|
الوعاء الثقافي لصيرورة الحكم في اليمن
بكر أحمد
الحوار المتمدن-العدد: 1222 - 2005 / 6 / 8 - 11:23
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية
في الحقيقة أنا لستُ من النوع الذي يقيٌم الرجال بناء على انتماءاتهم العرقية أو الجهوية وأن كنت على دراية بأن الوضع البيئي والثقافي له من التأثير الكبير على ذهنية الإنسان ونمطية تفكيره ، لكن وبعيدا عن النظرة العرقية والحياة الاجتماعية علينا لو أردنا فعلا أن نفهم سلوكيات أي كائنا كان ، أن لا نتجاهل البعد النفعي العائد على المخرجات اللفظية أو الفكرية لذاك الكائن .
بمعنى أن أردت أن تفهم كيف يفكر هذا الإنسان ، عليك أن تفهم أولا ، لماذا هو يفكر بهذا الشكل وما هي النتائج الذي يرتجيها من هذا التفكير ، على اعتبار بأن كل مفكر يستخدم عقله ، هو في الأساس يبحث عن شيء أو نتيجة أو عائد جمعي أو فردي . وبطبيعة الحال فأن اليمني و بشكل عام ، ما هو إلا إفراز هين وسهل لثقافة اجترت ذاتها قرون طوال تجاوزت ما قبل الوعي الديني _ على اعتبار أن الدين مرحلة متطورة عن البدائية _ و تلاحقت زمنيا وبشكل مكرر بعيدة كل البعد عن الإبداع أو الرغبة في الخروج عن النسق السائد . وهذا النوع من التفكير والعيش يصبح أكثر سوداوية لو أصبح هناك من ينتفع ويقتاد من هذا التخلف ويصر على تأكيده من باب إدعاءه الغيرة عليه أو الدفاع عن العادات والتقاليد " العريقة " .
لذا ليس من الغريب أن نجد كل منتسب إلى العائلة الحاكمة في اليمن _ سنحاني _ يؤكد رفضه القاطع للتغير السلوكي أو الثقافي والاجتماعي _ التغير الاجتماعي رهن بالتطور الاقتصادي _ بحجة أن هذه عادات وتقاليد عريقة يجب أن نحافظ عليها ولا نسمح حتى بمناقشتها ومحاولة تفكيكها وإعادة تركيبها ، بل نجد عداء غير مبرر لكل الأفكار التجديدية وإصرار على البقاء _ سواء على مستوى اللبس أو التفكير _ بشكل غير ملائم وغير أنيق ، فقد قيل ( ما قبيلي إلا بغباره ) !!! فأنت وحتى تثبت لهم بأنك محافظ على قبليتك وعاداتك عليك أن تبدوا بهندام غير مرتب وذقن غير حليق وشعر متشابك ، لتصبح هذه صورة اليمني في المخيال العربي وربما العالمي ....وهذا المثال لا يجب إسقاطه على الهيئة الخارجية وحسب ، بل هو أعمق من ذلك ليصل إلى الصميم الفكري والثقافي المتخلف .
أما لماذا يصر ذاك السلطوي أو المتنفذ على إبقاء الوضع كما هو عليه ؟ ، فذلك عائد إلى عدة أسباب أهمها حرصه على عدم انتشار الوعي بين أفراد المجتمع لأن حدوث عكس ذلك يعني تحرر العقل اليمني من ثقافة القطيع التي أوجدتها المؤسسة القبلية والاتجاه نحو الحياة المدنية التي تؤطر الاعتزاز بالفردية وتغير طريقة تفكيره نحو الاستقلالية .
