طلال الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 4127 - 2013 / 6 / 18 - 04:48
المحور:
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
كتب الزميل العزيز مثنى حميد مجيد مشكورا تعليقا على مقالتي:
"الماركسية في خدمة غريزة الحياة او غريزة الموت"
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=364515
ولكون ردي على التعليق مطول بعض الشئ ارتأيت ان يكون بهيئة مقال.
التعليق:
"أود أن أُبدي رأياً على هامش مقالتكم وهو أن موضوعة الموت تدخل ضمن التحليل النفسي ولذلك فتبسيطها بهذا الشكل الميكانيكي الذي تطرحه عن التضحية لدى الشيوعيين كمصلحة أنانية لنيل الخلود يخرجك عن المقصد الصحيح الذي وضعته لمقالتك عن الماركسية كفلسفة حياة وحين يكون تقييمك لتضحية أجيال من الناس بهذا الشكل الذي يضعهم في قالب واحد جامد من الأنانية الجماعية فإن هذا القالب نفسه يبدو مثل معسكر إعتقال ستاليني للفكرة والتاريخ الحقيقي للشيوعية .لا شك أن من الضروري ، وهو ما تحاولونه في مقالتكم التجديدية ، شطف ماركسية ماركس ولينين الحيّة من أدران الستالينية التي شوهت الماركسية وربطتها بالعنف والموت.التضحية الشيوعية مفهوم فريد وإنساني وجدير بالدراسة العلمية المنصفة إذ من الممكن تقييمه من وجهة نظر فرويدية كنوع من تسامي الوعي ومن منظور التحليل النفسي ليونغ كإستجابة تاريخية للاوعي الجمعي لأجيال من البشر ينشدون الإنفصال عن الغابة والعبودية وعشوائية السوق الرأسمالي.
تحياتي الطيبة"
--------------
ردي على التعليق:
تستند هذه المقالة اساسا على المصدر الاول لهذه المقالة (الماركسية والتحليل النفسي) التي نشرت اصلا في مجلة الثقافة الجديدة, وهي, كما نعلم, المجلة الفكرية للحزب الشيوعي العراقي, وكان ذلك قبل سقوط نظام صدام. ففي هذه المقالة انتقدت التركيبة الابوية للحزب الشيوعي العراقي, وكان رئيس تحرير المجلة آنذاك الاستاذ الجليل د. غانم حمدون الذي ضحى بوقته بالجلوس معي ساعاتا طوال لمساعدتي في اعادة تركيب بعض العبارات وتصحيح اخطائي الاملائية الكثيرة. لذلك بودي ان اشكره ثانية الآن على دعمه ومساعدته لي وقتها, وارجو له وافر الصحة والعمر المديد. ولو راجعت هذه المقالة فانك سترى اني انتقدت الحزب الشيوعي العراقي في مجلته بسبب الهيكلية التنظيمية الذكورية, حيث كتبت التالي:
"إن التنظيرات النسوية التفكيكية مفيدة أيضا في دراسة البنية التنظيمية للأحزاب اليسارية والشيوعية، حيث إن البنية التنظيمية للعديد منها، ومن ضمنها حشع، تعكس وعيا أبويا تسلّطيا. فمثلا، مفهوم اللجنة المركزية (كهيئة تنظيمية) ينسجم مع ثنائية (المركز/الأطراف) الحداثية التي بدورها تكرس مبدءا حداثياً آخر هو المرجعية (التسلّطية). إن مفهوم اللجنة المركزية يعني ضمنا إن هيئات الحزب الأخرى أقل مركزية، ولربما أقل أهمية (؟). إن فهما كهذا، بالإضافة إلى خلوه بعض الشيء من اللياقة، مناقض لبرنامج الحزب الذي يتضمن انتخاب اللجنة المركزية من قبل المؤتمر (باعتباره أعلى سلطة) وذلك لتنفيذ قراراته بين مؤتمرين. أي بتعبير آخر، فإن عمل اللجنة المركزية ذو طبيعة تنفيذية بحتة، إذ إنها لا تتمتع بمرجعية فكرية أو سياسية تضفي عليها صفة المركزية. ولذلك من الأحرى إعادة النظر في تسمية هذه اللجنة حسب واقعها ومهماتها، فيكون اسمها اللجنة التنفيذية، على سبيل المثال. إن التغيير في التسمية هنا ليس تلاعبا بالألفاظ، بل ينطوي على الرغبة في القضاء على التسلطية والهرمية في البنية التنظيمية. بالإضافة إلى ذلك، فإن مفهوم الأطراف في الثنائية الحداثية (المركز/الأطراف) قد يزرع روح الخمول لدى أعضاء (الأطراف) الذين يشكلون الأغلبية في الحزب بطبيعة الحال".
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=64643
ولكن الفكر الابوي هو احد تجليات غريزة الموت كما فصلت ذلك بعض الشئ في مقال بالانكليزية نشر قبل سنوات. ففي هذا المقال اشرت الى العلاقة الجلية بين الفكر الذكوري وغريزة الموت. نص ما قلته:
The arbitrariness of the Phallic has made (the Iraqi Prime Minister) Al-Maliki oblivious to his appearing inconsistent....It seems that Al-Maliki has not read Federico Garcia Lorca’s La casa de Bernarda Alba (The House of Bernarda Alba),´-or-if he had read it, it seems he could not get the message. An interpretive reading of this play signifies that Bernarda’s oppression of the sexuality of her daughters is seen as the triumph of death over life-;- a foresight of the ascendency of the Spanish fascists and the tragic drama that unfolded later.
