مصطفى ملو
الحوار المتمدن-العدد: 3687 - 2012 / 4 / 3 - 10:37
المحور:
كتابات ساخرة
"إميضريسطين"
ويتواصل اعتصام ساكنة إميضر للشهر السابع على التوالي,وتتواصل معه معاناتها الناجمة عن تهمة خطيرة و ذنب عظيم,يتمثلان في انتماء هذه الساكنة إلى منطقة تستعمرها كل أنواع التهميش و الإقصاء,وإلى بلد يطبل فيه الإعلام الرسمي و غير الرسمي و كذا بعض من يحملون صفة"مواطنين",يطبلون لقضايا أردوها و أرادوها وطنية,ويخرجون الناس من كل فج عميق في مسيرات تجند لها جميع الإمكانيات للتضامن معها,فعجبا لقلوب هؤلاء و هنيئا لهم على ما حابهم الله به من روح و خلق التضامن و المؤازرة.
التضامن قيمة وواجب إنساني لا أحد يجادل في ذلك,بل إن الذي لا يتضامن مع أخيه الإنسان في محنه أينما وجد و كيفما كانت ديانته ولونه و لغته لا يستحق أن يسمى إنسانا,لكن أليس مواطنينا أجدر بالتضامن؟أليس أطفال إميضر الحفاة العراة الذين انقطعوا أو الأصح قاطعوا الدراسة نصرة لآبائهم و أمهاتهم المنتفضين ضد الحكرة و التهميش,رغم أن أرضهم غنية بمعادن تستطيع أن تعيلهم لمئات السنين و مع ذلك لا يرون منها فتيلا و لا قطميرا,أليسوا أحق بالتضامن؟
إنه الاستلاب بمخالبه,ذلك الاستلاب الذي لطالما حاربته الحركة الوطنية الأمازيغية,التي اعتبرت دائما التضامن مع القضايا الوطنية الحقيقية من فقر و تهميش و بطالة...أولى,وأن في المغرب"فلسطينات",أو مناطق أكثر تأزما من فلسطين,و لعله الخطاب الذي بدأ يستوعب ولو بشكل نسبي,فرغم نضال و ممانعة من لا يريدون لهذه الرسالة أن تصل إلى الشعب,أصبحنا نسمع أصواتا تنادي و تقول بأن مؤازرة "أيت بوعياشسطين"و "إميضرسطين"و"تازاسطين" و"أنفكوسطين"...أهم و أسبق.
إن الحركة الأمازيغية إذ تحمل هذا الخطاب,تجابه و تتهم من قبل "مخوصصي الإنسانية" و محتكري الدين و واضعي الأخلاق في جيوبهم,بأنها ضد فلسطين أو أنها عديمة الإنسانية و الملة و الدين,وكأن التضامن مع فلسطين هو الركن الأول للدين,أي دين,و الشرط الواجب لتحقق إنسانية الإنسان,وحتى لا نتهم بالتناقض-هنا-,نكرر بأن تضامن الإنسان مع أخيه الإنسان كيفما كان و أينما كان شرط أساسي لتحقق إنسانيته,وهو ما لم يتوفر للأسف في المتضامنين مع فلسطين الناسين لإميضيريسطين,فمتى خرج هؤلاء و متى دعوا إلى مسيرات للتضامن مع "إخوانهم المغاربة" كما يفعلون مع إخوانهم الفلسطينيين؟و هل يتناقض التضامن مع المغاربة مع التضامن مع فلسطين,أو هل سينقص منه شيء؟
لا شك أن فلسطين كانت و ما تزال موضوعا للمزايدات السياسية و استعراض العضلات الجماهيرية من قبل أصحاب "القلوب الرحيمة","المناضلين" من أجل الإنسان الفلسطيني الذي يعيش أحسن من "الإنسان المغربي",كما تدل على ذلك جميع مؤشرات التنمية البشرية من صحة و تعليم و دخل فردي,و السبب في ذلك راجع إلى اقتناع هؤلاء بأن التضامن مع "الإنسان المغربي",لن يجيش ولن يضمن لهم مشاعر الآلاف من المواطنين الذين يعيشون الفقر المدقع كما تدل على ذلك جميع المؤشرات,ليطوفوا بهم في الشوارع,فإذا كان المثل يقول "مطرب الحي لا يطرب",فعقيدة هؤلاء المستلبين تقول"التضامن مع قضايا المغاربة لا تخرج الآلاف".
