نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث
(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)
الحوار المتمدن-العدد: 4684 - 2015 / 1 / 7 - 19:21
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
الديوانية زهرة الفرات
نبيل عبد الأمير الربيعي 7/1/2015
مدينة الديوانية , تلك المدينة الطيبة التي ولدت فيها أواخر عام 1958 في محلة تسمى الجديدة , وفي عگد يدعى (ألبو علي الجاسم) , شط الحلة المارق الذي يشطر المدينة لقسمين , الخارج من عباءة أبيه المهيب , تحتار كيف تستطيع أن تجلس أمامه , فهوَّ يختار من يجلس من عشاقه , جرف النهر صباحاً ممتلئ بقناني الليل الفائت, وأوّل ما أتذكّره منها ,غبشها الأثير في تموزها القائض , وفراّشّ الصيف والمبيت على سطوح بيتنا أسوة ببقية أبناء عوائلها , فجراً , كل السطوح تغطّ في نموها , والخيط الأبيض وحده من استيقض , نهر الفرات الجميل أصبح شيخاً بعد طول سنين , زهق بتلوث مياهه , أما أرضها فهي الأرض وأقلها كلاماً بسبب ما فعل الأوغاد من تدمير بمجنزراتهم وسحل لجثث وطنييهم أيام شباط الأسود , بعد دخول حرس التتار عام 1963 صارت الديوانية غير الديوانية , والنهر غير النهر , وصار حفظ تفاصيلها , ثم إيداع الذاكرة في زاوية لا تصلها اليد , أمراً حاصلاً لا رحيل دونة , وبكتابي هذا رغبت أحفظ سرَّ مدينتي وذاكرتها للأجيال القادمة , فأنا اعشقها حدّ الوَهلّ , علّمني والدي أن أحب وطني ومدينتي وأهلي , وأن لا أخون أرضاً عشتُ فيها وشربت من مائها , كيف أخون أرضاً ممتزجاً بثراها رفات آبائي وأجدادي , أنا عربي اللسان , عراقي التكوين , ديوانيّ البنية والعقل والقلب حتى النخاع , قد نرحل عن حياتنا وأسرارنا معنا , لكن أحببت أن أرحل وليس مثل رحيل غيري , فأدون تأريخ مدينتي , و زوّادة ذاكرتي ما زالت تعينني .
الديوانية , المدينة التي تربيت فيها ونهلّت من مدارسها جميع العلوم والآداب , حتى سنوات المراهقة وقسماً من سنوات الشباب , كان دارنا في محلة الجديدة عگد البو علي الجاسم , مقابل دار الطيب والانسان الخير سيد سعيد ابو عميّمة ,ما اكتبه ذكريات قديمة أحنّ إليها كلما ضاقت بيَّ الحال مما يجري من تحطيم للمدن ولنفوس العراقيين , من إهمال الجانب الأمني والخدمي والثقافي والفني والتعليمي وكل شيء يمسّ الحياة بتقدمها وتطورها , فذكريات الأمس أفضل بكثير من واقعنا اليوم , من حرّاب طائفي أثني ديني مناطقي , حزيران الماضي 2014 سرق الأرهاب منا ثلث أراضي ومدن وشباب العراق , والحكومات المتعاقبة لا تجدّ حلاً إلا لإشباع رغباتها من المال العام , وافشاء الفساد والتخلف والرشا والمشاريع الوهمية الفاشلة , لمدة اثنى عشر عام بعد عام التغيير 2003 , لم نعرف إلا الخراب والدمار في البنى التحتية والبشرية والثقافية والتعليمية .
#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)
Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