أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عبد الغني سلامه - كانَ وجْهُكِ ضَاحِكَ القَسَماتِ .. طَلْقُ .. ثم تغير المشهد في الشام














المزيد.....

كانَ وجْهُكِ ضَاحِكَ القَسَماتِ .. طَلْقُ .. ثم تغير المشهد في الشام


عبد الغني سلامه
كاتب وباحث فلسطيني

(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 3910 - 2012 / 11 / 13 - 21:47
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


الطفلة التي كانت تلبس فستانها الزهري، وتكلّم دميتها بمرح، وتقفز بصخب من غرفة إلى أخرى، وجدوا دميتها ممزقة، وعليها طبقة كثيفة من الغبار، ولم يجدوا من كانت تلاعبها قبل قليل.

الأم التي كانت تدغدغ خاصرة ابنتها بكل رقة؛ كي تصحو مبتسمة، ثم تجدّل ضفيرتها، وتتحايل عليها لشرب كوب الحليب، وقبل أن تخرج تتفقد علبة ألوانها ودفاتر الرسم والحساب .. صارت تصحو قبل الظهر بقليل، لتهرب من ذكريات الصباح مع طفلتها القتيلة.

الفتية الذين كانوا يركضون في زقاق ضيق خلف الكرة، وصراخهم يصل إلى أول الحي، لم يعد أحد يسمع صوتهم، فقد صار الزقاق كومة ركام، ولا يصلح حتى للمرور.
الصبيّة التي كانت تمنح نصف صباحها للمرآة، ونصف ظهيرتها للتسوق، ونصف مسائها للثرثرة، منحت كل أوقاتها للنوح، والبكاء على من فقدتهم فجأة، وعلى حياتها التي انقلبت رأسا على عقب.

والفتاة التي كانت تمشي على أطراف أصابعها باستحياء مصطنع، مزهوّة بفتيان الحي ونظراتهم، وتترقب تعليقا من شاب أسمر نحيل، ستمضي بقية حياتها على كرسي مدولب، هاربة من نظرات الشفقة.

العروس التي رفضت أن تتنازل لخطيبها عن فستانها وحفل زفافها، انكسرت أخيرا، وكتمت صرخاتها وبكت في أعماقها بكل حرقة، وهي ترى أمها تومئ بالموافقة على تزويجها من "ســتّيني" جاء للتضامن مع خِيام النازحين.

المرأة التي كانت في ميعة صباها تنام على أغنيات العندليب، وتصحو على صوت فيروز، ويحمر وجهها وتضطرب عندما تقرأ نزار قباني لإحساسها أنه يكلمها، وتحلم بكوخ في زاويته مدفأة، وأمامها زوج يشبه كاظم الساهر .. ها هي الآن تجلس العصارى وحيدة تحت جدار مهدم، ولا تسمع إلا دوي المدافع، وأخبار الموتى.

الأم التي اعتادت أن تسقي خمسين شتلة كل يوم، زرعتها في فناء الدار وعلى شرفاته، ثم تسقي زوج الكناري، ثم توقظ كنّتها الكسولة لتشرب معها قهوة الصباح معطرة بالرياحين .. وتقفل الباب خلف زوجها بعد أن تعدد له طلباتها من السوق .. صارت تعانقه كل صباح، وتودعه باكية، خائفة أن يكون هذا هو وداعه الأخير.

الآن وهناك في الشام، لا شيء كالمعتاد، ولا يوم يشبه الآخر، حتى الموتى لا يتشابهون .. راحت تلك الأيام التي كان يمكن تجميعها كذكريات وادعة، أشياء كثيرة اختفت: ضحكات الأطفال، سهرات العائلة، خلافات الأب مع أبنائه على اختيار القناة المفضلة، أغاني ميادة حناوي، الورد الدمشقي، آذان الفجر وهو يكسر صمت السَّحَر بنعومة ..

