , إذا لماذا نفسد هذا ما يجب أن نفهمه لنعيش إنسانيتنا .
_الفقر أذن صناعة بشرية !
_ ليس الفقر وحده كل ما يصاب بخلل في نظام الطبيعة هو خطيئتنا .
#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)
Abbas_Ali_Al_Ali#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