و أنا أتجول في الرباط أتعجب كل التعجب عندما أرى خيمة كبيرة تحتل مساحة شاسعة بساحة البريد(" إلى ما خفت نكدب قد المساحة ديال غزة"),مكتوب في مدخلها"من أجل مساندة الكفاح الفلسطيني",وفي المساء و بالقرب من نفس الساحة ترى حشود المعطلين تكسر جماجمهم و ضلوعهم و لا من يتضامن معهم,ولا من يتضامن مع أطفال مشردين و مواطنين يعيشون "تحت التاحتين",فأتساءل مع نفسي متى يتحول الاسم إلى:"من أجل مساندة و دعم الكفاح المغربي",ضد الفساد و البطالة و الفقر و التهميش,وأولا و قبل كل شيء,ضد الاستلاب وضد تفضيل الآخر على أنفسنا و ضد تمجيد و تقديس قضايا الآخرين على قضايانا الملحة و الخطيرة؟ومتى يعي ذلك الشاب القادم من "حي قزديري" الذي بالكاد حصل على ثمن تذكرة الدخول إلى مباراة لكرة القدم و المتحمس لنصرة فلسطين-بالشعارات طبعا و ليس بشيء آخر-,أن الشاب الفلسطيني يلبس أحذية رياضية و ملابس لن يحلم بها هو طول حياته؟متى تضامن معنا هؤلاء و متى ناصروا قضايانا الوطنية و متى خرجوا في مسيرات من أجل ذلك؟لماذا نحن هم المهووسين و المغرمين دائما بنصرة قضايا الآخرين في حين"هوما ما مسوقيناش"؟
ارتباطا بما سبق,من الغريب أنه في الوقت الذي عزلت فيه قرى بكاملها بسبب الأمطار الطوفانية الأخيرة التي هلكت و جرفت الزرع و الضرع و النسل,خرجت مسيرات بالآلاف للتضامن مع "الإنسان ذو الجودة العالية" أو" الإنسان الخالص"أو"الإنسان الماركة المسجلة" أو سميه ما شئت و لكن إياك أن تسميه مغربيا.
نتذكر كذلك الكارثة التي حلت ب"أنفكوسطين"في أحد الأعوام,حيث قضى عشرات الأطفال بسبب البرد القارس,وفي نفس الأثناء نتذكر سرب الطائرات التي حملت بكل ما لذ و طاب و دافيء إلى"الأطفال خمسة نجوم".
إن السؤال المطروح هو التالي:متى نعترف أو الأصح متى يعترفون هم,بأن "إميضيرسطين",-التي لا يعرفونها حتى في الخريطة فما بالك بالواقع-,متى يعترفون بأنها ليست بأحسن حال من فلسطين,بل إن حال الأولى أنكى و أفجع؟متى يعترف "أصحاب القلوب الرحيمة الهشيشة",الذين تغلي أفئدتهم بقيم الإنسانية و التضامن و المؤاخاة, والذين سخرهم الله"بحال درهم دلحلال" لخدمة قضايا الأمة,أن المدرسة و المستشفى و النقل في "إميضريسطين" و في غيرها,بل في الرباط نفسها,أكثر تأزما و تدهورا من ناظراتها في غزة و الأرقام تتحدث و ليس نحن؟ متى يعطون الأولوية للأطفال المغاربة أو على الأقل يساووا بينهم و بين إخوانهم الفلسطينيين,مادام تفضيلهم يبقى أمرا مستحيلا؟
أكيد أنهم يعرفون و يدركون كل هذه الحقائق,لكنهم ليسوا مستعدين بعد للاعتراف بها,من جهة لأن الاستلاب ضارب أطنابه فيهم,ومن جهة- و الله أعلم-,أنهم يتمنون استمرار معاناة فلسطين التي تجلب لهم الآلاف من الأنصار يهددون بها خصومهم,ويواصلون بها استرزاقهم و نهبهم لثروات و الأخطر لعقول نفس هؤلاء الأنصار,الذين متى أدركوا أن حال الذين يخرجون للتضامن معهم أفضل من حالهم بكثير مع أنهم يعيشون في ظل الاحتلال,إلا و انتفضوا و ثاروا ضد هؤلاء الذين يسوقونهم إلى مسيرات هدفها إلهاؤهم عن قضاياهم و معاناتهم الحقيقية.
أكيد لن نخسر شيئا إذا تضامنا مع فلسطين,ولكن كذلك لن نربح شيئا,ولكن إذا تضامنا مع "إميضريسطين",لن نخسر شيئا كذلك,ولكن سنربح مواطنين و نجعلهم يحسون بأننا معهم,وسنساهم في توجيه أنظار مسؤولين يعيشون هنا جسدا و الروح و العقل في" أرض الله المقدسة",إليهم,أي إلى هؤلاء الذين يعيشون في "الأرض المغضوب عليها",ليس من طرف الله,حاشا و معاذ الله,فلو كان هو الغاضب عليها لما أنعم عليها بتلك الفضة ذات الجودة العالية,ولكن مغضوب عليها من طرف "أصحاب القلوب الهشيشة" اتجاه أولئك,الذين حولوا نعمة الله إلى نقمة على هؤلاء,حيث قلوبهم قاسية,غليظة معهم,والحر بالغمزة وهو الذي سيفهم لغز هؤلاء و أولئك.
#مصطفى_ملو (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