حسن خليل
الحوار المتمدن-العدد: 3816 - 2012 / 8 / 11 - 00:08
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
سيناء و الإرهاب و النظام
في أعقاب العملية الإرهابية التي راح ضحيتها 16 جندي و ضابط في رفح المصرية و أستتبعها مواجهات مسلحة عنيفة بين قوات الجيش و مجموعات إرهابية إسلامية متشددة يشعر كثير من الثوار بالحرج إزاء الصراع الدائر في سيناء. فمن الصعب تأييد طرف الجيش فهو نفسه الجيش الذي يقتل الثوار أيضا و من الصعب تأييد الجهاديين الإرهابيين في نفس الوقت. و لحل هذا التناقض يلجأ البعض لحيل كلامية من نوع أن الصهيونية هي من تقوم بالأعمال الإرهابية أو أن ما نراه خدعة أمريكية. و الحرج مشروع جدا أما الحيل الكلامية فليست كذلك.
و من ضمن هذه الحيل الكلامية نظرية "من المستفيد" و هي نظرية سرعان ما تتهاوي لدي أبسط نقاش. فالذين يقولون بها يواصلون القول أن حماس لا يمكن أن تستفيد من غلق المعبر و أن رئيس الجمهورية لا يمكن أن يستفيد من الظهور بمظهر العجز و أن حتي الجهاديين لا يمكن أن يستفيدوا من قتل الجنود. ما يتبقى أذن حسب هؤلاء هو أن إسرائيل هي المستفيد الوحيد من ضرب العلاقة بين مصر و غزة.
و هذه النظرية تفترض أن كل طرف يفعل ما تمليه علية مصلحته و هذا أمرا غير صحيح مطلقا. فكل طرف يعمل وفقا للمعلومات المتاحة له و لتوقعاته عن سلوك الأطراف الآخرين و مستوي قدراته التنظيمية و غيرها مما يجعل الاستفادة ليست أمرا محتما. فهل أستفاد مبارك مثلا من محاولته المستميتة توريث الحكم لابنه؟ ثم أن فهمنا للاستفادة متعلق بسلوك كل طرف المستقبلي. فمثلا يمكن للرئيس و الإخوان أن يستفيدوا من أظهار الجيش بمظهر العجز في صراعهم معه علي السلطة. و حماس يمكن أن تستفيد من ترسيخ النفوذ الإخواني في مصر و الجيش أو المجلس العسكري يمكن أن يستفيد من وضعه كقوة قادرة علي فرض الأمن الخ. أما الجماعات الإرهابية الناشطة في سيناء فكان يمكنها أن تستفيد لو أن عملية رفح نجحت في قتل عدد من الإسرائيليين من خلال زيادة شعبيتها و ظهورها بمظهر المدافع عن الوطن أو ما أشبه.
و ضمن الحيل الكلامية أيضا فكرة أن المجموعات الإرهابية هي مجرد واجهه أو أدوات لجهات أخري أصيلة مثل الإمبريالية العالمية أو مشايخ الخليج الخ. و رغم أن هذه الجماعات الإرهابية عملت كثيرا لخدمة هذا وذاك بما فيهم النظام المصري نفسه .إلا أن أنكار وجودها المستقل و أنكار أنها قادرة علي الفعل المستقل هو شطط لا دليل عليه. و حتي لو سلمنا بأنها جزء من كل أكبر فهي هذا الجزء الذي يطلق النار و يروع السكان بل و يصل لحد إعلان أمارة إسلامية في سيناء.فوصفها بأنها مجرد أدوات – و هي تأكيدا ليست كذلك- لا يعفينا من أتخاذ موقف تجاهها و لا يعفينا من البحث عن كيف نشأت و ما هي أهدافها بما في ذلك من يشجعها و يمولها و تعمل له كأدوات لتنفيذ مآربه.
