ماريو أنور
الحوار المتمدن-العدد: 1288 - 2005 / 8 / 16 - 12:02
المحور:
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
إنها حصيلة الدور الاجتماعى المفروض على المرأة
هذا و لا يتغير شىء من جوهر ما سبق و قلناه إذا كانت تلك السمات التبخيسية تتحقق للأسف , فى كثير من الأحوال , أو يتحقق بعضها , فى واقع المرأة , مما يتخذه أنصار انتقاصها حجة لتبرير ذلك الانتقاص . ذلك لأن ما يعتبرونه سبباً لتبخيسهم للنساء إنما هو بالحقيقة نتيجة لهذا التبخيس . فالسمات التى أتينا على ذكرها , فى حال تحققها فى وجود المرأة الفعلى , إنما تأتى , إلى حد بعيد , حصيلة للتبعية و الهامشية اللتين تعانى المرأة منهما فى مجتمع لا يتيح لها فرصة تحقيق ملء طاقاتها الانسانية . إنها وليدة وضع المرأة المجحف و لكنها ليست من (( طبيعتها )) بشىء . نكرر أنها نتائج إذلال المرأة و لكنها ليست سبباً لهذا الاذلال أو مدعاة لتبريره .
معروف اليوم أن السمات المعتبرة ذكورية أو أنثوية ليست وليدة التكوين البيولوجى بقدر ما هى وليدة تحديد المجتمع للدور الذى يتوقعه من كل الجنسين . و بما أن المجتمع يتحكم به الرجال فى كل الأحوال تقريباً فقد نسبوا لأنفسهم فيه أدوار الاقتدار و الحكم و اعتبروا بالتالى أن القدرة و القيادة و الذكاء إنما هى سمات ذكورية , فى حين أنهم اعتبروا الدونية و الخضوع سمات أنثوية . و يتبنى المحيط العلئلى هذه المقاييس فيربى أطفال الجنسين بموجبها بحيث يتمرس الطفل الذكر منذ نعومة أظفاره على السلوك وفق الدور المرسوم له و كذلك الطفلة الأنثى .
هكذا يحققان بفعل التربية و تأثيرها ما توقعه المجتمع من سمات لكل منهما بحيث تصبح هذه السمات فى كل منهما جزءاً لا يتجزأ من كيانه و كأنها وليدة (( طبيعة )) نفسها مما يرسخ الاعتفاد بأن ما هو بالأصل توزيع إجتماعى للأدوار إنما هو نابع من (( الطبيعة )) نفسها , و يمنح المجتمع بالتالى مبرر الاستمرار فى ذلك التوزيع المجحف . وإن لخير دليل على أن هذه السمات (( الذكورية )) و (( الأنثوية )) هى بشكل أساسى , وليدة التوقعات الاجتماعية , ما نلاحظه من تطور صورة الذكورة و الأنوثة فى المجتمع الواحد عبر الزمن , واختلافها من مجتمع إلى آخر فى الحقبة الزمنية نفسها . هذا ما بينته بشكل دامغ الباحثة الاجتماعية الكبيرة ( مرجريت ميد ) فى دراستها المقارنة الشهيرة لثلاثة مجتمعات ( بدائية ) متجاورة , حيث أبرزت أن المفاهيم المرسومة عن الذكورة و الأنوثة تختلف بالكلية من مجتمع لأخر . و من الأمثلة التى قدمتها الباحثة , فى المقدمة التى كتبتها لهذه الدراسة , عن نسبية السمات الجنسية و اختلافها مع طبيعة المجتمعات ما يلى :
(( فى إحدى قبائل الفيلبين , من المتفق عليه أن من رجل قادر على الاحتفاظ بسر . و عند المانوس , يفترض أن الرجال يحبوا أن يلاعبوا الأطفال . أما التودا فيعتبرون أن الأعمال المنزلية هى من القدسية بحيث لا يجوز إسنادها إلى النساء . فى حين أن الارابيش مقتنعون بأن رأس النساء أقوى من رلأس الرجال . ))
من هذا المنطلق , صار بإمكاننا , إذا ما عدنا إلى السمات التبخيسية الملصقة بالمرأة و التى أوردنا قائمة بها لما سبق من حلقات , أن ندرك كيف إنها , إلى حد بعيد , وليدة الدور الاجتماعى المفروض على المرأة و ليست قدراً مسجلاً فى طبيعتها . واليكم بعض الأمثلة :
أ _ إن ما يقال عن (( انفعالية )) المرأة عائد إلى حد بعيد إلى العجز الذى يحكم به عليها المجتمع . فمن لا حول له و لا طول لا يجد لنفسه مخرجاً من الأزمات سوى الانفعال.
