إيمان أحمد ونوس
الحوار المتمدن-العدد: 4177 - 2013 / 8 / 7 - 10:51
المحور:
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
عند الاطلاع على قانون مكافحة الدعارة السوري رقم/10/ لعام/1960/ الصادر زمن الوحدة بين سورية ومصر تبيّن أن هذا القانون بخلاف معظم القوانين السورية لا يحوي تمييزاّ واضحاً وظاهراً ضد المرأة، بمعنى أنه ساوى في التعامل والعقوبة بين الجنسين.
غير أن تسمية القانون بهذا الاسم- مكافحة الدعارة- لا تتطابق مع الواقع البشري الفعلي، إذ أن الدعارة من أقدم المهن في التاريخ الإنساني، وبالتالي فإن مكافحتها تتطلب بدايةً معرفة الأسباب الكامنة وراءها، ومن ثمّ معالجة هذه الأسباب في محاولة جادة وحقيقية لتقليصها ما أمكن. لذا على المشرّع إيجاد تسمية أخرى تتناسب والواقع، لاسيما الحالي، إضافة إلى آلية تعامل قانونية صحيحة مع تلك الظاهرة المتزايدة في المجتمع السوري نتيجة عوامل متعددة ومتشابكة فيما بينها، لعلّ أهمها العامل الاقتصادي، ذلك أن الدافع الأساسي خصوصاً لدى المرأة هو في معظمه دافع مادي بحت، أمّا العوامل الأخرى والتي غالباً ما تدفع المرأة للعمل بهذه المهنة بشكل غير مباشر فهي:
- العنف الأسري والتمييز ضدّ الفتيات لاسيما في البيئات المتشددة والمهمّشة والفقيرة.
- الفقر والبطالة من أهم الدوافع التي تدفع المرأة لامتهان الدعارة من أجل سد الحاجات المادية، لاسيما في ظل وجود أطفال ترعاهم ويحتاجون إلى الغذاء والدواء خاصة في حالتي الترمّل والطلاق.
- الفراغ العاطفي عند الأبناء، لاسيما الفتيات نتيجة انشغال الأبوين عنهم، ما يدفع بهؤلاء الأبناء للبحث عن الحب خارج أسوار العائلة فيقعون في شرك أصحاب السوء، وقد تناولت الدراما التلفزيونية هذه الحالة في أكثر من عمل.
- الجهل وعدم الوعي بخطورة هذا العمل على المستوى الصحي والنفسي والاجتماعي.
- انتشار ثقافة التسليع والإعلانات المُبهرة التي تدفع بالكثيرات للحصول على كل ما يُعلن عنه رغم الظروف المادية القاسية للأسرة، فتلجأ لبيع ذاتها مقابل الحصول على هذه الأشياء.
- تضاؤل تقدير الذات عند المرأة/ الفتاة والاقتناع بشكل غير مباشر بتسليعها.
- عدم الصبر في البحث عن طرائق أفضل لكسب العيش.
- ردّ فعل على عنف جنسي سابق(اغتصاب، سفاح أو ما شابه) في بعض الحالات.
- عدم وجود قانون يحمي المرأة وحقوقها عند الطلاق أو وفاة الزوج أو الأبوين.
