أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - نضال نعيسة - جنون البشر














المزيد.....

جنون البشر


نضال نعيسة
كاتب وإعلامي سوري ومقدم برامج سابق خارج سوريا(سوريا ممنوع من العمل)..

(Nedal Naisseh)


الحوار المتمدن-العدد: 3698 - 2012 / 4 / 14 - 16:58
المحور: كتابات ساخرة
    


من صلب رهافة الحس وشفافية الرؤية وبعد البصر والبصيرة يأتي الإبداع، وهي كلها ما تميز الكاتب والمفكر والفيلسوف الحقيقي، وهي من تنتج لنا الأفكار التي تتحول، لا حقاً، بفعل الصهر، والقولبة، والحرارة المجتمعية العالية إلى طفرات فكرية وفلسفية متأججة بقوة وحتمية التطور الخلاق ومن صم تصبح منهاج عمل وشعارات وسلوكيات تعمل المجتمعات الحية على تحقيقها وتلبسها، وهكذا تدور الرحى التاريخية في مخاض ولادة وموت وإعادة إنتاج الأفكار. والمجتمعات التي تشهد موت أفكار قديمة وعبثية وفاقدة الصلاحية، وولادة وإنتاج أفكار جديدة هي وحدها المجتمعات التي تعبر نحو برازخ جديدة، ويحق لها أن تتباهى بين الأمم، وهذه من نراها اليوم، في حال من التنقل الدائم من فضاء إلى فضاء، ومن عصر وعصر. وعلى الجانب المقابل المنطقي، فإن المجتمعات التي تقدس الأفكار الأثرية، وتعجز عن إنتاج الجديد منها، وتتشبث بالأفكار البائدة والميتة والنافقة، فاقدة الصلاحية، هي المجتمعات الكسيحة الذبيحة الطفيلية التي لا وجود حقيقياً لها، ولا تتغير رغم أنها تتحرك كالأشباح على مسرح الخليقة، وتصدر الأصوات المزعجة والصرخات والأنات والأصوات العالية والخطاب الناري العقيم، والذي هو تعبير عن حالة الاحتضار، أكثر، من كونه تعبير عن القوة والبقاء كما يعتقد بعض المعتوهين والخبل والبلهاء.

كنت قد كتبت، بكل تواضع، ذات مرة عن العصاب الإيجابي الذي يحمله المثقف والمفكر، بشكل عام، وهذا العصاب هو نوع من الاستشراف للواقع القائم ومآلاته ومصائره المحتملة ودواعي ومبررات الخوف عليه، والخوف منه، بآن. ولو لم يكن هذا العصاب الإيجابي موجوداً، على نحو فطري في النفس البشرية المبدعة، وحسب، لما عرفنا أي مثقف ولا كاتب، أو فيلسوف على مر التاريخ. كان العصابي الإيجابي دائما، بحال من القلق الوجودي، يخاف بقرارة نفسه من نسائم وأهوال الزمن العابرة، ونتلفت إلى التاريخ القريب والبعيد، ويستطلع كم المجهول القابع، والممتد بكسل في ثنايا الأفق اللامتناهي البعيد، يقلق على أحوال ومستقبل ووجود العباد بمجرد مطالعات عابرة وسريعة للواقع، وتحليلات بسيطة لمعطياته الوفيرة، بما يحفل من تناقضات ومفارقات مذهلة ومثيرة ستتحول، حكماً، في عملية التفاعل الاجتماعي والتاريخي إلى كوارث مجتمعية مؤجلة وانفجارات مأساوية على المدى الأبعد من أرنبة الأنف بقليل.

وكل مثقف وفيلسوف ومفكر ناجح ومبدع عبر التاريخ يجب أن يتحلى بهذا العصاب الإيجابي الذي قد لا نجده عند الغالبية العظمى من الناس ما يؤكده قول المتنبي: "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم". هذا الشقاء الفكري المقيم لدى المثقف والكاتب والمفكر والفيلسوف هو بالضبط العصاب الإيجابي الذي قصدناه، وهو من ينتج تلك الحالة الاستشرافية لدى فرسان الكلمة الحرة. ولكن ماذا عن ظاهر ة المفكر أو الكاتب أو الفيلسوف العصابي السلبي المريض "النقاق" غير الموهوب، والذي لا يملك مشروعاً سوى السباب و"الهباب" والتنقل بين المضارب الإيديولوجية والقبائل الفكرية وتأخذه التيارات الإيديولوجية حسب لون وطبيعة الموجة التسونامية السائدة ولا يفكر بالوقوف بوجهها أو في مقاومتها، أو حتى الوقوف بعيداً عنها، وهو أضعف الإيمان العصابي. فمرة يتنقل هذا الشقي العصابي من أقصي اليمين إلى اقصى الشمال، وبالعكس، ومرة يرتدي العمامة، وأخرى يلبس البنطال، وثالثة نراه مزهواً بالطربوش العثماني، ورابعة يرمي حتى ورقة التوت ويسير في الشارع عرياناً بلا ستر ولا غطاء. للأسف هذا الأنموذج المثقفاتي، القابض بكل العملات، هو من يصول ويجول وتفرد له الفضائيات والمنابر والصفحات، ويتنقل من هذا الحضن إلى ذاك ملقياً بكل الفضلات الفكرية التي لم تهضم معه، وتكونت لديه من أزمنة التسول والتسوق والاستجداء على عتبات هذا وذاك مطعمة بأصناف الخرافات والخزعبلات والشعوذات التي يقول عنها مواقف وإبداعات وأفكار، ولاحقاً، ثورات بنكهة الوهابية وفتاوى ابن باز وقليل من بهارات كتاب رأس المال.

