حمزة رستناوي
الحوار المتمدن-العدد: 1258 - 2005 / 7 / 17 - 04:37
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
إن قراءة الخطاب النبوي " القرآن " و فق المنهج التاريخي لم يقم بها حتى الأن سوى المستشرقين ، حيث طبّقوا المنهجية الفيلوجية – التاريخية على القرآن ، مثلما طبق أسلافهم ذات المنهجية على الإنجيل .
أما الباحثون المسلمون فلم يتجرؤوا حتى أمد قريب على فعل ذلك آخذين بالاعتبار ما حصل لنصر حامد أبي زيد عندما حاول ذلك .
فقد كانت الأرثوذكسية الإسلامية تضغط دائماً بالمحرمات على الدراسات القرآنية و تمنع الاقتراب منها ، و قد سهل على المستشرقين أن ينتهكوا هذه المحرمات أكثر مما يسهل علينا اليوم .
و لكن لماذا ؟
لأن العقل العلمي آنذاك كان في أوج انتصاره في أوربا إضافة إلى دعمه من قبل الهيمنة الاستعمارية التي رافقته.
و لكن هؤلاء المستشرقون أخذوا فيما بعد بالتراخي و التراجع كرد فعل لصعود الأصولية الإسلامية المتشددة ، و من مبدأ أن هذه المعركة يجب أن يخوضوها المسلمون أنفسهم و لن نقوم بخوضها عنهم بالوكالة .
بالوقوف عند القراءة التاريخية للنص القرآني يمكننا تلمس محورين :
1- إنجاز تصنيف كرونولوجي " أي زمني " للسور و الآيات " :
من أجل العثور على الوحدات الغوية الأولى للنص الشفوي حيث كشفت المدرسة الاستشراقية اي مدرسة العالم "نولدكه و جماعته" أن الترتيب التاريخي المتسلسل للقرآن عموماً يتم بعكس تاريخ النزول ، و حاولوا جاهدين أن يتوصلوا إلى التسلسل التاريخي – الحقيقي للآيات و السور، و لاحظوا أن آيات بعض السور محشورة في سور أخرى ، فحاولوا إعادتها إلى سياقها السابق .
و يمكننا تناول سورة الفاتحة و سورة العلق كمثالين .
فالسورة الأولى في المدونة الرسمية المغلقة للقرآن هي سورة الفاتحة
و هو اسم خلع عليها فيما بعد , و هي تحتل في الترتيب الكرونولوجي الرقم 46 ، و لذا يمكن القول بأنه من المفيد على الأقل تاريخياً أن نقرأ الفاتحة من خلال السياق الممتد من السورة رقم (1) إلى السورة رقم (46) و لكن بشرط أن يكون هذا الترتيب التاريخي لسور القرآن صحيحاً بشكل قاطع . ثم على الأخص ، بشرط أن لا تكون السورة غائبة عن مدونة ابن مسعود و مدونة ابن عباس .
أما بالنسبة لسورة العلق فهي تحتل رقم 96 في المصحف و هي في الواقع أول و حي نقل إلى محمد /ص/ في جبل حراء . و لكن ما الفائدة التي يمكن أن نحصل عليها من إعادة الترتيب الكرونولوجي " الزمني " للسور و الآيات .؟!
1- حسم قضية الناسخ و المنسوخ في القرآن , مما يساعد على خلخلة الأنظمة الفقهية التي قامت على مصادرة الشرط التاريخي و أسباب النزول , و سحب البساط من تحت أقدام الفقهاء و أصحاب الفتاوى المرتبطين سياسياً و اجتماعياً و نفسياً بخلفية مسبقة
2- تكوين فكرة أقرب إلى الحقيقة عن تطور الخطاب النبوي على الصعيد اللغوي و الفكري و السياسي و القيمي
3- تقديم سيرة نصية قرآنية موازية للسيرة النبوية الشخصية مما يساعد على إضاءة كلا السيرتين
4- تسليط الأضواء على الفاعلين الاجتماعيين في القرن الأول و الثاني المستفيدين من تكريس المدونة النصية الرسمية المغلقة للقرآن " المصحف" و استعادة الصورة الأقرب عن الواقع
5- كشف العلاقة و ملابسات الانتقال من النص القرآني المفتوح إلى النص القرآني المغلق .