و ضمن الحيل الكلامية أيضا أن إسرائيل هي من قام بالعملية مباشرة. و يجهد القائلين بهذا السيناريو أنفسهم للبرهنة علي قدرة إسرائيل علي تنفيذها كي تبدو عملا منطلق من غزة. و مع الإقرار أنه من الممكن جدا أن تكون إسرائيل قد قامت بها أو شجعت علي القيام بها إلا أن هذا لم يكن ممكنا دون الانفلات الأمني واسع النطاق من قبل الجماعات الإرهابية الجهادية التي تنتشر علي الحدود. فعلي سبيل المثال تعرضت نقطة عسكرية مصرية خارج العريش بعيد عن الحدود "الريسة" 30 مرة لهجوم مسلح قبل و بعد العملية و علي أمتداد سنة و نصف منذ الثورة ناهيك عن الهجوم علي مركز شرطة العريش و اختطاف و قتل جنود من قبل جماعات إرهابية و عشرات الهجمات علي الشرطة و المدنيين. الانفلات الأمني في ظله يمكن لأي قوة إسرائيل أو غيرها أن ينفذ العملية بل و ما هو أكثر. و لذا فأن التعلل بأن إسرائيل نفذت العملية دون دليل مادي حقيقي لا يلغي أن الانفلات الأمني الجهادي هو المناخ الذي سمح بذلك بل علي العكس يشدد علي أهمية إنهاؤه
و لا تنبع مشكلة الإرهاب السلفي الجهادي من كونه شديد الرجعية و التخلف فحسب. و أنما من أختطافه لقضية العلاقة مع إسرائيل و غزة. تماما كما لا تنبع مشكله الإرهاب الجهادي السلفي داخل مصر من كونه رجعي و متخلف و أنما من سعيه بالعنف لفرض ما يراه هذا أو ذاك من المشايخ علي السكان رغما عنهم. بمعني أخر نحن لسنا أمام قضية ما هو الموقف من إسرائيل أو من معاهدة كامب ديفيد أو غزة و أنما نحن أمام قضية ديمقراطية تتعلق بالسيادة. فهل يكون الشعب هو مصدر السلطات أو الجماعات المسلحة؟ و من هنا فهي جماعات إرهابية.
أن الإرهاب الجهادي السلفي أو أيا ما كان منبعه هو أحد مظاهر عجز هذه الطبقة عن تقديم حلول لمشكلات المجتمع. فهذا النظام هو من خلق الإرهاب أصلا ليس لأنه لم يطارد الإرهابيين كفاية و لكن لأنه غير قادر علي تقديم حل لقضايا التنمية و السلطة لا في المركز و لا الأطراف. و الإرهابيين أنفسهم هم علي شاكلة النظام الذي خلقهم لا يملكون حلا سوي الفاشية الدينية المتطرفة. الإرهاب هو منتج ثانوي لنظام الإفقار و القمع مثل تجارة المخدرات و الدعارة و غيرها كل ما في الأمر أن وجوده في المجال السياسي العسكري. و النظام حينما يواجه هؤلاء الإرهابيين يعيد خلقهم من جديد. أن الموقف الثوري هو أن هذا النظام كما أنه عمم الفقر و عجز عن مواجهته هو نفسه الذي خلق الإرهاب و سيعجز عن مواجهته و كلما قضي علي بؤرة منه ظهرت أخري. أن الثورة علي هذا النظام و الجيش ممثله الرئيسي نابعة من عجزه المزمن عن حل القضايا التي تعصف بالمجتمع من الفقر للصحة للتعليم للتهميش للجهل و أيضا الإرهاب.
أدى العنف المرتبط بحروب المخدرات في المكسيك إلي مقتل أكثر من 25 ألف شخص في فترة حكم الرئيس السابق. بهذا المعني فالمكسيك تعاني من قضية أرهاب أخطر كثيرا مما نعاني منه. لكن في الحقيقة الأمر ليس كذلك لأن حروب المخدرات ليست مرتبطة بأيديولوجية تسعي للهيمنة بالعنف علي المجتمع مثل الإيديولوجية الأصولية الإسلامية التي يتبنها التنظيمات الجهادية الإسلامية الإرهابية. و هي طبعا تكاد تتطابق مع إيديولوجية الإخوان . فالإرهاب لدينا هو نتاج غياب التنمية مقترنه مع تاريخنا القريب أو في شروطنا الخاصة التي فيها أن الطبقة الرأسمالية عجزت عن أنتاج تحديث عميق بالقدر الكافي لاجتثاث أسس العلاقات السابقة عليها و من ثم الأيديولوجيات المرتبطة بها. ليس هذا فحسب بل أنها في مرحلة تراجعها منذ السادات لم تستطع أنتاج أيديولوجية بديلة للناصرية فاستعارت الإيديولوجية الدينية الرجعية و أصبحت الطائفية سياسية رسمية للدولة. فالطبقة ليست فحسب عاجزة عن التنمية مما يؤدي لظهور النزعات الأصولية المتطرفة و الإرهابية - طبعا أولهم جماعة الإخوان تاريخيا - لكن هذه الطبقة تتبني أيديولوجية تشجع و تكاد تتطابق مع أيديولوجية التيارات الإسلامية كما هو واضح في الإعلام و التعليم و الدستور الخ و هذا ينطبق علي كل العهود بدء من الناصرية علي استحياء ثم السادات الرئيس المسلم لدولة مسلمة و أخيرا مبارك.
