محسن لفته الجنابي
كاتب عراقي مستقل
(Mohsen Aljanaby)
الحوار المتمدن-العدد: 4370 - 2014 / 2 / 19 - 08:13
المحور:
كتابات ساخرة
زينب لم يظهر أسمها مع الناخبين , أجابها الموظف بأن فترة تغيير المراكز أنتهت وحين دقق في حاسوبه قال:
أسمك هناك بعيداً حيث كنت قبل الزواج مع أهلك في الحلّة (تلك المدينة التي ضربت اليوم بستّة مفخخات فيما هي غافية على كتف الفرات تأكل الباگلّه) .
عادت زنوبة لبيتها محبطة , فلايمكنها أن تنتخب في منطقتها , ومن الصعب أن تذهب لأهلها وخلفها (جرويط) أولادها الخمسة , ربما يطبقون حظر التجوال لأيام متتالية , وفوق ذلك طباع زوجها المقفول دماغه بمفتاح رماه الجهل في قعر المحيط المنجمد فهو لايسمح لها بالخروج أكثر من مسافة مئة متر .
أنتهزت ذهابه الى (مقهى المتقاعدين الشباب) في شارع (المطبّكَ) كعادته لتطوف على بيوت المنطقة ضمن المدى المسموح به علّها تجد مخرجاً
طرقت بابنا ورفضت الدخول , خرجنا لنقف كل أمام بابه , كانت تسحل عبائتها وكأنها تجر قاطرة و تنادي:
وين أهل الغيرة منو عنده واسطة , عرف , أريد أنقل أسمي من الحلّة لحي النصر , أستمرّت تهذي : أريد أنتخب , أريد أنتخب .. شلون ياربي
ترجمت هذيانها بلغتي : كيف يحرموني من أول شعور بالوجود , كيف يضيعون بسهولة حلمي , المسكينة (تخرمش و تلطم) ..
تطوع أبو عماد ليخفف من صدمتها : يمعوده على كيفچ أشخبصتينا , آني الگدامچ مرحت للأنتخابات الأخيرة , لأن غاسل أيدي بسبع صوابين , قابل صوتك فد مندلة , أصلاً الأنتخابات مابيها ثمرة وسالفتها قشمرة , صديقي ترشح و أنتخبته مرتين وبأثنيناتهم خسر لأن مو من عدهم , وحده منهم حصّل عشرتالاف صوت ,تاليها طلعوه وجابوا واحد ما محصّل أربعميّه , هاي اللعبة مفصليها تفصال بس لجماعتهم ولحد يغالط نفسه , شفتي شلون طلعوا البطايق الأنتخابية أم الشريحة خلال شهر واحد , لو شغلة بيها فائدة للمواطن كان بقت خمسين سنة .
تقدمت الحاجّة أم سعد نحو زينب تحاول أستعجال أبو عماد كي ينهي كلامه لترمي جمرها وبدأت :
أما صدكَ بطرانه , خايبه شوفي ذولي الحواسم صارلهم عشر سنين وهاي طبينا الدعش , أخذوا المتنزّه وبنوا بيوت دبل فوليوم وطين و تنك ومحد أجاهم حاسبهم , وحصرونا حصرة الچلب بالجامع , بروح والديچ كم أنتخابات صارت و المنطقة خايسه وسمعتها سودة ومصخّمه بسببهم , الله ينعلهم ..
(كانت تركز على هاجسها المؤرق , مشاكل العالم تختصر عندها بـ(الحواسم) فقط , فأولويات الناس تختلف بحسب الضرر ولايوجد هدف عام مشترك , وتلك هي الطامة الكبرى عندنا)
أم هشام أنزلت قنينة الماء الكبيرة من فوق كتفها وعدلّت من هيئتها وكأنها تستعد لخطبة بدأتها : خايبه أنتِ صدكَ سفيهه وماعندك عقل , شفت الوادم ملتمة يم بابنا وأنهبطت , منّاك الأخبار تاخذ الروح و الدنيا محتركَه وأنتي حايره وين تنتخبين , عاد شلون أنتخابات عليها العين جلگه .. الثولة ذابحه روحها ماعدها شغل وعمل , بالأول روحي شوفي روحك بالمرايه بلكي الله يهديچ وتعدلي چهرتچ , الله يطيّح حظّچ ( أم هشام مصابة بمتلازمة الأنقضاض والفوقية أحد أمراضنا السارية يندرج تحت باب التطرف المنتشر في البلد) .