و نعود الآن إلى المدرسة الاستشراقية الألمانية حيث اكتشفت هذه المدرسة عدة مراحل مكية متسلسلة , و عدة مراحل مدنية متسلسلة أيضاً , و قد قام بلاشير بنقل هذه النتائج إلى الفرنسية " أنظر كتاب ريجس بلاشير مقدمة للقرآن " "Regis Blachere : Introduction aucran , paris , maiso , nneuveet larese 1991"
و ما كان هذا العمل الفيلوجي "اللغوي" ممكناً لولا التقدم الذي حققته المنهجية الألمانية في القرن التاسع عشر , و من المعلوم أن هذه المنهجية قد أثبتت نجاحها و فعاليتها أولاً عندما طبقت على التراث المسيحي , و بالتالي ينبغي أن يكف الايديلوجيون العرب عن اتهام الاستشراق و القول بأنه يحاول تهديم الإسلام إذ يطبق المنهج التاريخي عليه طالما أنهم لم ينتجوا علماء بحجم نولدكه , بل إنهم لم يقوموا بنقل هذا الكم من الدراسات القرآنية إلى اللغة العربية و ترجمته , و ذلك أضعف الإيمان
إننا نعاني من مشكلة مضاعفة
الأولى : أننا لا ننتج أفكار جديدة.
الثانية : أننا نرفض و نخشى ترجمة الدراسات القرآنية المكتوبة بالغات الألمانية و الفرنسية و الإنكليزية .
فالمسلمون اليوم يعارضون حتى إمكانية ترتيب القرآن طبقاًُ للتسلسل الزمني الكرونولوجي للوحدات النصية التي يصعب بالطبع تحديد تواريخها و بالتالي ترتيبها , إن مجرد التفكير بهذه الاحتمالية مرفوض من قبل جمهور المسلمين , أما النص المكتوب "المصحف" فهو مقروء من قبل جميع المسلمين من خلال برتوكولات الإيمان الذي لا يناقش أو يجادل من خلال ما يدعوه كبار المفسرين على غرار الخوئي " بالمقدمة التمهيدية للقرآن " . و نلاحظ أن المفسرين المسلمين المعاصرين يعتمدون جميعهم في طريقة تفسيرهم و خياراتهم العقائدية على المفسريين القدامى و لن يحاول أي واحد منهم أن يفكك تاريخاً و فلسفياً نظام المسلمات أو البداهات المؤيدة منذ قرون عديدة بصفتها موقفاً دوغمائياً مقدساً و مفهوماً
و لكن السؤال الذي يطرح نفسه أننا إلى أي مدى نستطيع التوصل إلى قراءة تاريخية ذات مصداقية , أي قراءة أقل اعتماداً على الظنون و الفرضيات و البحث عن الاحتمالات ؟!
حيث أننا أمام حالة لا رجوع عنها نتجت عن التدمير المنظم لكل الوثائق الثمينة الخاصة بالقرآن , اللهم إلا إذا عثرنا على مخطوطات جديدة توضح لنا تاريخ النص و كيفية تشكيله بشكل أفضل , و لكنها على كل حال احتمالية مستبعدة جداً الآن , و إن لم تكن مستحيلة , و قد تكون هذه الحالة نتجت عن قلة اهتمام المعاصرين , حيث أن المعاصرين لزمن القرآن "الصحابة" لم تكن المعرفة التاريخية هي شغلهم الشاغل كما هو حاصل الآن , فقد كانت المعرفة الأسطورية أو الخيالية القائمة على حب التضخيم و المبالغة هي المسيطرة على وعي الناس والشعوب التي لم تدخل في مرحلة العلم والحداثه والتكنلوجيا حتى الأن .