أنطلاقا من هذا الإطار العام سالف الذكر علينا أن نبحث في تفاصيل الموقف الثوري من القوي الإرهابية. فلا يكفي أن نقدم أطارا عاما لكن يجب بحث الخصوصية المرتبطة بالموقع و الزمان و من ثم الانتقال لمناقشة السياسات.
و أعارض نظرية أنتشار الإرهاب بسبب غياب الأمن في سيناء يعود لاتفاقيات كامب ديفيد لأنها تقيد الوجود الأمني في سيناء. و معارضتي لهذه الفكرة نابع من أنها تركز علي الجانب الخاطئ. فالوجود الأمني في سيناء ليس قليلا. و علي كل حال فأن إسرائيل لا ترفض طلبا مصريا بزيادة قوات الأمن في سيناء فهو يصب في مصلحتها في النهاية. و في المواجهات الأخيرة استخدمت طائرات مقاتلة و هليكوبتر مقاتلة بينما المعاهدة تحظر طيران مثل هذه الطائرات في سيناء. من المؤكد أن طلب مصر السماح لها من إسرائيل بزيادة قواتها في منطقة مصرية هو إهانة وطنية بالغة لكن ضعف قوات الأمن ليس القضية الرئيسية مع المعاهدة.فيما يتعلق بالإرهاب في سيناء.مشكلة سيناء هي نفس مشكلة صعيد مصر حيث لا توجد قيود أمنية علي تحرك القوات.
لكن من ناحية أخري معاهدة كامب ديفيد تقضي ببقاء سيناء فارغة كمنطقة عازلة و معزولة دون تنمية أو سكان و بالتالي يصبح أنتشار الإرهاب فيها قدرا لا فكاك منه خاصة مع تشابك عناصر قضية الأرض مع الأمن و مع محاولات توطين الفلسطينيين في سيناء.و يترافق مع هذا الأشكال الأخري للخروج علي القانون كتجارة المخدرات و السلاح و التهريب.أن معاهدة كامب ديفيد تجعل سيناء منطقة عازلة كما لو كانت أرضا بلا سكان.و المشاريع الإسرائيلية بخصوص سيناء عديدة منها تنمية المنطقة بشكل مشترك مع مصر و منها توطين الفلسطينيين فيها و طبعا منها أعادة أحتلالها في حال الضرورة. أي أعتبارها رهينة لإسرائيل لحسن سلوك النظام .و كل هذه المشاريع يصعب تحقيقها في ظل تنمية حقيقية و خاصة لو أنتقل أليها ملايين المصريين من الوادي.
و سيناء من أكثر المناطق عزلة في مصر خاصة منذ حرب 56 التي أسفرت عن اتفاقية شبيهه لحد ما باتفاقية كامب ديفيد و حتي أحتلالها مجددا من قبل إسرائيل كان الدخول أليها يقتضي تصريحا من المخابرات العسكرية. أما قبائل البدو المقيمة بها فهي علي ما هي عليه ربما منذ كان هناك أستيطان بشري في سيناء. و الرأسمالية المصرية التي عجزت عن ضم الريف بشكل حاسم للتطور الرأسمالي عجزها أشد في الأطراف و خاصة سيناء.
فتنمية سيناء تصبح هي العمود الفقري لأي موقف ثوري من قضية الإرهاب. و هذه التنمية يجب أن ترتكز علي سكان سيناء أنفسهم سواء المقيمين حاليا أو مستقبلا. و بالنسبة للأمن فأن الارتكاز علي السكان هو أيضأ ضرورة فبناء جيش شعبي في سيناء هو أنجع وسيلة لضمان الأمن.
روابط تناقش نفس الموضوع
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=319194
http://m.almasryalyoum.com/node/1036241
#حسن_خليل (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