سمع أبو هشام ما قالته زوجته من تهكّم غير مسبوق فخرج ورمقها بنظرة أقرب الى (جرّة الأذن) فأنسحبت الأخيرة بسرعة, وأرتجل معتذراً :
عمي زينب الأنتخابات ظاهرة حضارية و هي الطريقة الوحيدة للتغيير وماكو غيرها , بارك الله بيچ لأنك وطنية و حريصة على البلد , عندي خوش مرشّح حبّاب و يفيدكم يشتغل مدير عام بدائرتنا , الرجّال فايز حي ع الصلاة , بس هم نحتاج وگفتكم (نبذه عن أبو هشام : رجل عملي يمتلك مهارات عجيبه في تحويل كل حدث أو ظرف الى صفقة فيها منفعة , حتى الأنتخابات ينتهزها ليخرج بمكاسب مادية و معنوية تجعله افضل من باقي جيرانه ليعلو النسق في عموم حي النصر )
أجابت زينب متهللة : خلف الله عليك أبو هشام , أنت خوش رجّال وتفتهم , وآني مراح أزعل من مرتك , حقها متعرف بيّه مثقفه و خريجة سادس ثانوي , بس أهلي زوجوني لجاسم و حرموني كان هسّه طبيبة الله ينتقم منهم , شلون تاليها , مراح أگدر أنتخب ؟
جواب أبو هشام أفرح زينب , لكنه لم يعجب أبو عماد وأم سعد , تحول الأمر الى سجال بينهم , جعلني أبتعد , نفس (القوانة) التي مللناها , تفاؤل غير موضوعي مع تشاؤم مبالغ فيه , تحول الى جدل ثم معركة تستخدم فيها كل أسلحة التاريخ السرّي والعلني للأطراف المتصارعة , مع مقارنات طويلة ما بين الأنظمة الحالية و المنصرمة , وفي النهاية يرمون عليها بالخراب الذي نعيشه في حاضرنا .
لا فائدة من الكلام , حتى رغبتي بأستعراض نفسي أمامهم صارت مزعجة , يتهمونني بأنني معقّد , كان حكمهم فسحة حررتني من سخافاتهم , أصبحت في منئى عن القيل والقال ونقاشاتهم التي تشبه (طبخ الحصو) في هذا الحي الميّت سريرياً من زمن نوري سعيد والبكر , فهو غارق بالمصلحية والعهر والتخلف , أردت أن أقول لزينب أن الأنتخابات ظاهرة حضارية كما قال أبو هشام , وأنها لاتفضي الى نتيجة كما قال أبو عماد , أي تناقض , لحظة من فضلكم , فقد أكتشفت بأنني مثلهم , وفي نفس الوقت أستنكف منهم , أذاً النتيجة أنني أبشع منهم , أردد مايقولون بالضبط , جميعنا يعاني متلازمة الجبن و سوء التشخيص أبداً , من يجروء أن يقول الحق , أهناك شجاع يجروء أن يهمس بأن المشهد خراب و أبطاله ميئوس منهم , أسعفتني أهزوجة تقول ( ماكو شريف وحبّاب , عربانه مليانه چلاب) , ربما وحدها تختصر المشهد , أردت أن أغيض (أبو هشام) وأصرخ : أنت رهينة لخيارين لاثالث لهما أما الصمت مع القطيع خاصتّك أو الموت على قارعة الطريق لتنتهي مثل بعرورة سحقت , فالأرهاب وحده المزدهر يمتلك الحريّة المطلقة نترنح تحت ظلاله بصمت ذليل ليستبيحنا , الأرهاب مفهوم مطاط , لباس يوسف يقد من قبل وأحياناً من الدبر صار بأمر صاحب الأمر ,لكننا نعرفه بمفهومه الثابت رمزاً للشر بكل أشكاله وصوره , يقولون لادين له , كذب في كذب , فهو يتنفس بأسمه و بينهم العلاقة مثل الماء والشجر , الناس مخلوقات صامتة بكروش لازالت تشهق عاجزة عن الزفير والتململ فكيف لها أن تقوى على الحراك والعمل من أجل الحاضر والمستقبل , مامعنى أنتخابات يتشدق بها وحوش عطشى للمال والدماء , تسبقها تصفيات و تطهير وأبادة بأسلحة شتى , حملات من العهر الرخيص المكرر , مجرد عملية تجديد للبيعة ,منافسهم سيبعد أو يقتل وإن نجا بأعجوبة مؤكد سيخسر , وهنا نتسائل , مادام الخيار محتكر بيد الجوقة نفسها ماهي قيمة أصواتنا , هل يبقى من الديمقراطية شيئاً عدا أسمها , كلمة فارغة تنحرف في الدلالة لتعطينا معنى العبودية المطلقة , نحاول توظيفها رغم أنحرافها لتمنحنا أنتصارات وهمية تخدرنا مؤقتاً نحن المغلوبين على أمرنا , فديدن كل كيان يغرق تشبّثه بـ(سبّاح النخل) ولازلنا مثل (زنوبة) مفلسين لانملك زوادة , سوى الحلم .
#محسن_لفته_الجنابي (هاشتاغ)
Mohsen_Aljanaby#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