من خلال مجمل هذه العوامل يتضح أن المرأة في غالب الأحيان هي ضحية لا جانية في حالة الدعارة، ضحية الظروف التي دفعتها لتلك الطرق الملتوية خاصة إذا كانت لا تمتلك الوعي الكافي لتقدير ذاتها وخطورة ما تقوم به على صعيدها الشخصي قبل العام. كما أنها في كثير من الحالات تُرغم على ممارسة تلك المهنة تحت الضغط والإكراه من قبل الرجل(أب، أخ، زوج... الخ) وخاصة في حالة الزواج الناجم عن فعل اغتصاب، أي عندما يُرغم الرجل على الزواج من فتاة قام باغتصابها مستغلاً ضعفها وخوفها من العار الذي سيتشبث بها وبعائلتها مدى العمر، وتفادياً للعقوبة القانونية وفق المادة/508/ والمعدلة بالمرسوم التشريعي رقم/1/ لعام/2011/ الذي جعل العقوبة لا تقل عن سنتين رغم زواجه من الضحية، ما يجعله يدفع بتلك الزوجة في معظم الأحيان إلى العمل بالدعارة كسباً للمال، ولأنه أساساً لا يريدها أمّاً لأولاده وهذا ما يُمليه عليه الشرف الرفيع المتشبث في تلافيف عقله المتمرّس على اضطهاد واحتقار المرأة التي لا يرى فيها غير مطية لنزواته وشهواته المريضة. وهذا يتطلب وعي مجتمعي بالقوانين وضرورة اللجوء إليها لمعاقبة الجاني/ المجرم بدل الخوف من الفضيحة والتستّر وراء زواج مدمّر لا ذنب للفتاة فيه سوى أنها كانت ضحية في مجتمع لا يعترف بالعيب والعار إلاّ بما يمسُّ الفتاة/ المرأة، أما سلوكيات الرجل مهما كانت مُشينة فهي خارج نطاق هذا العيب.
هذا عدا عن تلقف مفاهيم خاطئة عن معاني الجمال وإثبات الذات عند الفتيات من خلال ما يمتلكنه من تقنيات حديثة لأجهزة الخليوي أو سواها، إضافة إلى اقتناء آخر صيحات الموضة وتسريحات الشعر وعمليات التجميل وما شابه، في ظل غياب التوجيه والتربية الصحيحة والسليمة من قبل الأهل، ما أدى إلى تعزيز مفهوم الاستلاب عند أولئك الفتيات وبأن قيمتهن محصورة فقط في هذه الأشياء ضمن سخرية لاذعة من التعليم والثقافة اللذين لا يسدان الرمق والحاجة.
ولا يفوتنا انتشار ثقافة الجنس المشوّه من خلال المواقع الإباحية والتي قضت نهائياً على القيم الإنسانية لدى الناشئة، فدفعت بهم لممارسات بعيدة عن قيم الأسرة والمجتمع بلا خجل أو وجل، وذلك في ظلّ تغيّر نظرة الجنسين من الأجيال الشّابة للزواج والأسرة التي باتت في نظر العديد منهم من مخلفات الماضي، ما أدى إلى انتشار ظاهرة المساكنة بين الشباب، لاسيما الجامعي منه، والتي باتت هي الأخرى بحاجة إلى قوانين تحكمها خاصة أن الفتاة هي الخاسر الأول والأخير في تلك الممارسات نتيجة سيادة الذهنية المجتمعية المحابية للرجل على الدوام.
ولكن إذا ما ألقينا نظرة شاملة على المجتمع السوري حتى ما قبل الأزمة الحالية التي أرخت بظلالها السوداء أيضاً على المرأة، نجد أن حالة الدعارة كانت متفشية بشكل لافت لاسيما في المدن الكبرى( دمشق، حمص، حلب... الخ)*
وذلك بفعل بعض أو كل العوامل المذكورة أعلاه، إضافة إلى الوضع الاقتصادي المتردي الذي ألقى بظلاله القاسية على البيئات الفقيرة والمهمّشة في المجتمع، وعلى الحلقة الأضعف في المجتمع وهي المرأة. فما جرى في سنوات ما قبل الأزمة من بطالة وجفاف وسياسات حكومية غير حكيمة دفعت بسكان الأرياف المهمّشة مادياً واجتماعياً إلى النزوح الجماعي من مدنهم وقراهم إلى المدن الكبرى بحثاً عمّا يجعلهم باقون على قيد الحياة أشباحاً تتقاذفهم أمواج المدن بما تحمله من أخلاقيات قد يجهلونها ويجهلون التعامل معها في ظل التخلّف الذي يسوّر حياتهم، فتلقي بهم في خضم ممارسات خاطئة وربما قاتلة، كامتهان بعض الفتيات للدعارة من أجل كسب لقمة العيش، أو الحصول على بعض ما تحلم به أولئك الفتيات مما تقتنيه وتلبسه بنات المدن والأسر الميسورة.