فالسلطوي يخشى العلمانية كخشيته الجرب ، وذلك أولا لعدم قدرته على استيعاب فكرة حديثة ومتطورة بهذا الشكل ، كون مرجعيته المبنية على الأعراف وحكم القبيلة تعد من أبسط طرق الحكم وأسهلها وتعتمد على الذاكرة والحالة المزاجية ، بل أنها ببدائيتها تسبق الحالة الدينية التي تعتبر متطورة عنها وشائكة بعض الشيء ، في وقت نراه يرتدي الجبة الدينية حين يأتي الكلام عن فكر مدني متطور بحجة أن هذه الأفكار هدامة تسعى للنيل من الإسلام والقرآن اللذان هما دستور البلاد . وربما هو صادق من هذه الناحية ، فدستور البلاد المدون على الورق ينص صراحة بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي والوحيد للقوانين في البلاد ، بينما هو في حقيقة الأمر يضرب عرض الحائط بهذا النص ليحتكم إلى العرف ، ونملك من هذه الناحية دليلان مازالا يلوحان بالذاكرة ، أولهما ما حدث لرئيس تحرير صحيفة الشورى عبد الكريم الخيواني الذي سجن وحوكم وإصدار قرار قضائي بحقه _ بغض النظر عن صواب هذا القرار من عدمه _ ثم يتم إلغاء كل تلك الإجراءات القانونية بجرة قلم وبحالة مزاجية ليتم الإفراج عنه ، والحالة الثانية هو التمرد الذي قاده الحوثي ، حيث رأينا كيف كان الرئيس يلوح بورقة أتفاق حدثت بينه وبين زعيم التمرد ، ليمنحه حينها مبالغ مالية ويوفر لأولاده مواد غذائية بينما حطب تلك الحرب هم المنسيون ، فكم من البيوت هدمت وكم من الأسر كانت ضحاياهم !؟ لنفهم حينها بأن البلاد تسير بلا قانون أو أنظمة أو لوائح . هذا هو الوعي القبلي ، وهكذا هو يتصرف دائما ، فسمة العشوائية وحالة التقلب الدائمة ، وتبني أكثر من خطاب خلال فترات زمنية متقاربة هي حقنة بقائه الطويلة بشرط واحد ألا وهو تخلف الشعب الذي يصبح حينها _ وكنتيجة _ يمارس حالة من الطاعة العمياء والقبول بما هو كائن على اعتبار انه أفضل ما يمكن الحصول عليه .
من المؤكد أن النظام في اليمن ليس حكم ديني مذهبي ولا علماني ليبرالي ، بل هو قبلي ، وهذا النمط يتيح له بأن لا يلتزم بأي مخرجات أو نتائج أو اتفاقيات ملزمة ، هو لا يلتزم إلا بهدم كل جميل ونشر التخلف حتى يبقى ، لذا حين يدعي غيرته على الدين بجهالة ، ويحارب المجتمع المدني ويحاول قمعه بحجة أنه يتعارض مع القيم اليمنية ، هي إدعاءات كاذبة لا يراد منها سوى تأكيد بقاءه ، فالطفيليات لا تنموا إلا بالمستنقعات ، ولا أخال أحدا هنا يختلف معي بأن اليمن غدت مستنقع آسن بارت به كل الآمل التقدمية التي قد تخرجنا كخلية قابلة للنشوء والارتقاء .
ومع كل هذا التدني الفكري والفلسفي والثقافي للسلطوي القابع فوق سدة الحكم ، إلا أنه يرى نفسه في مرتبة أعلى من المجتمع ، وهذا الشعور ليس بغريب ، فعوامل النفوذ والقوة كلها مؤثرات تعطيه الحق حسب اعتقاده بممارسة هذا التعالي ، مما يعطيه دافع نفسي بالانعزال عن المحيط الغالب حوله ، والعيش ضمن مستوطنات ضيقة منعزلة ، بينما يمارسوا في أوقات الضرورة دور المحامي عن القيم ، ليبقوا على سطوتهم أولا ، ويشبعوا رغبتهم في التعالي ثانيا .
ليس من الغريب علينا أن نستوعب هذه الشعور والتصرف ، فهناك دراسة تقول بأن الصرصور حين يحتك بالإنسان يذهب مسرعا إلى مخبئة ليقوم بتنظيف نفسه ! وكون الصرصور يقوم بهذا العمل ، فهذا لا يعني إطلاقا بأنه أفضل من الإنسان ، لذا الإشكالية الكبرى التي في اليمن هي إيجاد هذا الإنسان عبر حقنة بجرعات توعوية ثقافية متتالية ، لتترسخ لديه ثقافة احترام الآخر والاعتراف بحق وجوده وأن التنوع هو الخيار الذي سيجعل من الوطن وعاء تعددي ورافد مهم وقوي نحو التقدم والإبداع ، كما على المجتمع أن يتفهم جيدا معنى العلمانية الخلاقة بعيدا عن تفسير السلطوي القبلي أو رجل الدين النمطي . وهذا ما لن تسمح به الثقافة السلطوية التي تعلم جيدا أنه متى ما حدث هذا التغير ، فان بقائهم في سدة الحكم سيتذبذب ويقينا حينها سيزول .