إن القراء ه التاريخية للنص القرآني سوف تظل ناقصة ما لم نتوصل إلى نسخة محققة تماماً وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلها الاستشراق منذ نولدكه و بلاشير و حتى باحثه معاصره كجاكلين شابي فإن تحقيق القرآن لا يزال يعاني من ثغرات مهمة , و يبدو أن هذه الحالة لا مرجوع عنها أتت على كل النسخ التي كانت معاصرة للمصحف و دمرت إلا نسخة واحدة هي النسخة الأرثوذكسية التي فرضتها السلطة الرسمية و لو بقيت نسخ آخرى معاصرة لهذه النسخة كمصحف أبن مسعود و غيره لاستطعنا التوصل إلى صورة أكثر تاريخية أو أكثر حقيقة للنص و كيفية ترتيبه .
فالقرآن لم يثبت كلياً أو نهائياً في عهد عثمان على عكس ما نظن و إنما ظل الصراع حوله محتدماً حتى القرن الرابع الهجري حيث أغلق نهائياً باتفاق ضمني بين السنة و الشيعة . وذلك لأن استمرارية الصراع كانت ستضر بكلا الطرفين , حيث تم اعتباره نص نهائي لا يمكن أن نضيف إليه أي شيء , و أصبحوا يعاملونه كعمل متكامل على الرغم من تنوع سوره و اختلافها فيما بينها من حيث الموضوعات و الأساليب .
و لمزيد من هذه المعلومات يمكننا تصفح ثلاث كتب نشرت مؤخراً حول هذه النقطة " و للأسف لم يجرؤ أحد على ترجمتها "
- مقاربات لدراسة تاريخ تفسير القرآن
" نشر أندريوريبتن , مطبوعات جامعة أوكسفورد 1988 "
- مقاربات لدراسة القرآن
" نشر ج. هاوتنغ و عبد القادر أشرف , روتليدج لندن 1993 "
- القرآن بصفة نصاً
" دراسة جوزيف فان ايس ضمن كتاب جماعتي بإشراف ستيفان ويلد عام 1996 "
لم يعد ممكناً اليوم أن نتكلم عن الاستشراق و المستشرقين كما كنا نفعل حتى السبعينات من القرن العشرين , و ذلك من أجل رفضهم و إدانتهم و الأعراض عن إنتاجهم العلمي , بل يجب علينا أن نقوم بترجمة أهم الأعمال المتخصصة للدراسات الإسلامية , و التي ينتجها هؤلاء المستشرقون الأكاديميون بالذات , و ذلك لكي نتمكن من مناقشتها على أسس علمية موضوعية , لا على أسس ايديولوجيه عقائدية .
و من الأمثلة المهمة لشرح مفهوم اللامفكّر فيه في الفكر الإسلامي المعاصر كتاب الأستاذ يوسف فان إيس Yosoph vanes و هو كتاب مكرّس لدراسة فترة التكوين الأولى للفكر الإسلامي و يلقي عليها أضواء ساطعة , و قد اتخذ الأستاذ يوسف فان إيس العنوان التالي " اللاهوت و المجتمع في القرون الثلاث الأولى للهجرة "
و يكفي لتقييم الثروة العلمية لهذا الكتاب أن يتصفح المرء الفهارس و قائمة المراجع القديمة و الحديثة التي أعتمد عليها المؤلف و حللها أدق تحليل , و هو تحليل علمي اشتهرت به المدرسة الفيلوجيه الألمانية القرن التاسع عشر و السؤال الذي يفرض نفسه على كل باحث مسلم مهتم بالفكر الإسلامي أو كل مسؤول عربي أو إيراني أو تركي عن قضية اللغة و الفكر هو التالي , لماذا لم يترجم هذا الكتاب إلى اللغات الإسلامية الأساسية كالعربية و الفرنسية و التركية ؟!