لكن مع بداية الأزمة، وتفاقم الأمور إلى الحد الذي وصلته من تهجير وتشرد ونزوح دفعت المرأة ضريبته الأكبر من أمانها وأمان أسرتها، ما وضعها في مواجهة قاسية ومريرة مع الواقع الجديد في ظل ضياع البيت والممتلكات والعمل، ومقتل الرجل معيل الأسرة، الأمر الذي دفع بالكثيرات إلى النزوح مع عائلاتهن وأطفالهن إلى مناطق أخرى طلباً للأمان الذي بات هو الآخر عملة نادرة في ظل ما يجري لاسيما للنساء، حيث كانت هناك عمليات اغتصاب شنيعة، طالت الكثيرات وبشكل حيواني ما دفع بالبعض من أولئك النسوة أو الفتيات إما إلى الزواج تحت مسميات متعددة(السترة مثلاً) أو لجوء البعض لامتهان الدعارة التي انتشرت بشكل لافت في المجتمع المحلي وحتى الخارجي من أجل تفادي الجوع والتشرد مقابل بضع ليرات لا تُغني ولا تسمن من جوع. وقد تناولت الصحافة العربية هذه الحالات باستفاضة لم تلفت عناية الإعلام المحلي والرسمي الذي كان من المفترض به إلقاء الضوء على معاناة النساء في ظل ما يجري.
وخلاصة القول أن هذا الوضع بمجمله- قبل وأثناء وبعد الأزمة- يتطلب من المشرّع أولاً، ومن اللجنة المكلّفة بتعديل القوانين السورية تفادياً للتمييز ضدّ المرأة ثانياً إيجاد الحلول الكفيلة بإنصاف نساء وضعتهن ظروفهن السيئة في هذا المكان، إضافة إلى إنشاء مراكز رعاية وحماية ومشورة مهمتها إعادة تأهيل الضحايا وإعادة دمجهن بالمجتمع بعيداً عن التطاول عليهن من خلال مفاهيم العيب والعار والشرف الفارغ من أيّ مضمون إنساني، عسانا نصل بنسائنا إلى برّ الأمان والحياة الكريمة.
هامش:
*(دي برس) أخبار سوريا 2012
نقلت صحيفة محلية سورية عن مصادر في وزارة الداخلية كشفها أن عدد السجينات في مختلف السجون السورية ممن اتهمن بممارسة الدعارة تجاوز 520 امرأة، من بينهن 200 فتاة لم تتجاوز أعمارهن السابعة عشرة سنة، وذكرت الصحيفة أن مدينة دمشق وريفها احتلتا المرتبة الأولى بـ85 سجينة بتهمة الدعارة، تلتهما حلب بـ70 سجينة، بينما احتلت محافظة السويداء المرتبة الأخيرة حيث لم يتجاوز عدد سجيناتها بهذه التهمة الـ6
وبحسب صحيفة الوطن، فقد أشارت المصادر إلى أن عدد السجينات بتهمة الدعارة في حمص بلغ 40 سجينة، وفي إدلب 15، معتبرة أن هذه الأرقام مخففة مقارنة مع الأعوام الماضية، وأن عدد السجينات في دمشق بلغ في عام 2010 ما يقارب 600 سجينة بتهمة الدعارة، وفي سورية تجاوز العدد في العام المذكور 1000 سجينة، مشيرة إلى أن انشغال السلطات الأمنية أسهم في تراجع الملاحقة لهذا النوع من الجرائم.
#إيمان_أحمد_ونوس (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