ب _ كذلك ما يقال عن تصرفها غير المسؤول عائد , إذا ما صح , إلى كونها لم تدرب , بفعل ما حكم عليها به من تبعية , على الاضطلاع بالمسؤولية بل اعتادت أن تستبعد عن مواقع المواجهة و أن يتخذ سواها عنها القرار.
وأقدم على ذلك المثل التالى : كثير من الفتيات , فى مجتمعاتنا الشرقية , يمنعن من كل اختلاط بالجنس الآخر بحجة حمايتهن من الفساد . لابل إنه لا يسمح لهن بلاطلاع على كل ما يمت إلى الجنس بصلة و لو كان مرجعاً رصيناً و شريفاً هو أبعد ما يكون عن الاثارة الرخيصة . والأدهى من ذلك أنه لا يجاز لهن بالخوض فى أى موضوع على جانب من الأهمية و إبداء الرأى فيه , لأن الأهل يعتقدون , كما ذكرت إحدى الفتيات , (( أن البنت الرصينة يجب أن تكتفى بالسكوت والاستماع فقط لتنال إحترام الناس )).
فإذا ما سنح لاحدى هؤلاء الفتيات أن تغافل الرقابة المتزمتة هذه , المسلطة عليها , و أقبلت على علاقة عاطفية و تصرفت فيها بنزق و تهور , فهل يجوز أن يقال , و الحالة هذه , بأنها , بهذا التصرف , برهنت عن غياب لحس المسؤولية ملازم لطبيعتها كامرأة , و بأنها قدمت بالتالى التبرير لما كان يمارس عليها من رقابة بالغة التشدد ؟ أم أن التفسير الأقرب إلى الحقيقة
و المنطق هو أن تلك التربية المتزمتة الخانقة التى كانت أسيرة لها هى التى حالت بالواقع دون تنمية مداركها و شخصيتها وروح المبادرة فيها , وهى التى عطلت نشوء القدرة لديها على إتخاذ الموقف الواعى المسؤول ؟ .
ج _ أما القول بضعف قدرتها العقلية , فهو لا يصح إلا على قدر ما تحجب عن المرأة فرص تنمية مداركها . والحال أن الموقع الذى يحدد للمرأة فى المجتمع - دون أن يكون لها رأى بذلك - كثيراً ما يعطل عليها هذه الفرصة . و من عوامل هذا التعطيل حرمان المرأة من الاندماج الحقيقى فى الحياة الاجتماعية و إبقائها على هامشها , من جهة , وتقليل فرص التعليم أمامها إذا ما قيست بالفرص المتاحة للذكر , من جهة أخرى .
* فعن تهميش المرأة و ما يحدثه من تضييق لافاقها العقلية و الروحية , كتب سلامة موسى , واصفاً الوضع السائد فى مصر و مقارناً إياه بالوضع فى اوروبا :
(( ... تنشأ الفتاة و هى محجمة متراجعة تلتزم الصمت و السكون و الاستيحاء و التراجع كأنما هذه خطة حياتها أو هى الاعتذار عن حياتها . فلا تحيا الحياة المليئة و لا تزدان برشاقة الايماءة و لباقة الكلمة ولا تستطلع و لا تدرس و لا تخطىء و لا تجرؤ , ولذلك تخسر كثيراً من جمالها الروحى , هذا الجمال الذى لا يعوض عنه جمال الجسم الذى يبدو عندئذ راكداً جامداً (...) نساء أوروبا يعملن و ينتجن و يختلطن . و هن بهذا السلوك يتمكن و ينضجن . فالمرأة تبدو هناك و هى فى الثلاثين انساناً قد جرب و عرف , وأخطا و أصاب و استطلع و درس . فى حين أن المرأة عندنا تكون فى هذه السن قد التزمت البيت و ارتضيت حدوده و جدرانه فحددت بذلك أمداء عقلها و نشاط روحها و سجنت مواهبها و عطلت ضميرها .)) .
* إن نسبة الأمية فى الوطن العربى تبلغ 67 % بالنسبة إلى الذكور و 95 % بالنسبة إلى الاناث ....
ولكن التمييز بين الجنسيين يلاحق المرأة حتى إذا ما نجت من الأمية . و قد سبق أن كتب كوستى بندلى فى كتابه (( تعليم الفتاة و آفاق المرأة )) :
((..... قد ترسل البنت إلى المدرسة و تتجاوز المية , و لكن الأسرة و المجتمع يشعرانها بأن هاجس التعليم ثانوى فى حياتها لأنها معدة أصلاً , وقبل كل شىء آخر , للزواج و الأمومة , فلا يلقى تحصيلها المدرسى من محيطها نفس الاهتمام و التشجيع اللذين يلقاهما تحصيل الذكر . و هذا ما ينعكس على طموحها فى هذا المضمار , لذا فكثيراً ما تقيل بالانقطاع عن الدراسة ( هذا إن لم ترغم عليه ) بعد بلوغها مستوى محدود فى التحصيل , و نادراً ما تجد فى نفسها الحافز الضرورى لمتابعة دراسات عليا .