فلو كانت المعلومات و المناقشات و التحليلات المتضمنة في كتاب فان إيس حول الفكر الإسلامي معروفة بالنسبة للجمهور الإسلامي و العربي لاختلاف الأمر كلياً , لو كانت منشورة و متداولة بين الطلبة و الباحثين و المثقفين لكان النشاط الإبداعي و الجو الثقافي و الاجتماعي و الأنظمة السياسية غير ما هي عليه الآن من قمع لحرية الفكر و النشر , و لما كنا نشهد الآن هيمنة العنف الاجتماعي و السياسي و انتشار الجهل المعمم و الشامل بماضي الإسلام كدين و نمط من أنماط التفكير و الاعتناء بأنسنة الإنسان
مما سبق نستطيع فهم إصرار أرغون على استخدام مصطلحات مثل " المدونة الرسمية المغلقة " بدلاً من المصحف . و تركيزه على نقد العقلية الأرثوذكسية المسجونة داخل النظام العقائدي و نعتها بمصطلح " السياج الدغمائي المغلق "
2- ربط النص القرآني بشريطه التاريخي و الاجتماعي :
االنصوص الدينية عموماً و النص القرآني خصوصاً , يتعالى على التاريخ من وجه نظر الوعي الاسلامي التقليدي , فالنصوص الدينية تتعالى على التاريخ في نظره . ولكن البحث التاريخي الحديث يثبت لنا أن القرآن مرتبط بظروف عصره و بيئته أي بشبه الجزيرة العربية – و بخاصة منطقة الحجاز – في القرن السابع الميلادي.فألفاظه ومرجعياته الجغرافية و التاريخية تدل على ذلك . يضاف إلى ذلك أن حياة النبي و تبشيره بالدعوة , و معارضة أهل مكة له ، وما حصل من أحداث و حروب ، كل ذلك نجد أصداءه واضحة في القرآن ، و هذا لا ينفي أنه كتاب موحى من قبل الله أو مستلهم منه ، و لكن الوحي يتخذ في كل مرة صيغة اللغة و القوم الذين وجّه إليهم هذا الوحي .
إن القراءة التاريخية تعني أساساً أن حدثاً ما قد حصل بالفعل و ليس مجرد تصور ذهني كما هو الحال في الأساطير ، أو القصص الخيالية أو التركيبات الإيديولوجية ، و إن سورة التوبة توفر لنا أفضل مناسبة كي نعيد تقييم مفهوم الوحي عن طريق أخذ بعده التاريخي بعين الاعتبار ، و ليس فقط كشيء متعالٍ جوهراني أزلي أبدي يقف عالياً فوق التاريخ البشري ، و تبين لنا السورة كيف أن الطائفة الجديدة الوليدة قد انخرطت بعد فتح مكة في عملية بناء المؤسسات ، و هي تستطيع أن تنقض العقود و الاتفاقات الموقعة سابقاً مع الفئات المعارضة و تفرض عليها شروطها الجديدة تحت التهديد بإشعال الحرب ضد كل هؤلاء المشركين الذين يرفضون شرع الله و رسوله " انظر الآيات الخمس الأولى من السورة علماً بأن الآية الخامسة تدعى أية السيف "
أما البدو الذين يرفضون المشاركة بالحرب العادلة " أي الجهاد " فقد أدينوا بقسوة في تلك السورة ، و أما أهل الكتاب فقد أجبروا على دفع الجزية ، وهكذا تم تصنيف الفئات الاجتماعية سياسياً و لاهوتياً , فالأصوليين الجدد لا يهتمون بزمن الأحداث و من هنا تكمن خطورة القراءة اللاتاريخية لهذه السورة ، فالأحداث التي حصلت و التي تتحدث عنها سورة التوبة بشكل تلمحي أو تصريحي هي أحداث تاريخية أرضية حصلت بالفعل ، و لكن بعد أن خلع الخطاب القرآني عليها صيغة التعالي و رفعها من المستوى الأرضي إلى المستوى الفوقي عن طريق ربطها بإرادة الله و مشيئته فأصبحت مقدسة و فقدت طابعها الأرضي و التاريخي ، و بخاصة بعد أن مر عليها الزمن ، بل و تراكمت عليها أكداسه إذا جاز التعبير ، و لم نعد نبصر تاريخيتها ، أو نقدر على لمّها نحن المتأخرين .
