سهر العامري
الحوار المتمدن-العدد: 1227 - 2005 / 6 / 13 - 06:25
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
ظل الخلاف الأوربي – الأمريكي ، ومنذ الأشهر التي سبقت الحرب الأخيرة التي شنت على صدام ونظامه ، متصاعدا يوما عن يوم ، وذلك بسبب ما خُطط للعراق ، ودول أخرى في المشروع الأمريكي المسمى بالشرق الأوسط الكبير ، ذلك المشروع الذي رأى فيه صناع السياسية في فرنسا وألمانيا استحواذا تاما على السوق العراقية التي دخلتها الدولتان بقوة في مجالات عديدة زمن صدام ، أهمها النفط ، والذرة ، والأسلحة الجرثومية ، والكيمياوية ، بينما ظلت أمريكا غائبة عنها لسنوات عدة ، رغم العلاقات السياسية القوية التي ظلت تربطها بنظام صدام الساقط ، خاصة في الفترة التي تواصلت فيها الحرب ما بين العراق وإيران .
لقد دخلت فرنسا الى سوق النفط العراقية من خلال اللوبي الفرنسي الذي كان يقوده عفلق شخصيا ، حيث رعت فرنسا التشكيلات الأولى لحزب البعث إبان النهوض الكبير للاتحاد السوفيتي ، والدول الاشتراكية الأخرى ، ولهذا فقط شاهد العراقيون ، وللمرة الأولى شركات النفط الفرنسية ، مثل شركة توتال الفرنسية النفطية العملاقة ، تحط رحالها في حقول النفط شرقي البصرة ، وفي جزيرة مجنون على وجه التحديد .
أما الألمان فقد كانوا يتباهون بتزويد صدام بأسلحة الموت الكيمياوية ، حتى أن إذاعتهم حينها كانت لا تجد حرجا في تبرير ذلك تبريرا لا يخلو من سخافة ، وذلك حين كانت تقول : إن ألمانية ( وكانت الغربية وقتها ) حين تزود العراق بالسلاح الكيمياوي فإن مرد ذلك يعود الى أن العراقيين هم أول من نقل لها ولأوربا التكنلوجيا زمن زعيمها الشهير ، شارلمان ، وذلك حين أهداه هارون الرشيد ساعة كانت تعمل على الماء !
لقد أدركت الدولتان ، فرنسا وألمانيا، أن عصرهما الذهبي في العراق الى زوال، وذلك منذ أن كانت الحرب فكرة تدور في عقول رجال البيت الأبيض الأمريكي، ولهذا السبب بالذات وقفتا ضد أن تشن أمريكا حربا على صدام ، على عكس ثعالب السياسة الانجليز الذين كان يسيرون وراء الأسد الأمريكي منتظرين ما يمن عليهم بفضلة من فرائسه المحتملة ، حتى لو كانت تلك الفضلة عقود ثانوية تقدمها الشركات الأمريكية العملاقة الى الشركات الانجليزية ، ولذا فقد قاموا بتأييد خطاه ، والدعاء له بالنصر ، وهو يسير نحو شرق أوسطه الكبير ، هذا في وقت رفضت فيه فرنسا وألمانيا حصة الفضلة تلك ، متصورتين أن رفضهما هذا سيلجم أسدا هائجا ، ويمنعه من الوثوب على صدام ، زميل جاك شيراك ، وخدينه على مائدة السمك المسقوف التي حملها صدام له مرة من على شواطىء دجلة ، والى شواطىء نهر السين ، وفي ساعة كان نابليون بونابرت ينظر اليهما فيها مبهورا بالكرم الصدامي ، وهو يرقد في قبره على ضفة ذلك النهر !
لكن الرفض الأوربي للحرب الأمريكية الذي تزعمته فرنسا وألمانيا لم يعمر طويلا ، وذلك بسبب من تقسيم تلك الحرب للبلدان الأوربية ما بين مؤيد لها ، ومعترض عليها ، ثم جاءت نتائج الانتخابات ألمانية والفرنسية الأخيرتين التي أظهرت الأولى فارقا ضئيلا في نسبة التأييد ما بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يتزعمه جيرهارد شرودر ، وبين الحزب الديمقراطي المسيحي بزعامة ادموند شتويبر الذي اتهم شرودر من قبل بالتخاذل في تحمل مسؤولياته واستبعاد مشاركة ألمانيا العسكرية في أي ضربة توجه للعراق ، يضاف الى ذلك العوامل الداخلية التي يأتي في طليعتها البطالة المتفشية بشكل مخيف بين طالبي العمل من الألمان ، مع حالة اقتصادية متضعضعة .
