|
أبن تيمية والتعددية الفكرية والنذهبية
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 4119 - 2013 / 6 / 10 - 23:53
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
الكثير منا يغفل بان الدولة العربية الإسلامية استطاعت أن تستوعب كافة الطوائف والنحل، وان تجعل من هذه العناصر فاعلة في المجتمع، فلم يكن هناك عملية إقصاء لأي جهة مهما كان توجهها، مادامت ملتزمة بقوانين الدولة ولا تسعى لتدميرها، من هنا كانت الدولة العربية الإسلامية ـ دولة مدنية وحاضنة لكافة مواطنيها ـ فلهم أن يمارسوا كافة قناعاتهم العقائدية والفكرية دون أي مضايقة من احد، من هنا نجد كافة الطوائف والنحل المتواجدة حاليا في مجتمعنا هي امتداد طبيعي وتاريخي لما كانت علية منذ أن أنشأة الدولة العربية الإسلامية وما كان قبلها، كما هو الحال بالنسبة للمسيحيين تحديدا، وبعض الطوائف كما هو الحال لصابئة المندئية. إذن الدولة العربية الإسلامية قامت باستقطاب كافة الأفكار والمعتقدات التي كانت سائدة وأيضا إضافة عليها أفكار ومعتقدات جديدة بعد تكوين الدولة العربية الإسلامية، وهذا التنوع المذهبي والفكري أثرى الدولة العربية الإسلامية ولم يضعفها، بل كان يشكلا قوة وحيوية لها. من المؤكد أن هذا التنوع المذهبي والفكري ما كان ليستمر ويتكاثر دون علماء من عين المذهب وأيضا علماء من مذاهب مخافة تعمل على احترام المعتقدات عند الآخرين، فعمليا لم يكن التكفير والشيطنة والتخوين ـ التي تمثل سمة في عصرنا ـ لها وجود في ظل الدولة العربية الإسلامية. وسنورد هنا بعض ما جاء في كتاب " ابن تيمية وإسلامية المعرفة" للمفكر العربي طه جابر العلواني "من البدع المنكرة تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين، واستحلال دمهم وأموالهم" ورد على متعاطي هذه البدعة بشدة ثم قال " ... اجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أنه ليس كل من قال قولا أخطأ فيه انه كافر بذلك، وان كان قوله مخالفا للسنة فتكفير كل مخطئ خلاف للإجماع" ص35، نجد هنا العالم الجليل ابن تيمية يقف ضد كل من يعمل على خلق شرخ في الأمة، وهو من خلال كلماته يشكل سدا منيعا أمام التكفير تحديدا، فليس من حق أيا كان أن يكفر الناس حتى لو اختلفوا معه في معتقده وفكره، ومثل هذه الأقوال تحمي النسيج الاجتماعي في الدولة والأمة معا، فهو كعالم إسلامي اعتمد في أقواله على الشريعة في حكمه، ليحافظ على المجتمع أولا وليقوم بواجبه الديني والعلمي ثانيا، ونحن ما نحتاجه في هذا العصر، حيث نجد العديد من هنا وهناك يطلق التحريم والتكفير والتخوين ويحلل استباحة دماء الناس وأموالهم دون أن يكلف نفسه بذل اقل مجهود عقلي أو شرعي في حكمه وفعله. لكل ملة عقائدها و فكرها منها ما يلتقي مع الآخرين ومنها ما يختلف معهم، كما أن كل ملة تعتبر نفسها صاحبة الحق أو ـ الفئة الناجية ـ وهذا حق فكري لكل مذهب أو ملة، لكن ليس لها الحق أن تكفر الآخرين وان تستحل دمائهم وأموالهم، لان ذلك يعني بالتأكيد صراع دموي سرمدي لا يبقي ولا يذر، "ولقد ذهب علماء الأمة المحققون إلى هذا لعملهم أن كل فرقة من فرق المسلمين، تعتبر نفسها الفرقة الناجية والمصيبة في اجتهاداتها فلو تساهلت الأمة بتكفير بعضها بعضا لانهار بناء الأمة، وانهضمت قواعدها" ص38، هذه روح الأمة التي استطاعت أن تشكل باقة من الزهور سلبت لب الأمم والشعوب الأخرى، بهذا السلوك وهذا الفكر تم تشكيل أهم دولة دينية مدنية عرفتها البشرية. لكن في حالة النقد لهذا الفكر أو ذاك هل كانت الطائفة أو الملة يتم أخذها مجتمعة ويتم توجيه النقد والتجريح لها؟، أم أن احترام مشاعر العامة تحديدا وأيضا بقية مفكرها يأخذ في الحسبان؟