لقد طمست تاريخيتها كلياً عن طريق هيبة الخطاب الديني التأسيسي أي الخطاب النبوي "القرآن", و الأن ماذا يفعل المؤرخ المحترف ؟!
إنه يقوم بحركة معاكسة ، و يرجع في الزمن عميقاً إلى الوراء لكي يتموضع في لحظة القرآن ، و لكي يكشف عن تاريخيته بعد أن فقدها و أصبح متعالياً بشكل كلي ، و هنا تكمن القيمة التحررية لأعمال المؤرخ و بخاصة إذا كان يسيطر تماماً على منهجية الحفر الأركيولوجي في الأعماق
في سورة التوبة نجد الدنيوي و المعياري و السياسي و الظرفي العابر بحيث يتقلص التدخل الإلهي إلى مجرد تنبيهات و أوامر قاطعة ، و لكن يبقى مع ذلك صحيحاً القول إن التاريخية المتجسدة في السورة تشكل بالضبط العلاقة الكائنة بين كل حقيقة و الزمن .
يمكننا اليوم التحدث عن نوع من التفسير الفوضوي السائد للقرآن ، و أدل على ذلك بقيام الأصوليين بقتل الرهبان المسيحيين المقيمين في منطقة تريبهيرن في الجزائر ، حيث استشهد هؤلاء الأصوليون بالآية التاسعة و العشرين في سورة التوبة من أجل إطفاء المشروعية على ذلك العمل الإجرامي المضاد لكل ما علمنا إياه القرآن عن أهل الكتاب " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر و لا يحرّمون ما حرم الله و رسوله و لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون "
و كذلك قتلة الرئيس السادات قد فعلوا الشيء نفسه ، و هذا يعني أنه لا نستطيع أن نهمل هذا التفسير الفوضوي لنريح أنفسنا و نتخلص من الانحرافات ، و ما يدعم هذا التفسير هو المباركة الشعبية الواسعة و تأيد هكذا أعمال ، و اعتبارها جزءاً من الحروب الصليبية الجديدة بين الإسلام و المسيحية .
تقول أية السيف " فإذا انسلخ الأشهر الحرم ، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، و خذوهم ، و احصروهم ، و اقعدوا لهم كل مرصد ، فإن تابوا و أقاموا الصلاة ، و آتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ، إن الله غفور رحيم "
بعد الانتهاء من قراءة هذه الآية نفهم فوراً سبب الحماسة المغالية و المتهورة للمؤمنين الحرفيين الذين يعتنقون عقيدة السيف و يرفعون لواء الحرب " الجهاد " من دون أي تفكير ، و كذلك نفهم سر الانزعاج الذي تسببه هذه الآية لأولئك المسلمين الليبرالين الذين يعتنقون المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان و الحرية الدينية و التسامح و حرية التفكير و التفحص النقدي ، فهم يحاولون التحايل عليها أو التخفيف منها و جعلها نسبية عن طريق الاستشهاد بآيات أخرى أكثر مسالمة و تحبيذاً للكلام التبجيلي التكراري عن حقوق الإنسان في القرآن .
إن الخطاب القرآني في سورة التوبة يحيلنا إلى خضوعين ديني و دنيوي ، أي الخضوع للسلطة الجديدة سياسياً , و الخضوع لله دينياً .