أما الشعب الفرنسي فقد خيب آمال رئيسه ، جاك شيراك ، في قيادته لأوربا، وذلك حين صوّت بلا للدستور الأوربي الموحد في الاستفتاء الأخير الذي جرى في فرنسا ، فقد رفضت أحزاب اليمن ذاك الدستور ، ورأت فيه انتقاصا من الوطنية الفرنسية ، رغم أن علم الوحدة الأوربية ينضح باللون الأزرق ، رمز الدم الآري ، بينما رأى فيه اليسار الفرنسي ، وفي المقدمة منه الحزب الشيوعي ، انتقاصا من أمميته ، وخلافا لتطلعاته في عالم يرتبط بعلاقات عدل ، وترفرف عليه أجنحة السلم والأمن .
يضاف الى ذلك ما قالته صحيفة ، نيويورك تايمز ، الأمريكية قبيل انعقاد القمة الأوربية التي انعقدت في بروكسل ، العاصمة البلجيكية في 21- 2- 2005 ( من أن تلك القمة تهدف بشكل أساسي إلى تقريب وجهات النظر المتباينة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي تجاه العديد من القضايا ) ، ففي تلك القمة أظهر الأمريكيون موقفا فيه كثير من المرونة اتجاه الموقف الأوربي من المسألة العراقية الذي كانت فرنسا وألمانيا تتزعمانه ، والذي عكس حالة الضعف التي بدأت واضحة على لغة الخطاب الأمريكي الذي ألقاه الرئيس الأمريكي ، جورج بوش ، على مسامع القادة من حلفاء أمريكا الأوربيين ، المعارضين ، والمؤيدين للحرب التي شنها بوش على صدام حسين ، وعكس كذلك النأي عن الوصف الذي أطلقه رامسفيلد ، وزير الدفاع الأمريكي ، قبيل تلك الحرب ، حين وصف أوربا المعارضة للحرب على صدام بالعجوز .
وعلى أساس من ذلك ، وغيره من قضايا دولية أخرى تجد فيها أوربا وأمريكا نفسيهما وجها لوجه ، قاد وزير الخارجية البريطانية ، جاك سترو الوفد الأوربي في زيارته المفاجئة الى العراق ، والذي ضم بالإضافة إليه ، خافيير سولانا ، منسق السياسات الخارجية الأوربية ، وبتينا فيرارو فالدنر ، مفوضة الشؤون الخارجية ، وجان أسيلبورن ، ووزير خارجية لوكسمبرج الذي ترأس بلاده الاتحاد الأوروبي حاليا.
ويبدو أن الخبرة المتراكمة لدى الانجليز عن العراق بسبب من استعمارهم القديم له ، ودور الوسيط الذي لعبوه بين أوربا ، ألمانيا وفرنسا ، وبين أمريكا في تباين المواقف عشية الحرب على صدام ونظامه ، هما اللذان زكيا وزير الخارجية البريطانية ، جاك سترو ، لقيادة الوفد المذكور في زيارته للعراق ، تلك الزيارة التي عجلت بها عوامل عدة ، مهمة يأتي في مقدمتها حالة التدهور الذي أصاب الحياة في جميع وجوهها في العراق ، نتيجة لتصاعد العمليات الإرهابية ، ونتيجة للتخبط السياسي الذي سارت عليه حكومتان عراقيتان ، انتقاليتان ، ثم التدخل الفض في الشؤون العراقية من قبل دول الجوار، خاصة تدخل الإيراني في شؤون العراق ، والى الحد الذي باتت فيه عناصر معروفة من جهاز المخابرات الايرانية ( إطلاعات ) ، تتسنم مناصب مهمة في مراكز الحكم العراقية ، بالإضافة الى الخسائر البشرية والمادية التي تقع كل يوم ، ثم حالة التذمر التي بدأت تستبد بالناس في العراق من جراء تواصل المأساة ، وتراكم المحنة ، كل هذا أظهر أن أمريكا تسير الى ورطة في العراق لا تختلف عن ورطتها في فيتنام من قبل ، بينما يتمثل العامل الثالث في حالة التوافق السياسي الذي توصلت له أوربا وأمريكا في قمة بروكسل المشار إليها ، وهو أن تسمح أمريكا لأوربا بلعب دور في العراق ، حتى ولو كان هذا الدور يستظل بأعلام كوفي عنان ، وأممه المتحدة .
.
#سهر_العامري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