#بكر_أحمد (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الخيواني .. ورغم ذلك أنت فوقهم
-
ولليمني حق كالإنسان ، ترنيمة بائسة بين جها ز الأمن السياسي و
...
-
المرأة العربية لن تتحرر ابدا
-
فعلها الناصريون وفشل غيرهم
-
الإنتخابات العراقية - نمطية التاريخ
-
حين تكون الإنتخابات العربية المزيفة أكثر ج مالا من أنتخابات
...
-
حرية الدين والجنس والراي المخالف ..لا تعني الإيمان بها
-
بعد جورجيا وأوكرانيا ... متى يأتي دور ال يمن
-
وللمعصوم الطاعة المطلقة
-
الخيواني .. أنت رمز للشرف
-
عروبة لغة أم عروبة دين
-
ايديولجية مناهضة الدين كأيديولوجية الدين .... دنكشوط أخر .
-
أصحاب القرآن .... هي ثورة ولكنها متأخرة جدا .
-
يا أفندم ... ماذا يعني لك الدستور ؟
-
ناصرية تقدمية ...لا ناصرية تخلف ورجعية
-
الوطن الضريح
-
المرأة والمجتمع والإصلاح في اليمن - ثلاثية الصراع الأزلي
-
ما أن تكون اشتراكيا أو لا تكون
المزيد.....
-
قتلت 19 شخصًا.. فيديو يوثق لحظة ضربة صاروخية روسية دامية في
...
-
أول ظهور علني للبابا فرنسيس منذ مغادرته المستشفى.. كيف بدت ح
...
-
ألكسندر علوم يطمئن متابعيه بعد إعلان زوجته رحمة رياض عن تعرض
...
-
الحوثي -مقاتل شرس- واحتمال تدخل بري من الجنوب والشرق ووصول ق
...
-
هل يسبب التوقف عن تناول السكر أعراض انسحاب؟
-
إسبانيا تصادر 50 كلغ من الكوكايين كانت مخبأة في شاحنة متجهة
...
-
واشنطن تعلن إلغاء ووقف -كل التأشيرات- لمواطني جنوب السودان
-
قتيل وجريح بغارة إسرائيلية جنوب لبنان والجيش الإسرائيلي: است
...
-
لماذا يقلق الوجود العسكري المصري في سيناء إسرائيل؟ .. الإعلا
...
-
مبعوث بوتين: الاحتجاجات الأمريكية الأخيرة قد تكون محاولة لتن
...
المزيد.....
-
واقع الصحافة الملتزمة، و مصير الإعلام الجاد ... !!!
/ محمد الحنفي
-
احداث نوفمبر محرم 1979 في السعودية
/ منشورات الحزب الشيوعي في السعودية
-
محنة اليسار البحريني
/ حميد خنجي
-
شيئ من تاريخ الحركة الشيوعية واليسارية في البحرين والخليج ال
...
/ فاضل الحليبي
-
الاسلاميين في اليمن ... براغماتية سياسية وجمود ايدولوجي ..؟
/ فؤاد الصلاحي
-
مراجعات في أزمة اليسار في البحرين
/ كمال الذيب
-
اليسار الجديد وثورات الربيع العربي ..مقاربة منهجية..؟
/ فؤاد الصلاحي
-
الشباب البحريني وأفق المشاركة السياسية
/ خليل بوهزّاع
-
إعادة بناء منظومة الفضيلة في المجتمع السعودي(1)
/ حمزه القزاز
-
أنصار الله من هم ,,وماهي أهدافه وعقيدتهم
/ محمد النعماني
المزيد.....
|