ذبلت الياسمينة، وشجرة الكرز .. وراح الذين نحبهم .. وانقلب المشهد .. رائحة الدم الممزوج بالتراب تعبق في كل مكان، باب الحارة تكسر، والقتل والانتقام صار المسلسل الوحيد الذي يمكن مشاهدته بالمجان، انهزم القمر مذعورا من وهج القذائف، وصمْتُ الليل مزقه عواء الذئاب، وتبدَّد ألف قطعة وقطعة ..

سورية التي تعرفونها موجوعة .. سورية التي تحبونها تتألم .. تبكي بصمت .. أسواق حلب، الجامع الأموي، المزة، بردى، بابا عمرو، الجبل والأرياف والضِّيَع، سهل حوران والغوطة .. المدارس والجوامع والكنائس، نواعير حماة .. قبر ابن الوليد، والأيوبي، والعظْمة والأطرش .. الناس الطيبون .. الأيام المخبأة في علب الوعود .. كلها تحتضر .. وعلى الهواء مباشرة ..

سبعة آلاف سنة تُذبح بدم بارد ..

وقلعة العروبة على وشك أن تصبح ضاحية من ضواحي قطر !!

والمدافعون عن الحياة يهتفون:

وللحرية الحمراء بابٌ .. بكل يدٍ مضرجة يُدقُّ
وسلامٌ عليكِ يا دمشقُ ..
سلامٌ عليكِ يا دمشقُ ..



#عبد_الغني_سلامه (هاشتاغ)       Abdel_Ghani_Salameh#          



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كلمة للرئيس أبو مازن .. أرجوك إبق مصمما على موقفك
- الأطفال المجندون .. لا يعرفون العيد
- يكفي يا هنية - على هامش زيارة أمير قطر لغزة
- تجنيد الأطفال في إسرائيل
- أطفال طالبان
- قفزة فيليكس، والمفتول الفلسطيني وتحطيم الأرقام القياسية
- هل هؤلاء بشر !؟
- من بغداد إلى غزة .. حرب على الثقافة
- في ذكرى اتفاقية أوسلو - هل هنالك إمكانية لإلغائها ؟!
- 13 دقيقة هزت العالم الإسلامي .. هل يستحق الفلم كل هذه الضجة ...
- عن الربيع الفلسطيني - محاولة لفهم ما يجري الآن في فلسطين
- راشيل كوري تفضح الاحتلال مرتين
- هل حقا هبط الإنسان سطح القمر ؟! مع وفاة أرمسترونغ
- جرائم اللاشرف
- العالم بعيون سيدة منقَّبة
- لقاء صريح مع د. سلام فياض
- أين عقولكم يا مسلمين ؟!
- بقايا
- كيزي .. ستظلين معي أمام عيني
- عازف الكمان


المزيد.....




- مطالبين بنصرة غزة عمليا.. آلاف المحتجين قرب السفارة الأميركي ...
- بيرني ساندرز: أميركا تديرها حكومة مليارديرات تعمل لصالح الأث ...
- واحات باني الغربي/ طاطا، الرأسمالية تدمر وتستنزف بيئتنا
- سيدي المختار/ شيشاوة: معتصمٌ ضد الطرد من الشغل (حوار)
- أنجيليكا بانابانوفا: سيدة الاشتراكية المتمردة الكبرى
- دونالد ترامب يدعم زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان ب ...
- السيناتور الأمريكي ساندرز يخسر معركة لمنع بيع قنابل لإسرائيل ...
- الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، ترافع دوليا ضد قانون الإضراب ...
- استرتيجية التغيير الثوري
- غزة وحكمة سليمان


المزيد.....

- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة
- ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت ... / سعيد العليمى
- عفرين تقاوم عفرين تنتصر - ملفّ طريق الثورة / حزب الكادحين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عبد الغني سلامه - كانَ وجْهُكِ ضَاحِكَ القَسَماتِ .. طَلْقُ .. ثم تغير المشهد في الشام