في العصاب السلبي والمرضي الذي تعبر عنه هذه الهذيانات الفضائية الشعبوية الجماعية والحركات الصبيانية والهيجانات العصبوية وحالات الانتفاخ والتورم والصرع الديماغوجي، والبلاهات المنغولية، والرثاثات العقلية، واللوثات الإيديولوجية، والرداءات الثقافية، تحولت فيها لحية ماركس "الجاهزة" إلى لحية ابن باز وخليفته ابن لادن المهدي "المحتضر" في مثلث برمودا على ما يقال، واستبدلت فيه الرايات القومية والبلشفية الحمراء، برايات السلف السوداء. وأفرزت حالات الجنون المطلق والنشاز الجماعي تحالفاً هجيناً غريباً بين شيوخ نفط ثوار جهلة يؤازرهم رهط من اللمامات والبقايا اليسارية المتمركسة المتحالفة بدورها مع اليمين الصهيوني المتطرف الذي يحمله رايته الفلسفية اليوم برنار هنري ليفي.

لم ير تاريخ البشر قط هذا الكم من التخريف والزيف والتكاذب والتخابث والتثاقف والالتواء والتواري والتلطي والتغني بالانحطاط والبذاءات والفسق والخلاعة والتعري والتهريج الفكري والجنون البشري والديماغوجية، والغوغائية والقتل والإجرام والهيستريا الجماعية القطيعية التي يحمل رايتها أهل الكهف "الأبرار" الذي يتم تطهيرهم وتقديسهم وأسطرتهم والرفع من شأنهم في واحدة من أقبح عمليات الدجل والتزييف والنصب والاحتيال الفكري والتجميل والحقن في التاريخ. هذا المثقف العربي الذي تربى في أحضان عبد الناصر، وخرج منها ذات يوم إلى فناءات اليسار المعصوب والمأزوم، يجد راحته الأبدية وهناءه في رداءات الفلسفة العرعورية الصاعدة، يضرب بسيفها، ويمشي تحت رايتها، لطالما أنها رغبة أصحاب الموائد، وحاملي دفاتر الشيكات البونات من الأشراف والأسياد.

وكما يقول المثل الشعبي: "إذا جن ربعك ما عاد عقلك ينفعك"، أخشى ما أخشاه أننا لم نعد بحاجة لعقولنا بعد اليوم



#نضال_نعيسة (هاشتاغ)       Nedal_Naisseh#          



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ولادة المثقف المسطول
- من سيسقط النظام؟
- أين عدالتكم الانتخابية؟
- خطة عنان الإنقاذية
- نضال نعيسة: هذا هو برنامجي الانتخابي
- اغتيال مجلس غليون
- كلينتون تستبدل إسقاط النظام بالدرع الصاروخي الخليجي
- الفرنسيون وتكرار الحماقة الأمريكية
- قمة الكبار وقمة الصغار
- كرم أخلاق أمريكي
- قل للفضيحة بالمجلس الوطني....ماذا فعلت بمعارض متسعود؟
- حماس: سبحان مغير الأحوال
- متى انتصرت أمريكا؟
- دروس بابا عمرو
- انتحار حماس
- سفاه الشيخ: القرضاوي يقرّع حكام الإمارات
- عقوبات أم معونات؟
- بدون سوريا
- يوم سوري حزين: لا للدساتير الفاشية
- لماذا لا يكون دستور سوريا علمانياً؟


المزيد.....




- RT ترصد كواليس صناعة السينما الروسية
- Babel Music XP : ملتقى لصناع الموسيقى في مرسيليا
- الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز- ...
- جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
- نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ ...
- الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف ...
- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- تصادم مذنب بشراع جاك
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
- فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-


المزيد.....

- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - نضال نعيسة - جنون البشر