يمكننا استنطاق سورة التوبة على شكل إنذار سياسي يتضمن :
أولاً : الاستسلام دون شروط
ثانياً : يمكنكم أن تصبحوا مسلمين و مناضلين بالانضمام إلينا و إعلان إسلامكم
ثالثاً : علامات الإسلام ممارسة الشخص للزكاة و قيامه بالصلاة و بقية الشعائر .
إن أي مقاربة جادة لسورة التوبة تمر عبر بوابة تاريخية مشروطة اجتماعياً .
فالأشهر الحرم " الواردة في السورة " هي تعبير لغوي و اجتماعي خاص بالعرب الجاهلين و الغزوات المتبادلة بينهم ، إنه تعبير ينسجم مع الثقافة الرعوية شبه الزراعية في القرن السابع الهجري و القرون الوسطى و لا يمت بصلة إلى فضاء العصور الحديثة . و كذلك كلمات : الأعراب – قو م – عشيرة – سيد – عبد – الأنصاب – الأزلام .....الخ , فهي مفردات تنتمي إلى فضاء قرن وسطي لم نستطع تجاوزه معرفياً في البلاد العربية و الإسلامية حتى الأن .
و مقابل هذه المفردات هناك كلمات : دولة – مواطنة – ديمقراطية – علمانية – حقوق إنسان .......
و هي مفردات تنتمي إلى فضاء حداثوي ، حداثة أنجزها الفكر الغربي أساساً عبر مسيرته التنويرية النقدية المتلاحقة ، و تلك هي المعضلة الكبرى ؟!
كيف يوفق الإسلاميون التنويريون الليبراليون بينهما .
بعد الانتهاء من دراسة البعد التاريخي للنص القرآني في إطار المنظور الأرغوني المتعدد المتكامل لا بد من أخذ ما يلي بعين الاعتبار :
1- يمكن اعتبار المشروع الأرغوني "دراسات – كتب- ندوات – محاضرات " كمجموعة نصوص ثانوية تعنى بالنص القرآني الأساسي . هذه النصوص تعبر عن نفسها عبر وسيط "مترجم" كونها كتبت باللغة الفرنسية و هذه نقطة ضعفها و نقطة قوتها في الوقت ذاته , ضعفها كونها تخاطب الغير مهتمين إلى حدٍ ما , و بالتالي تتم إعاقة استخدام مهمة لها مما يحدد من إمكانية دخولها في الجدل الدائر حول النص و المقدس في المجتمعات العربية و الإسلامية , و قد قام الدكتور هاشم صالح بالتصدي لهذه المهمة ترجمة و تعليقاً و شرحاً للمشروع الأرغوني إلى حد يمكن اعتباره الكاشف و المتمم لهذا المشروع , و نقطة قوتها لأن اللغة الفرنسة أتاحت عبر صيرورتها الحداثية المنفتحة إمكانيات للأسف تفتقر إليها اللغة العربية المتداولة حالياً
2- لنتساءل عن المعنيّ بالمشروع الأرغوني ؟!
إن الجواب بداهة هو مجموعة الفاعلين الاجتماعين في المجتمعات العربية والإسلامية , و هؤلاء الفاعلين في وضع مأزوم كما نرى , تحيط بهم دوائر الخوف و العنف و الفقر و القهر و التقديس , و من هنا يجب أن نطرح سؤال الحداثة العربي على المحك و ما علاقته بالمشروع الأرغوني , و هل بإمكان أرغون أن يؤثر سلباً أم إيجاباً في مجتمعات دينية مغلقة مزدهرة في بلاد العرب و الإسلام .
و من هنا نطرح سؤال الحقيقة المعقدة و علاقتها بالعقل الاختزالي الذي يمد مسيّري أمور المقدسين بكل ما يحتاجونه من لوازم .
#حمزة_رستناوي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