والادهى مما سبق ذكره هو إن هذا التدنى فى طموحات البنت الدراسية , الذى يعكس نظرة المجتمع إليها و ما ينتظره منها , يؤثر حتى على مستوى ذكائها الذى قد يتقهقر بسبب فقدان الحافز إلى تغذيته و توفر الفرص لاستخدامه , كما أثبتت بعض الدراسات , فيكون تأخر العديد من النساء فى هذا المضمار , لا سبباً يبرر عدم مساواتهن بالرجل فى التعليم - كما يدعى الكثيرون - بل نتيجة لعد المساواة هذه )).
ومما يجعل المرء أشد أسفاً لما يتسبب به تثبيط لطموح المرأة العقلى و تحويلها عن تحقيق هذا الطموح عبر متابعة الدراسة , هو ما لدينا من دراسات تثبت أن الفتيات , فى عدة بلدان متقدمة , يتفوقن على الفتيان فى مراحل التعليم الابتدائى و المتوسط و الثانوى.
ففى دراسة ميدانية أجرتها الأخصائية النفسية الفرنسية بيانكا زازو على تلامذة الصف الأخير من المرحلة الابتدائية و الصف الأول من المرحلة المتوسطة , المتراوحة أعمارهم بين 10 و 13 سنة , وجدت أن معدل نجاح الفتيات فى الدروس يفوق معدل نجاح الفتيان الذين يعادلوهن من حيث مستوى الذكاء و من حيث مستوى البيئة الاجتماعى و الثقافى . و قد وجدت هذه الباحثة أن سبب تفوق البنات الدراسى هذا يعود إلى كونهن يمتلكن قسطاً أكبر مما يمتلكه الجنس الآخر من الصفات الضرورية لرفع مستوى المردود الدراسى , من استقرار و تركيز و ضبط للنفس و ما شابه ذلك.
و فى مقال لها فى مجلة (( العلم و الحياة )) الفرنسية :
(( فى كل مستويات التعليم ( المدرسى ) , و فى حال تعادل البيئة الاجتماعية , فإن البنات يتفوقن فى الدراسة على الصبيان . إن نسبة أقل منهن تعيد الصفوف فى المدرسة الابتدائية . من هنا بلوغهن الصف الأول المتوسط فى سن أكبر , و إتجاههن بنسبة أكبر إلى المرحلة الأطول من التعليم الثانوى و حصولهن على البكالوريا فى سن أكبر . إن تفوقهن ملاحظ اليوم ليس فى فرنسا و حسب , إنما فى بلدان أخرى تقدم نفس إمكانيات التعليم لأولد الجنسين ( مثلاً : الولايات المتحدة و السويد ). ))
و تعود الباحثة فتكرر أن سبب هذا التفوق إنما هو عائد لما تتميز به الفتيات من قدرة أكبر على ضبط النفس و على التركيز , تلك التى تبينها الروائز و يشير إليها المدرسون , الذين يصفون البنات بأنهن أكثر انتباهاً و استقراراً أثناء الأعمال المدرسية , وهى صفات تسمح للفتيات بتوظيف أفضل لمواهبهن العقلية , بحيث يحتاج الصبى لينال نفس النتيجة التى تنالها البنت فى التحصيل الدراسى , إلى أن يكون سابقاً لها بمعدل سنة من حيث الذكاء .
المرأة لا تخلو إذاً من طاقات عقلية و لا من قدرة متميزة على توظيف هذه الطاقات فى التحصيل العلمى . المهم أن يفتح لها المجتمع أبواب هذا التحصيل على مصراعيها و أن يشجعها فعلاً على الانخراط فيه , متخطيةسور التوقعات التقليدية التى تأسرها فى دور محدود مرسوم لها مسبقاً.
د _ و إذا ما قيل أن المرأة مأخوذة بالزينة و التبرج , فإن ذلك يعود إلى حد بعيد إلى كون المجتمع يوهمها بأن قيمتها الوحيدة , لأن هذا ما قد صور لها و لقنته منذ مطلع حياتها . لذا نرى النساء الغربيات أقل اهتماماً , على و جه العموم , بالزينة و التبرج , من نساء بلادنا , لأنهن و جدن مجالاً لتأكيد قيمتهن فى ميادين أخرى فتحت لهن.
.............. الحلقة القادمة
#ماريو_أنور (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