، يقول طه جابر العلواني في كتابه "فإذا نقد الأشاعرة مثلا لم يعمم لكنه يختار مجموعة من القيادات الفكرية التي لها مقولات معينة أثرت في بناء أفكارهم، فيتولى أفكارهم بالنقد والتحليل وكذاك فعل مع المتصوفة، والشيعة والجهمية وسواهم، فكان في هذا يحاول أن يحافظ على وحدة الأمة في قاعدتها العريضة ويبين ظروف الاختلاف الناجم عن تلك المقالات التي دخلت ساحة الفكر الإسلامي نتيجة أخطاء وانحرافات منهجية أو معرفية" ص46، نجد هنا أسلوب علمي حضاري في التعامل مع المخالفين أو المعارضين، فهو يحترم فكر العامة ولا يهيج فئة على أخرى، مستخدما الفكر أداة (الحرب) مجنب العامة من كلا الطرفين الزج بهم في هذه الحرب، حفاظا على وحدة الأمة والمجتمع معا، فنجد نقده علميا حضاريا، من هنا كان نجاح أسلافنا في احترام بعضهم بعضا وفشلنا نحن في هذه المسألة، فنجد كل طرف يكفر ويشيطن ويخون دون حسيب أو رقيب، وكأن دماء الناس غير ذات قيمة. وهنا لا بد من التذكير بما قام به القائد ياسر عرفات تحديدا، حيث انه يمثل الشخصية القيادية العربية ـ شبه الوحيدة ـ التي استطاعت أن تحترم الآخرين ومن ثم استيعابهم في المشروع التحرري الفلسطيني، فهو لم يقم بإقصاء احد ولم يكفر أو يخون احد، ورغم أن بعض الخلافات أخذت طابع القتال الدموي، كما حدث في عام 1984-1986 بما سمية حينها حرب المخيمات، رغم كل هذا وبعد انتهاء الحرب وانتقال قادة الانقلاب إلى الرفيق الأعلى مثل أبو خالد العملة وأبو موسى قام القائد ياسر عرفات بمعاملة ذوي المتوفين معاملة خاصة حيث كان يتفقدهم بصورة استثنائية، وكأنهم من وقف معه وليس ضده، ولا نريد أن نعود إلى موقف سيد الخلق محمد (ص) من هل مكة بعد فتحها. إذن هناك ارث أخلاقي وثقافي وفكري يستطيع أن يرفعنا ويسموا بنا على هذه المناكفات ويجعلنا نتجاوز كافة ما نحن فيه من تخندق أن كان عشائريا أم طائفيا أم دينيا
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجيل الرابع من الحروب ودول الطوائف العربية
-
نهج الاخوان
-
رباعية إسماعيل فهد إسماعيل
-
الشرق والغرب عند توفيق الحكيم
-
العامة في يوليوس قيصر والعرب الآن
-
الطرح الطبقي في عصفور من الشرق
-
المفكر الامام البوطي
-
خذني الى موتي
-
المرأة ملاذ الشاعر من الواقع
-
الرفض في القصة الفلسطينية
-
شيطان في الجنة هنري ميللر
-
بسام عويضة والربيع العربي
-
رحى الحرب قسطنطين سيونوف
-
الاحياء والاموات
-
قصة الرعب والجرأة
-
الانسان اللآلي
-
الخندق الغميق سهيل إدريس
-
قلادة فينسي
-
ام سعد
-
صورة (صورة الروائي) مرآة الضحية والجلاد
المزيد.....
-
البوندستاغ يوافق على طلب المعارضة المسيحية حول تشديد سياسة ا
...
-
تردد قناة طيور الجنة على القمر الصناعي 2024 لضحك الأطفال
-
شولتس يحذر من ائتلاف حكومي بين التحالف المسيحي وحزب -البديل-
...
-
أبو عبيدة: الإفراج عن المحتجزة أربال يهود غدا
-
مكتب نتنياهو يعلن أسماء رهائن سيُطلق سراحهم من غزة الخميس..
...
-
ابو عبيدة: قررت القسام الافراج غدا عن الاسرى اربيل يهود وبير
...
-
المجلس المركزي لليهود في ألمانيا يوجه رسالة تحذير إلى 103 من
...
-
ترامب سيرحل الأجانب المناهضين لليهود
-
الكنيست يصدق بالقراءة الأولى على مشروع قانون يسمح لليهود بتس
...
-
عاجل| يديعوت أحرونوت: الكنيست يصدق بقراءة تمهيدية على مشروع
...
المزيد.....
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
-
مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي
/ حميد زناز
-
العنف والحرية في الإسلام
/ محمد الهلالي وحنان قصبي
-
هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا
/ محمد حسين يونس
-
المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر
...
/ سامي الذيب
-
مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع
...
/ فارس إيغو
-
الكراس كتاب ما بعد القرآن
/ محمد علي صاحبُ الكراس
-
المسيحية بين الرومان والعرب
/ عيسى بن ضيف الله حداد
المزيد.....
|