http://www.ahewar.org/eng/show.art.asp?aid=665
واستشهدت في المقال بمسرحية لوركا الشهيرة بيت برناردا البا (التي اسعفني الحظ بمشاهدة عرضها في قصر الحمراء في غرناطة) لتوضيح العلاقة بين الفكر الذكوري وغريزة الموت, علما ان الاشارة لهذا النوع من العلاقة قد سبق وان نوه عنه ايضا العديد من النقاد, وكانت دراسة هذه المسرحية وحضور عرضها جزءا من حضوري دورة دراسية مكثفة في غرناطة لدراسة الادب الاسباني لسنة دراسية واحدة. وقد ناقشنا خلال هذه الدورة ولمرات عديدة العلاقة بين غريزة الموت والفكر الذكوري, وكيف ان ذلك حدا ببعض النقاد الى الزعم بان لوركا تنبأ في هذه المسرحية بانتصار فاشية فرانكو ومقتله هو شخصيا. ولا حاجة للتفصيل هنا بخصوص وحشية فرانكو وقمعه للبشر والفنون والثقافة كعلامة فارقة لحكمه السلطوي الفاشي المجسد لاقتران الفكر الذكوري وغريزة الموت. وفي واقع الامر فاني كتبت المقال اعلاه بالانكليزية عندما كنت مقيما في غرناطة.
كما اشرت في ذلك المقال الى الصعوبة الفائقة لتشخيص كل تجليات الفكر الذكوري للبسه الف قناع وقناع:
What makes the Phallic discourse extremely difficult to diagnose and combat is the multitude of its disguises-;- one disguise, for example, is that of the fake wisdom of a text´-or-of a religious cleric´-or-institution. Another is that of the intellectual stagnation and closure of a leftist party and its parroting, if not regurgitating, of platitudes,´-or-of its ad-nauseum repetitive references to its martyrs (as if it had replaced its atheism with worship of the God of Death, the Thanatos ),´-or-of aloofness of this party as a main strategy of (not) coping with the complexity and unpredictability of life.
ان استعارتي لهذه المقاطع هو اساسا للتأكيد على العلاقة الوشيجة بين غريزة الموت, بتشعباتها وتجلياتها المختلفة, والفكر الذكوري. لذلك فان اي حديث عن غريزة الموت يعني ضمنا الكلام في نفس الوقت عن العلاقة الوشيجة بين هذه الغريزة والفكر الذكوري.
عند كتاباتي, مثلا, بخصوص التحليل النفسي, فاني افترض, ولربما خاطئا, ان القارئ لديه بعض المعلومات الاولية, او بحدها الادنى, عن التحليل النفسي, لانه ليس من المعقول او الممكن اعادة كتابة المفردات الاولية لهذا العلم الكبير في المقال تلو المقال. كما اني افترض, واعتقد هنا على حق, بان القارئ يقرأ مصادر المقالة ويطلع ولو بعض الشئ على المصادر المدرجة في المصادر نفسها. فمثلا في مقالتي "الماركسية في خدمة غريزة الحياة او غريزة الموت" ذكرت 10 مصادر, وفي مقالتي "الماركسية والتحليل النفسي" 33 مصدرا. الاطلاع على هذه المصادر مهم بمكان لفهم المقالة قبل التسرع في الحكم على مقالتي باكملها او على فقرة او فكرة فيها, وهذه نقطة لربما واضحة ولكني علي ان اؤكد عليها هنا لازالة بعض سوء الفهم, ان لم يكن كله.
كما واود ان اضيف التالي:
1- ان الحديث عن غريزة الموت هنا لا يعني الاساءة او القذف بحق فرد او جهة او حزب الخ. فغريزة الموت, وكذلك غريزة الحياة, موجودة لدى كل شخص, وانا بضمنهم. وللتعرف ولأدراك التأثير الغرائزي ينبغي على المحلل او المعالج النفسي نفسه, كأي فرد آخر, الخضوع الى تحليل نفسي ذاتي لبضع سنوات. احد اهداف هذا العلاج هو التعرف على ما يسمى "البقع العمياء" التي تؤثر في تحديد ماهية افكارنا والتأثير في سلوكنا وتصرفنا.
2- ان الماركسية, كفلسفة او فكر او ايديولجيا, تخاطب العقل الواعي ولا تستطيع ان تغور الى اعماق العقل الباطن, فالماركسية ليست وسيلة للعلاج واستقراء العقل الباطن, ولم تدع هي ذلك في يوم من الايام. ولذلك يمكن للماركسية, لكونها ايديولوجية او فكر, ان تكون في خدمة غريزة الحياة او الموت باشكال وانماط مختلفة تأبى العد او الحصر. فكما هومعروف فان ما يقرب من 90% من افكارنا وسلوكياتنا يتحكم فيها العقل الباطن وليس العقل الظاهر.
3- ارجو ان يكون واضحا من خلال الشرح اعلاه بان مقالي لم يهدف, باي شكل, التقليل من, او الاساءة الى, تضحيات الشيوعيين والماركسيين في العراق او خارجه وتقديمهم ارواحهم فداءا لشعوبهم واوطانهم, واعتقد ان اية قراءة مدرسية منصفة لمقالي هذا, بارتباطه مع ما قلته سابقا, لا يمكن لها ان تخرج باستنتاج مخالف. ولكن لغة العلم يجب ان تحلل الظواهر باستخدام المصطلحات المتوفرة ولا داع لاختراع العجلة من جديد.
4- كانت اشارتي الى بعض الشيوعيين في المقالة مشتقة من تجاربي الحياتية, ولم يكن بوسعي او بودي التحدث عن احداث لم اعايشها.
المصدر
The Complete Psychological Works of Sigmund Freud
James Strachey: Editor
#طلال_الربيعي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